بناءُ الوعيِ الإنسانيِّ وتحريرُ العقلِ من منطقِ التَّطرُّفِ
الباحث الدكتور رافع حلبي – دالية الكرمل.
تاريخ النشر: 27/09/26 | 13:25
إنَّ مواجهةَ التَّطرُّفِ لا ينبغي أن تبدأَ من لحظةِ ظهورهِ في صورةِ سلوكٍ عنيفٍ، ولا أن تقتصرَ على ملاحقةِ نتائجهِ بعدَ وقوعِها، لأنَّ السّلوكَ المتطرِّفَ لا ينشأُ عادةً بصورةٍ مفاجئةٍ، وإنَّما تسبقهُ تحوُّلاتٌ في طريقةِ التّفكيرِ، وفي منظومةِ القيمِ والتّصوُّراتِ الّتي يحملُها الإنسانُ تجاهَ ذاتِهِ وتجاهَ الآخرِ وتجاهَ الدِّينِ والمجتمعِ والحياةِ، ولذلكَ فإنَّ المعالجةَ العميقةَ للتَّطرُّفِ تقتضي الانتقالَ من التّعاملِ معَ الظّاهرةِ بعدَ اكتمالِها إلى البحثِ في الشّروطِ الفكريَّةِ والنّفسيَّةِ والثّقافيَّةِ الّتي تسمحُ لها بالنموِّ والتَّرسُّخِ، ومن هذا المنطلقِ، يصبحُ بناءُ الوعيِ الإنسانيِّ أحدَ المداخلِ الأساسيَّةِ في الوقايةِ منَ التَّطرُّفِ، لأنَّ الوعيَ هو المجالُ الّذي تتشكَّلُ فيهِ رؤيةُ الإنسانِ إلى العالمِ، وتتحدَّدُ من خلالِهِ مواقفُهُ منَ الاختلافِ والحوارِ والحقِّ والمسؤوليَّةِ والكرامةِ الإنسانيَّةِ. وكلَّما كانَ الوعيُ أكثرَ اتِّساعًا وقدرةً على النَّقدِ والمراجعةِ، كانَ الإنسانُ أقدرَ على مقاومةِ الأفكارِ المغلقةِ الّتي تختزلُ العالمَ في ثنائيَّاتٍ حادَّةٍ، وتقسمُ البشرَ إلى جماعةٍ تملكُ الحقيقةَ وأخرى تُجرَّدُ منَ الحقِّ في الوجودِ أو الاختلافِ، ولا يُقصدُ بالوعيِ هنا مجرَّدُ امتلاكِ المعلوماتِ أو تراكمِ المعارفِ، وإنَّما المقصودُ بناءُ قدرةٍ إنسانيَّةٍ على الفهمِ والتَّمييزِ والتَّحليلِ والمراجعةِ، فالمعرفةُ لا تؤدّي وظيفتَها الحضاريَّةَ إذا بقيتْ منفصلةً عنَ العقلِ النَّاقدِ وعنَ المسؤوليَّةِ الأخلاقيَّةِ، وقد يمتلكُ الإنسانُ قدرًا كبيرًا منَ المعلوماتِ، ثمَّ يستخدمُها لتبريرِ التَّعصُّبِ أو تكريسِ الإقصاءِ أو الدّفاعِ عن فكرةٍ مغلقةٍ، ولذلكَ فإنَّ قيمةَ المعرفةِ لا تكمنُ في كثرتِها وحدَها، بل في قدرتِها على توسيعِ أفقِ الإنسانِ، وتعميقِ فهمِهِ، وتحريرِهِ منَ الأحكامِ الجاهزةِ، ومن هنا، فإنَّ بناءَ الوعيِ يرتبطُ ارتباطًا وثيقًا بتحريرِ العقلِ منَ القوالبِ الفكريَّةِ الّتي تمنعُهُ منَ السّؤالِ والمراجعةِ، فالعقلُ الذي يتلقّى الأفكارَ دونَ فحصٍ، ويحوِّلُ الموروثَ إلى حقيقةٍ نهائيَّةٍ، ويعتبرُ الاختلافَ تهديدًا، يمكنُ أن يصبحَ بيئةً مناسبةً لنموِّ التَّطرُّفِ، أمَّا العقلُ الّذي يمتلكُ القدرةَ على السُّؤالِ، ويفرِّقُ بينَ الفكرةِ وصاحبِها، وبينَ النَّصِّ وتفسيرِهِ، وبينَ الإيمانِ والتَّعصُّبِ، فإنَّهُ يكونُ أكثرَ قدرةً على بناءِ موقفٍ متوازنٍ ومسؤولٍ منَ الدِّينِ والإنسانِ والحياةِ، وفي هذا السّياقِ، يقدِّمُ القرآنُ الكريمُ مفهومًا عميقًا لطبيعةِ التَّفاعلِ الإنسانيِّ معَ الخطابِ الدِّينيِّ، فيقولُ سبحانهُ وتعالى:
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [الإسراء: 41].
