قراءة نقدية تأويلية في ديوان الشاعرة العراقية ناز عدنان البوتاني
رانية مرجية
تاريخ النشر: 30/09/26 | 7:22
شُموسٌ ووطن
من فائض العشق إلى سؤال الكينونة
ليس الشعر، في كثير من تجاربه، مجرد تسجيل لما يحدث في الخارج، بل هو الطريقة التي يعيد بها الإنسان ترتيب ما يحدث في داخله. ومن هذه الزاوية يمكن مقاربة ديوان «شُموسٌ ووطن» للشاعرة ناز عدنان البوتاني بوصفه تجربة تتحرك بين مستويين متداخلين: مستوى العاطفة بما تحمله من عشق وحنين وفقد، ومستوى الانتماء بما يثيره الوطن من أسئلة الهوية والذاكرة والمصير.
ولا تبدو العلاقة بين هذين المستويين عابرة أو تزيينية؛ فالعشق في الديوان يتسع تدريجيًا حتى يغدو سؤالًا عن المكان، والمكان يتحول بدوره إلى سؤال عن الذات، والذات لا تستقر إلا في الكتابة. من هنا لا يصبح الوطن مجرد موضوع شعري، بل يتحول إلى امتحان للوجود، بينما تصبح القصيدة وسيلة لمقاومة التلاشي والنسيان.
وتكشف بنية المجموعة هذا التداخل بوضوح؛ فهي تضم نصوصًا موزعة بين الشعر العمودي ذي الإيقاع الخليلي والقافية، وبين قصيدة النثر التي تعتمد حرية الإيقاع وكثافة الصورة والمشهدية والإيحاء. كما تتجاور فيها موضوعات العشق والحنين والذات والهوية والوطن والطفولة والحرب، بما يجعل الديوان أقرب إلى مسار وجداني تتغير فيه وظيفة القصيدة كلما تغير موقع الذات من العالم.
العنوان: «شُموس» في مواجهة «وطن»
يضع العنوان القارئ منذ البداية أمام مفارقة لافتة: «شُموسٌ» جمع، في مقابل «وطن» مفرد.
الشمس، في المخيال الشعري، مرتبطة بالنور والانكشاف والدفء واستعادة الحياة، بينما يحيل الوطن إلى المكان الواحد الذي تتكثف فيه الذاكرة والانتماء والمصير. ولعل الجمع في «شُموس» لا يشير إلى شمس حسية متعددة، بقدر ما يوحي بتعدد مصادر الضوء التي تحتاج إليها الذات كي تستمر في مواجهة عتمة الواقع.
وتكتسب هذه المفارقة دلالتها الأعمق حين تتجاور في الديوان مفردات الضوء والعتمة، والفجر والغسق، والنار والجليد، والماء والدمع، والنجاة والاحتراق. وحتى التقديم الوارد في الكتاب يضع العنوان في علاقة مباشرة مع صورة «وطن الغسق»، بما يجعل الضوء منذ البداية في مواجهة عتمة المكان.
وعليه، فإن العنوان لا يكتفي بتسمية المجموعة، بل يقترح مفتاحًا لقراءتها: وطن واحد، لكن الذات تحتاج إلى أكثر من شمس لكي تحافظ على قدرتها على الرؤية.
من «أنا» إلى «أنت»… ثم إلى «الوطن»
تبدأ التجربة من الذات، لكنها لا تبقى محصورة فيها. ففي «أنا وظلي» تبدو الذات في حالة بحث عن موقعها، فتتحرك بين النهر والشاطئ والزورق والفصول. تقول الشاعرة:
«أنادي المياه،
وأمضي إلى قلق الشاطئين،
أراقب زورقي المتهالك…»
الماء هنا ليس مجرد عنصر طبيعي؛ إنه فضاء للانتقال والقلق والبحث. أما «الشاطئان» فيقترحان حالة بينية: ذات لا تستقر تمامًا في جهة، ولا تصل إلى الجهة الأخرى. وحتى الزورق «المتهالك» يحمل صورة الذات التي تريد الوصول، لكنها لا تصل من دون أن تحمل آثار ما قطعته من مسافة.
