عائد الميعاري ورائد المغاري يقتلان نفسَيْهما ويبقيان حيّين!
سعيد نفّاع
تاريخ النشر: 29/09/26 | 12:37
قصّة – من المجموعة القصصيّة: “نكبة الدوري” الصادرة عام 2001م
((عائد المعياري… بطل قصّة الكاتب محمّد علي طه ((عائد المعياري يبيع المناقيش في تل الزعتر)).
((اِرتم، اِزحف، اِستتر، اِصل ثم اِطلق!)) مقولة أعادها مرّاتٍ عديدةً بينَهُ وبين نفسه، يوم تدرّب عليها إلى أن تقشَّرَ مرفقاه وركبتاه وملأت الأشواك أنحاء عدّة من جسدِهِ، متهيّبًا بادئ الأمر ثمّ معتادًا ولم يعِرْها أيّ اهتمام إلّا بِقَدْرِ ما يعيرُ أمرًا ينفّذه مُجْبَرًا غير مقتَنِع، لكن أن يجدَ نَفْسَهُ يكرّرها المرّة تلو المرّة، ويشكر طالعَهُ أنّها ما زالت عالقةً في ذهنه، ويتمنّى أنّهُ ما زال يتقِن كلّ حركة فيها، لم يخطرْ على بالِهِ حتّى في أحلك رَحَلاتِه وأفكارِهِ وما كان أكثرها خصوصًا في الأشهر الأخيرة.
((أتمنّى أن يكون عائد يذكرها أأسْأَلُه؟ لا! ممنوع بتاتًا! فالأوامر جليّة!)).
كانَت الأعشاب تُدعَك دعكًا، تحت النعال الثقيلة لأشباح تسير والليل وغناء الصراصير ونهيق حمير ونباح كلاب على البعد والصمت. شعَرَ أنّ أصابعه تخدّرت وهي قابضة على رفيقتِه الملازِمة منذ أشهر، وأسنانه تصطكّ خوفا.
((لا لا إنّي لا أخاف! لا أخاف شيئًا، فقط بعض البرد!))
نفضَ رأسه طارِدًا هذه الأفكار، إلّا أنّه ما لَبِثَ أن تزاحمت عليه صُوَر ذويه: إلهام باسمةً محاولةً إخفاء دموعها المترقرقة، وأمّه وأبيه وإخوته الصغار، لكن هذا أيضًا ضايَقَهُ وأحسّ أنّهم حملٌ ثقيلٌ حطّ على كاهله.
((غريب! حتّى أولاء أعزّ مَن في الدنيا على قلبي يضايقُني التفكير بهم؟! لعنة الله على هذه الليلة! ولعنة على أولاء الملاعين الذين يسوّدون حياتي إلى هذا الحد، أيجعلونني أكره التفكير في أهلي؟ سأجعلُ مرافِقَتي تمزّقهم إربا!!)
– بست!!
إنّها الإشارة وتسمّر وزملاؤه، ثمّ بعد لحظات:
– بست!!
واستمرّت الرحلة…
((أحقّا هم الملاعين؟! فما لي أنا ولهذا؟ لم يُقبَر لي جدٌّ هنا!! لعنة على هذه الأفكار السوداء التي حطّت رحالها في مخيّلتي، آه لو أستطيع أن أغنّي لأطردها لستّين جهنّم…))
النعال تخبّ والحجارة تفرقع والأعشاب تتقَصّف…
((أين هم؟ لماذا لا يظهرون ويريحوني؟ سأمزّقهم سأبقر بطونهم! كل هذا العذاب هم سببه!!))
وتتخلّل ثنايا جسدِه رعشة…
((وإن مزّقوني؟! لا لا إنّهم جبناء يهربون عندما يروننا أو حتّى يحسّون بوجودنا، فما علينا إلّا أن نضع ((الديناميت)) في بيوتِهم ونعود سالمين غانمين، هكذا قيلَ لنا ولا شك أنّ هذا صحيح، وإن وجدناهم سنطاردهم مثل الفئران فهم جبناء ويقتلون فقط النساء والأطفال، ولذلك يجب أن نلقنّهم درسًا، فأمام الرجال هم جرذان!))
يجفل حيوان بري يثير خرفشة بانسلالِه داخل الشجيرات المتشابكة، وينبطح الجميع. يعلو وجيب قلبه، ويداه تكادان تحطّمان أضلع رفيقتِهِ، فتكاد تفرِغ ما بداخلها، لكنّها تنتظر الرفيقة الكبرى علّها تتقيّأ فلا تفعل.
– بست!!
ويتابعون المسير إلى الهدف غير المعلوم…
((اِرتم، اِزحف، اِستتر، اِصل ثم اِطلق!))
وابتسم لنفسِهِ لقد نفذّها بدقّة وخلال ثوانٍ ودون تفكير… العلامة: ممتاز!!
((هؤلاء الأنذال، لماذا يقاتلون الأطفال وما يريدون؟! بلادُهم، أيُّ بلاد هذه لقد درسونا التاريخ في الابتدائية والثانوية، لم يكُن لهم بلادٌ هنا، وليست هذه بلادهم، فبلادهم الصحراء، ويحاربون من أجل روسيا، هذا ما أكّدَهُ لنا معلّم التاريخ، ولا شك في أقواله فالضابط التربوي أكّد ذلك في عدّة محاضرات. لكن… وتمرّ بذاكرته تلك الكلمات التي كان يطلقها سمير بحماسة شديدة مقاطِعًا نافيًا هذا الكلام متّهِمًا الضابط والسياسة التي يمثّلها بالعدوان والعنصريّة والتجهيل، والتي مِن أحد مظاهرها حقيقة تجنيدنا. لا لا!! ما قالَهُ مجرّد كلام فارغ هذا ما أجابه المحاضر يومها. لكنّي لم أرَهُ بعدَها أين أخذوه؟ لماذا نقلوه من وحدتنا؟ ربّما إلى السجن؟! يستحق! فكيف يقول إنّ جيشَنا محتلّ ومعتدٍ؟!))