تكشفُ هذه الآيةُ عن حقيقةٍ مهمَّةٍ في بناءِ الوعيِ، وهي أنَّ حضورَ الخطابِ القيميِّ وتعدُّدَ طرائقِ عرضِهِ لا يعني بالضرورةِ أنَّ الإنسانَ سيستجيبُ لهُ استجابةً واعيةً، فالتَّذكُّرُ فعلٌ داخليٌّ يرتبطُ بقدرةِ الإنسانِ على استقبالِ المعنى والتَّفاعلِ معهُ، بينما قد يقودُ الانغلاقُ الفكريُّ إلى نتيجةٍ معاكسةٍ، فيتحوَّلُ ما يُقدَّمُ للإنسانِ منَ المعاني والقيمِ إلى مصدرِ نفورٍ إذا أُغلقتْ منافذُ الفهمِ، أو غلبتِ الأهواءُ والتَّصوُّراتُ المسبقةُ على قدرةِ الإنسانِ في النَّظرِ والمراجعةِ، ومن هنا، فإنَّ الوعيَ لا يُبنى بمجردِ تقديمِ المعلوماتِ، ولا بإغراقِ الإنسانِ في الخطاباتِ الوعظيَّةِ، وإنَّما ببناءِ عقلٍ قادرٍ على التَّفاعلِ معَ المعرفةِ تفاعلًا حرًّا ومسؤولًا، فالمطلوبُ ليسَ أن يحفظَ الإنسانُ الأفكارَ، بل أن يفهمَها، وليسَ أن يكرِّرَ العباراتِ، بل أن يُدركَ مضامينَها ونتائجَها، وليسَ أن يرثَ المواقفَ كما هي، بل أن يمتلكَ القدرةَ على فحصِها في ضوءِ العقلِ والقيمِ والواقعِ الإنسانيِّ والنّور، وهنا يظهرُ الخطرُ الحقيقيُّ للتَّطرُّفِ، فهو لا يكتفي بتقديمِ فكرةٍ معيَّنةٍ، وإنَّما يسعى إلى إعادةِ تشكيلِ طريقةِ الإنسانِ في النَّظرِ إلى الأفكارِ ذاتِها، إذ قد يُعادُ تعريفُ الخيرِ والشَّرِّ، والحقِّ والباطلِ، والولاءِ والعداءِ، بحيثُ يصبحُ المختلفُ خطرًا لمجرَّدِ اختلافِهِ، ويصبحُ رفضُ الآخرِ دليلًا على قوَّةِ الانتماءِ، ويُعادُ تفسيرُ القيمِ الأخلاقيَّةِ ضمنَ منظومةٍ مغلقةٍ تبرِّرُ الإقصاءَ وتمنحُ العنفَ غطاءً فكريًّا أو دينيًّا، ولهذا فإنَّ تحريرَ العقلِ من منطقِ التَّطرُّفِ لا يعني تحريرَهُ منَ الدِّينِ أو منَ الإيمانِ، بل يعني تحريرَهُ منَ الاستغلالِ البشريِّ للدِّينِ، ومنَ تحويلِ القراءةِ البشريَّةِ للنَّصِّ إلى سلطةٍ مطلقةٍ لا تقبلُ المراجعةَ، فالنَّصُّ المقدَّسُ شيءٌ، وفهمُ الإنسانِ لهُ شيءٌ آخرُ، والإيمانُ شيءٌ، وتوظيفُ الإيمانِ لخدمةِ مشروعٍ إقصائيٍّ شيءٌ آخرُ، ومن الخطأِ المنهجيِّ والأخلاقيِّ أن تُنسبَ كلُّ قراءةٍ بشريَّةٍ إلى الدِّينِ نفسِهِ، أو أن يُمنحَ صاحبُ تفسيرٍ معيَّنٍ سلطةً تجعلُ رأيَهُ معيارًا لإيمانِ الآخرينَ أو إنسانيَّتِهم.