ثم تتعمق هذه الذات في استعادة أصلها. ففي النص نفسه تأتي لحظة الميلاد والتسمية، ويظهر الاسم «ناز» بوصفه علامة على تشكل الهوية، قبل أن يظهر «العرق الخفي» بوصفه قوة داخلية ترافقها منذ البداية. وينتهي المقطع بعبارة شديدة الدلالة:
«غير أني باقية،
وبلا أي زيف.»
هنا تتحول الهوية من سؤال عن الاسم إلى سؤال عن البقاء. فالذات لا تعرف نفسها بما تحمله من ملامح فقط، وإنما بما تستطيع الاحتفاظ به من أصالتها في مواجهة التعثر والجوع والخوف.
ومن ثم فإن «أنا» الديوان ليست ذاتًا مكتفية بذاتها؛ إنها ذات تبحث عن مرآتها في «أنت»، ثم تجد أن «أنت» نفسها يمكن أن تتسع لتصبح مكانًا وهوية ووطنًا.
«على عتبة اللقاء»: الآخر بوصفه إمكانًا للنجاة
في «على عتبة اللقاء» تنتقل الذات من البحث الفردي إلى علاقة بالآخر. ويظهر هذا الانتقال في الصور التي تجمع بين الاحتراق والبرودة:
«كنت قبلك ظلاً يتشرب العتمة،
فصرت لهبًا يرقص في العراء؛
كل ما احتضنني الجليد زدته سعيرًا.»
الصورة تقوم على تضاد واضح: الظل/اللهب، الجليد/السعير، العتمة/النور. غير أن أهميتها لا تكمن في التضاد وحده، بل في الوظيفة التي يؤديها الآخر؛ فوجوده لا يلغي ألم الذات، وإنما يعيد تحويله إلى طاقة مقاومة.
وفي نهاية النص تقول الشاعرة:
«أنا أبسط من أن أكون مدينة،
وأنت أعظم من أن تسعك أبجدية.»
وهنا تتسع دلالة «أنت» من المحبوب إلى ما يتجاوز المحبوب. فالمدينة والأبجدية علامتان على المكان واللغة، وكأن الآخر أكبر من أن يختصره مكان أو نص. وفي الوقت نفسه، تبدو الذات محتاجة إلى الكتابة كي تمنح هذا الآخر شكلًا رمزيًا يمكن الاحتفاظ به.
وهذه نقطة أساسية في بناء الديوان: كلما عجز الواقع عن احتواء التجربة، لجأت الشاعرة إلى الكتابة بوصفها مساحة بديلة للاحتواء.
«رسالة في زجاجة»: الكتابة ضد النسيان
تصل هذه الفكرة إلى أكثر أشكالها وضوحًا في نص «رسالة في زجاجة».
فالزجاجة الموضوعة في البحر هي في ظاهرها رسالة إلى مجهول، لكنها على المستوى الرمزي صورة للقصيدة نفسها: نص يُلقى في المجهول، ولا يعرف صاحبه متى وأين سيصل، لكنه يصر على الوصول.
تقول الشاعرة:
«فملداد إذا أريق كالدم،
يغير مجرى الخارطة
ولو كانت في قاع المحيطات…»
هنا تتحول الكتابة من أداة تعبير إلى قوة تغيير. والمفارقة أن «المداد» يُقاس بالدم؛ أي إن الكتابة تخرج من منطقة الألم، لكنها لا تتوقف عند البوح به، بل تحاول أن تعيد رسم الخريطة.