لم يكُن التوافق بين هذا وبين شعوره تامًّا، ولا ينكر أنّ شريط هذه المساجلة دار في رأسه مئات المرّات في الأشهر الأخيرة، ولا ينكر أنّ الغَلَبة وفي كثير من الجولات كانَت للطرف الثاني، ويجدُ نفسه يقف بين جمهور مؤيّديه، لكن لا يلْبَث أن يعودَ إلى جمهور الطرف الأول، واليوم بالذات يَرَى نفسَه يصفّق بين جمهور الطرف الثاني لكن ليسَ بالحماس الذي كان يملؤه، فما زال يراودُه التردُّد والنيّة في تَرْك البطل في مأزِقه.
– بست!!
صاحب الصوت يشير نحو آكام ترابيّة يصدر منها نورٌ باهتٌ مترجرجٌ، الظلام مدلَهِمٌّ، الأسنان تصطكّ، العرق يتفَصَّدُ وشَعْرُ البدن يقبّ، والخُطى غير واثقة، والثكنَة تقترب، وعائد يلتَفِت إلَيْه يبتسم بسمَةً غريبةً لم تَكُن التي يعرفُها أو هكذا خالَها، والثّكنة تقترب…
((متى تقيء الكبرى؟ أحشاء رفيقتي تتقَلَّب، أرجو فقط ألّا يصيبَها الإمساك… لن يصيبَها إنّها لا تخون!!))
ولعلَعَت رصاصات، ثم انفجار، ثم وابل ووابل، وضَغَط الزناد بكُلِّ قوة ورجّت يداه بقوة واستمرّ يضغط، وتطايَر الرصاص حولَهُ يحن إثر اصطدامه بالصخور… صرخة استغاثة، ثمّ وهج، وقبالته يقفز شبح ثمّ آخر، فتجمدُ يدُه على الزناد مجدّدًا، يبدل خزّانًا ويلتَفِت إلى عائد مرّةً أخرى، وينفض رأسه بشدّة، إنّ الوابل يزداد، ثمّ وهج آخر، ويقفز شبحان صدراهما إليهم ((لا يمكن!!)) يتقدّمان كلّ مرّة، ويقبّ شعْرُ بدنِه ويترك الزناد وينظر نحو عائد فيجد أنّ الآخر ينظُر إليه.
((مرّتين لا يمكن؟!)) يقفز الشبحان ثم يختفيان، ويخال أنّهُ يرى فيهما نفسَه وعائدًا، وينفض رأسه، ويعاود الضغط على الزناد، ورفيقتُه تقيء وتقيء، ثمّ قيء متقطّع، ثم توقُّف، – إلى الوراء!!
((لا يمكن!! لا يمكن!! يبدو أنّي لم أسمع جيّدًا، لكنّ عائدًا يزحَفُ إلى الخلف)).
دويّ انفجار وآخر، ثمّ وهج ثمّ دخان، وشبحان من بين الدخان. يفغَرُ فاه تتجمّد يداه على الزناد ينظر إلى عائد إنّه بجانِبِه… ظانَّهُ بجانبه، وقبالته، ينفض رأسه ويغمض عينيه ثم يفتحهما، إنّه قبالة نفسه. ويضغط الزناد بقوة يكاد يحطّمه، ويراه يسقُط… يرى نفسه يسقُط، وعائد قبالته يطلقُ ويسقُط عائد بجانبه، وقبالته ينقضّ عائد على رائد يحملُه، وينقضّ هو على عائد يحملُه، والرصاص يلعلع والانفجارات تتوالى، والخُطى حثيثة.
عائد قتل عائدًا وأنا قتلت رائدا!! أين عائد؟! قتل عائدًا واختفى بين الدخان! ورائد قتل رائدًا ولَفّهُ الظلام! وتداعَت المناظر أمام ناظرَيْه حتّى لم يَعُد يميّز منها شيئًا، فتح عينَيْه، الأبيض يلُفّهُ مِن كل صوب وإلهام تنتحب، يحيطها الأبيض، ويدٌ ناعمةٌ تداعب شعرَهُ، وأخرى تسندُ رأسَهُ ثمّ يروح في إغماءةٍ أخرى يهذي ويهذي.
– ((عائد قتل عائد، ورائد قتل رائد…))
((الساعة التاسعة: قامَت قواتُنا ليلة أمس بمهاجمة أوكار المخرّبين عَبْرَ الحدود، مكبّدةً إيّاها خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، وعادَت قواتنا إلى قواعدها سالمة!!))
وعلا نحيب إلهام…
وظلّ رائد يجول في أزقّة قريتِنا ويردّد:
((قتلت رائد، وعائد قتل عائد!!))
وردّد أطفال قريتِنا وراءه عَبْرَ ضحكاتهم البريئة:
((عائد قتل عائد ورائد قتل رائد!!))
سعيد نفّاع
الأمين العام – الاتّحاد العام للكتّاب الفلسطينيّين- الكرمل48 (2014-2025