إنَّ العقلَ المحرَّرَ لا يعني العقلَ المنفلتَ منَ القيمِ، كما أنَّ العقلَ المنضبطَ بالقيمِ لا يعني العقلَ المغلقَ، بل إنَّ العلاقةَ السّليمةَ بينَ العقلِ والقيمةِ تقومُ على التَّكاملِ، فالعقلُ يمنحُ الإنسانَ القدرةَ على الفهمِ والتّمييزِ، والقيمُ تمنحُ هذا الفهمَ اتِّجاهَهُ الأخلاقيَّ، وعندما يجتمعُ العقلُ معَ المسؤوليَّةِ الأخلاقيَّةِ، يصبحُ الإنسانُ أكثرَ قدرةً على إدراكِ خطورةِ تحويلِ الأفكارِ إلى أدواتٍ للهيمنةِ أو الإقصاءِ أو العنفِ، ومن أهمِّ مظاهرِ الوعيِ الإنسانيِّ النّاضجِ أن يتعلَّمَ الإنسانُ كيفَ يراجعُ نفسَهُ قبلَ أن يحاكمَ غيرَهُ، وكيفَ يختبرُ قناعاتِهِ قبلَ أن يفرضَها على الآخرينَ، وكيفَ يفرِّقُ بينَ الاختلافِ والعداءِ، وبينَ النَّقدِ والإهانةِ، وبينَ الدِّفاعِ عنِ المبدأِ وتحويلِ المبدأِ إلى ذريعةٍ لإلغاء الآخرِ، وهذه القدرةُ ليستْ ترفًا فكريًّا، بل هي منَ الشروطِ الأساسيَّةِ لبناءِ مجتمعٍ قادرٍ على إدارةِ اختلافاتِهِ من دونَ أن تتحوَّلَ إلى صراعاتٍ مدمِّرةٍ، كما أنَّ بناءَ الوعيِ يتطلَّبُ إعادةَ الاعتبارِ إلى ثقافةِ السّؤالِ، لأنَّ السّؤالَ ليسَ علامةً على ضعفِ الإيمانِ أو نقصِ المعرفةِ، وإنَّما يمكنُ أن يكونَ بدايةَ البحثِ الحقيقيِّ عنِ الفهمِ، والمجتمعُ الّذي يخشى السّؤالَ يفتحُ المجالَ أمامَ الإجاباتِ الجاهزةِ، بينما المجتمعُ الّذي يسمحُ بالسّؤالِ ويؤسِّسُ لهُ في التّربيةِ والتّعليمِ والثّقافةِ، يمنحُ الإنسانَ فرصةً لأن يبنيَ قناعاتِهِ على الفهمِ لا على الخوفِ، وعلى الاقتناعِ لا على الإكراهِ، ومن هنا تأتي مسؤوليَّةُ المؤسَّساتِ التّربويَّةِ والثّقافيَّةِ والدِّينيَّةِ والإعلاميَّةِ في تشكيلِ الوعيِ العامِّ، فمواجهةُ التَّطرُّفِ لا يمكنُ أن تُتركَ للمؤسَّساتِ الأمنيَّةِ وحدَها، لأنَّ الأمنَ يعالجُ كثيرًا منَ النّتائجِ، بينما يحتاجُ بناءُ المناعةِ الفكريَّةِ إلى عملٍ طويلِ الأمدِ يبدأُ منَ الأسرةِ والمدرسةِ والجامعةِ، ويمتدُّ إلى المنابرِ الدِّينيَّةِ ووسائلِ الإعلامِ والفضاءِ الثّقافيِّ والمجالِ العامِّ.