وتتكرر في النص مفردات الماء والبحر والموج والصخرة والنوارس والحبر والمكاتيب. وهذه ليست صورًا منفصلة، بل شبكة واحدة: الماء يمثل فضاء النسيان المتحرك، بينما تمثل الكتابة محاولة تثبيت الذاكرة داخله. فالرسالة يمكن أن تضيع، والموجة يمكن أن تتحطم، والحبر يمكن أن يجف، لكن القصيدة تظل تراهن على إمكانية بقاء الأثر.
ومن هنا يصبح عنوان النص بالغ الدلالة: فالرسالة لا تُرسل إلى شخص بعينه فقط، وإنما إلى الزمن.
إنها كتابة تعرف هشاشتها، لكنها تكتب رغم ذلك.
من الحبيب إلى الوطن
لا يحدث التحول من العشق إلى الوطن بصورة مفاجئة؛ بل إن لغة الحب نفسها تنتقل تدريجيًا من المخاطب الفردي إلى المخاطب الجمعي والمكاني.
وفي «كوردية أنا…» تتضح هذه النقلة بأكثر صورها مباشرة. تقول الشاعرة:
«وقلمي يرتضع من رحم الضاد،
ينحت لـ”كوردستان” أيقونة من ضوء.»
في هذه العبارة تتجاور ثلاث علامات: القلم، والضاد، وكوردستان. القلم هو أداة التعبير، والضاد هي اللغة التي تكتب بها الشاعرة، وكوردستان هي الهوية والمكان. ومن خلال هذا التركيب لا تظهر الهوية في انفصال عن اللغة، بل تظهر داخلها.
ثم تقول:
«وطني ليس جغرافيا،
بل جسارة المعنى أمام الفناء.»
وهذه من أكثر العبارات المركزية في الديوان؛ لأنها تنقل الوطن من مفهوم المكان إلى مفهوم المعنى. فالوطن هنا ليس حدودًا جغرافية فحسب، بل قدرة على الحفاظ على الذات في مواجهة التلاشي.
واللافت أن الشاعرة تكتب عن الهوية الكردية بالعربية؛ وهو ما يمنح اللغة نفسها وظيفة مركبة: فهي ليست فقط وعاءً للقصيدة، بل فضاءً تلتقي فيه هوية الشاعرة الثقافية مع اللغة التي اختارت أن تقول بها هذه الهوية.
ومن ثم يمكن القول إن «كوردية أنا» لا تقدم الهوية بوصفها شعارًا منفصلًا، وإنما تربطها بثلاثة عناصر: الأصل، واللغة، والكتابة.
الوطن بين القصيدة والجرح
لكن الوطن في الديوان ليس صورة مثالية مستقرة. إنه، في مواضع كثيرة، مكان الجرح.
في «ماذا أقول؟» يتحول السؤال إلى بنية متكررة تكشف عجز اللغة أمام الفجيعة:
«هل لباب الوجع في بلادي مفتاح؟
وكيف يندمل الجرح
والتيه يملأ المدى؟»
ثم تأتي العبارة:
«وقد شاخ الكلام في أفواهنا،
وصارت كلمتنا المذبوحة هي القربان.»
هنا تتعرض اللغة نفسها للأذى. فالكلام الذي يفترض أن يصف الألم أصبح جزءًا منه، بل أصبح «قربانًا». وهذا يفسر لماذا يكثر في الديوان الحديث عن الحرف والقلم والحبر والصمت والبوح: لأن أزمة الوطن تنعكس في أزمة اللغة.
ومع ذلك لا تتوقف الشاعرة عند حدود العجز. ففي نهاية النص تصر على الكتابة:
«لكنني سأظل أكتب
على حيطان هذا الوطن:
ترى.. متى يطرق الفرح بابنا؟»
الكتابة هنا ليست زينة لغوية، بل فعل بقاء. إنها محاولة لأن تترك الذات أثرًا على جدار قد يكون مهددًا بالسقوط.
الطفولة: حين يصبح الوطن اختبارًا أخلاقيًا
يكتسب الوطن بعدًا آخر في «من أوراق الطفولة». فالطفولة لا تأتي هنا مجرد استعادة لزمن جميل، بل بوصفها معيارًا تقيس به الذات علاقتها بالمكان.
يقول النص:
«وأنا أمشي بين ألسنة اللهب بثبات،
ناجية دومًا بنوري..
لا يمس خافقي شرار ولا أحترق.»
تعود ثنائية النار والنور مرة أخرى، لكن بصورة مختلفة. النار هي الواقع المهدد، والنور هو القوة الداخلية التي تمنع الذات من التحول إلى رماد.
ثم تأتي العبارة الأكثر قسوة:
«هكذا هو الوطن هذه الأيام،
يحيا ويموت سادرًا في ضلاله وهمه.»
هنا تتخلى صورة الوطن عن رومانسيتها، ويصبح الوطن موضوع مساءلة. فالانتماء لا يعني غض الطرف عن الألم، بل قد يعني أن يصبح الحب نفسه شكلًا من أشكال السؤال.
ومن هذه الزاوية، تبدو الطفولة في الديوان أكثر من ذاكرة؛ إنها بوصلة أخلاقية تقيس المسافة بين الوطن الذي كان يمكن أن يكون والوطن الذي صار.
العراق: من المكان إلى الذاكرة الحضارية
ويتسع مفهوم الوطن في نص «العراق» ليأخذ بعدًا حضاريًا. فالنص يستدعي سومر وبابل والعباسيين ودجلة وبيت الحكمة، ثم يصل إلى صورة الأرض التي يورق فيها دم الشهيد.
وبذلك لا يظهر العراق بوصفه حاضرًا سياسيًا أو جغرافيًا فقط، بل بوصفه طبقات من الذاكرة التاريخية المتراكمة. غير أن هذا الاستدعاء الحضاري لا يأتي للزينة؛ إذ تقابله في الديوان صور الحرب والفجيعة والموت. وهذه المفارقة بين عظمة الذاكرة وثقل الحاضر تمنح الوطن في المجموعة توتره الأساسي.
فكلما اتسعت صورة الوطن تاريخيًا، ازداد سؤال الحاضر إلحاحًا: كيف يمكن لأرض بهذا العمق أن تعيش هذا القدر من الجرح؟
الضوء: من الصورة إلى البنية
من أكثر الحقول الدلالية حضورًا في المجموعة حقل الضوء. لكن الضوء ليس مجرد مفردة جمالية متكررة؛ إنه يكاد يشكل نظامًا داخليًا للقصائد.
نجد: الشمس، الفجر، الشفق، اللهب، الضياء، النور، وفي المقابل: العتمة، الغسق، الظلام، الاحتراق، الجليد.
وهذا التقابل يتيح قراءة الديوان كله تقريبًا بوصفه حركة بين قطبين: الانطفاء والإبقاء على جذوة الضوء.
في «أنا وظلي» تظهر العتمة والشتاء والانكسار، ثم ينتهي النص بإصرار الذات على البقاء. وفي «على عتبة اللقاء» يتحول الظل إلى لهب. وفي «كوردية أنا» تتحول كوردستان إلى «أيقونة من ضوء». وفي «من أوراق الطفولة» تنجو الذات «بنورها».
ومن هنا يصبح عنوان «شُموسٌ ووطن» أكثر عمقًا: الشموس ليست صورًا متفرقة، بل هي الطاقة الرمزية التي تقاوم غسق الوطن.
الماء والكتابة: ثنائية المحو والأثر
يقابل الضوءَ في الديوان حقل الماء: النهر، البحر، اليم، الموج، الشاطئ، الغيمة، المطر.
وإذا كان الضوء يرتبط بالبقاء والرؤية، فإن الماء يرتبط بالحركة والمحو والعبور. ولهذا يبدو حضور الماء في «أنا وظلي» و«رسالة في زجاجة» ذا أهمية بنائية.
فالذات تمضي نحو «قلق الشاطئين»، والرسالة تُلقى في البحر، والموج يهدد المكتوب، لكن الكتابة تحاول أن تقاوم هذا المصير.
وهنا تتشكل واحدة من أجمل المفارقات في الديوان:
الماء يمحو، والكتابة تثبت.
لكن الكاتبة لا تنتصر على الماء انتصارًا كاملًا؛ بل تظل الكتابة معرضة للخطر. ومن هذه المنطقة الهشة تحديدًا تتولد قيمة فعل الكتابة.
«أنا» ليست مركز الديوان بل طريقه
قد يبدو لأول وهلة أن كثرة ضمير المتكلم تجعل الديوان شديد الذاتية، غير أن تتبع مساره يكشف أن «أنا» ليست غاية التجربة، وإنما وسيلتها.
فـ«أنا» تبدأ بوصفها ذاتًا قلقة، ثم تدخل في علاقة مع «أنت»، ثم تتسع لتشمل الهوية، ثم تتحول إلى «أنا» وطنية، ثم إلى «نحن» ضمنية تحمل ذاكرة الجماعة.
وبهذا يتحول السؤال من:
من أنا؟
إلى:
إلى أين أنتمي؟
ثم إلى:
كيف أحافظ على هذا الانتماء حين يصبح المكان نفسه موضع جرح؟
وهنا تكتسب عبارة «وطني ليس جغرافيا» معناها الكامل؛ فالوطن الذي تبحث عنه الذات ليس مجرد مساحة تسكنها، بل معنى تريد ألا تفقده.
قصيدة النثر: حين يصبح الإيقاع داخليًا
تستفيد المجموعة من تعدد أشكالها. فالشعر العمودي يمنح التجربة إيقاعًا موروثًا واضحًا، بينما تسمح قصيدة النثر بانفتاح أكبر على المشهد والتقطيع والإيحاء.
وفي نصوص مثل «رسالة في زجاجة» و«الصرخة والصدى» و«أبوح اليوم» نرى اعتمادًا أكبر على الجملة الشعرية القصيرة، وعلى التتابع البصري للصورة، وعلى المفارقة بين الكلمات. وفي «الصرخة والصدى» مثلًا تتجاور صور مثل «بسمة باكية»، و«انتحار الشموس»، و«ضحكة هادرة»، و«فوضى الصمت»، بما يكشف اعتماد النص على المفارقة والتضاد في توليد حركته الداخلية.
أما في الشعر العمودي، فإن حضور الوزن والقافية يمنح القصيدة انتظامًا موسيقيًا مختلفًا، ويجعل الشاعرة في حوار أوضح مع الموروث الشعري.
وهذا التنوع لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد اختلاف شكلي؛ إذ يرتبط، في كثير من المواضع، بطبيعة التجربة نفسها: حين تحتاج الذات إلى انتظام موسيقي تستدعي القصيدة العمودية، وحين تحتاج إلى انفتاح على المشهد والبوح تلجأ إلى قصيدة النثر.
الصورة الشعرية: قوة أسلوبية تحتاج إلى اقتصاد
تمتلك البوتاني قدرة واضحة على بناء الصورة، خصوصًا من خلال عناصر الطبيعة: الماء، الضوء، النار، الشجر، الريح، البحر، الغيم. وهذا يمنح الديوان قاموسه الحسي الخاص.
غير أن هذه القوة نفسها تكشف موضعًا يحتاج إلى قدر أكبر من الاقتصاد.
ففي عدد من النصوص تتوالى الصور والاستعارات بكثافة، بحيث تتنافس الصور أحيانًا بدل أن تتساند. وقد يؤدي تراكم المجازات إلى إضعاف الصورة الأقوى، لأن القارئ ينتقل بسرعة من استعارة إلى أخرى قبل أن تستقر الصورة الأولى في وعيه.
وهذه ليست ملاحظة تهدم التجربة، بل تكشف مجال تطورها. فالشاعرة حين تثق بصورة واحدة وتمنحها مجالًا كافيًا لتؤدي وظيفتها، تكون أكثر تأثيرًا مما تكون عليه حين تحشد عدة صور متتابعة في مساحة قصيرة.
ومن ثم فإن الاقتصاد الشعري يمكن أن يكون أحد آفاق تطور هذه التجربة: ليس بالتقليل من الخيال، وإنما بانتقاء الصورة الأكثر قدرة على حمل المعنى وترك ما عداها يعمل في الظل.
من فائض العشق إلى سؤال الكينونة
إذا أردنا الإمساك بالخيط الذي يصل أجزاء الديوان بعضها ببعض، فلن يكون الحب وحده، ولا الوطن وحده، ولا الهوية وحدها، بل سؤال البقاء.
الحب في البداية يبدو بحثًا عن الآخر، ثم يتحول إلى بحث عن الذات. والذات تبحث عن أصلها، فتجد الهوية. والهوية تبحث عن مكانها، فتجد الوطن. والوطن يواجه الجرح، فتعود الذات إلى الكتابة.
وهكذا يمكن رسم الحركة الداخلية للديوان على النحو الآتي:
العشق ← الذات ← الآخر ← الهوية ← الوطن ← الجرح ← الكتابة ← البقاء.
ولهذا فإن عبارة «من فائض العشق إلى سؤال الكينونة» ليست مجرد صياغة بلاغية لعنوان نقدي؛ إنها محاولة لتسمية المسار العميق الذي تنتظم فيه المجموعة.
فالعشق هو نقطة الانطلاق، لكنه ليس نقطة الوصول.
نقطة الوصول هي سؤال: كيف تكون الذات ذاتها، وكيف تحافظ على اسمها وذاكرتها ومكانها، حين يصبح كل شيء عرضة للفقد؟
خاتمة: القصيدة بوصفها مكانًا أخيرًا للنجاة
في نهاية الديوان لا تبدو الشاعرة وكأنها وصلت إلى إجابة نهائية. وهذا، في تقديري، من خصائص التجربة التي تمنحها قابليتها للتأويل.
فـ«ماذا أقول؟» لا يملك جوابًا حاسمًا، و«رسالة في زجاجة» لا تضمن وصول رسالتها، و«أنا وظلي» لا تلغي القلق، و«من أوراق الطفولة» لا تستعيد وطنًا خاليًا من الجرح.
لكن الشعر يفعل شيئًا آخر: إنه يمنع التجربة من الاختفاء.
حين يصبح الكلام مهددًا بالشيخوخة، تكتب الشاعرة. وحين يصبح الوطن جرحًا، تكتب على حيطانه. وحين يصبح البحر فضاءً للنسيان، تضع رسالتها في زجاجة. وحين تصبح الهوية معرضة للعتمة، تنحت «أيقونة من ضوء».
وهنا تتضح القيمة الأعمق لعنوان الديوان: «شُموسٌ ووطن».
فالوطن واحد، لكن الذاكرة تحتاج إلى شموس كثيرة كي لا تنطفئ؛ شمس للحب، وشمس للهوية، وشمس للطفولة، وشمس للغة، وشمس للكتابة.
ولعل أجمل ما تنتهي إليه تجربة ناز عدنان البوتاني أن القصيدة لا تقدم نفسها بوصفها ملاذًا من الوطن، وإنما بوصفها محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه منه وفيه: الاسم، والذاكرة، والحب، والهوية، والإنسان.
وهكذا، من فائض العشق، تصل الشاعرة إلى السؤال الأبعد:
كيف تبقى الذات مضيئة، حين يثقل الوطن بالغسق؟
ولعل جواب الديوان ليس عبارة جاهزة، بل فعل شعري متواصل:
أن تكتب.