تزدادُ أهميَّةُ ذلكَ في عصرٍ أصبحتْ فيهِ الأفكارُ تنتقلُ بسرعةٍ غيرِ مسبوقةٍ، وأصبحَ الإنسانُ يتعرَّضُ يوميًّا لكمٍّ هائلٍ منَ المعلوماتِ والصّورِ والخطاباتِ والتَّفسيراتِ، وفي ظلِّ هذا الواقعِ، لم تعدِ المشكلةُ في الوصولِ إلى المعلومةِ، وإنَّما في القدرةِ على تمييزِها وفهمِها ووضعِها في سياقِها، ومن دونِ هذه القدرةِ، يمكنُ للمعلومةِ المبتورةِ أن تتحوَّلَ إلى قناعةٍ، وللقناعةِ المنعزلةِ عنِ السِّياقِ أن تتحوَّلَ إلى موقفٍ، وللموقفِ المتوتِّرِ أن يتحوَّلَ إلى سلوكٍ عدائيٍّ.
إنَّ الإنسانَ الّذي يمتلكُ وعيًا نقديًّا لا يكونُ معصومًا منَ الخطأِ، لكنَّهُ يمتلكُ القدرةَ على اكتشافِ الخطأِ ومراجعتِهِ وتصحيحِهِ، وهذه الخاصيَّةُ تحديدًا تمثِّلُ عنصرًا مهمًّا في مقاومةِ التَّطرُّفِ، لأنَّ الخطابَ المتطرِّفَ يحتاجُ إلى يقينٍ مغلقٍ لا يسمحُ بالمراجعةِ، بينما الوعيُ النّاضجُ يقومُ على إمكانيَّةِ التّعلُّمِ والتَّصحيحِ وإعادةِ النَّظرِ، وعليهِ، فإنَّ تحريرَ العقلِ من منطقِ التَّطرُّفِ لا يتحقَّقُ بفرضِ عقلٍ بديلٍ أو بإحلالِ خطابٍ مغلقٍ مكانَ خطابٍ مغلقٍ آخرَ، وإنَّما يتحقَّقُ بإطلاقِ قدرةِ الإنسانِ على التّفكيرِ المسؤولِ، وربطِ الحريَّةِ بالمسؤوليَّةِ، والمعرفةِ بالأخلاقِ، والإيمانِ بالكرامةِ الإنسانيَّةِ، والاختلافِ بالحوارِ، فالغايةُ ليستْ صناعةَ إنسانٍ يتخلّى عن هويَّتِهِ، بل صناعةُ إنسانٍ يفهمُ هويَّتَهُ دونَ أن يحوِّلَها إلى جدارٍ يفصلُهُ عن الآخرينَ، ويحترمُ إيمانَهُ دونَ أن يجعلَ منهُ أداةً لإلغاء إيمانِ غيرِهِ، ويتمسَّكُ بقيمِهِ دونَ أن يحوِّلَها إلى مبرِّرٍ للعداءِ.
إنَّ بناءَ الوعيِ الإنسانيِّ، بهذا المعنى، هو انتقالٌ من الإنسانِ المتلقّي إلى الإنسانِ المفكِّرِ، ومنَ الإنسانِ المنقادِ إلى الإنسانِ المسؤولِ، ومنَ اليقينِ المغلقِ إلى الفهمِ القادرِ على المراجعةِ، ومنَ الانتماءِ القائمِ على الإقصاءِ إلى الانتماءِ القائمِ على القيمِ، وهو انتقالٌ ضروريٌّ إذا أردنا أن تكونَ مواجهةُ التَّطرُّفِ مواجهةً عميقةً ومستدامةً، لا مجرَّدَ استجابةٍ مؤقَّتةٍ لنتائجِهِ، ومن ثمَّ، فإنَّ تحريرَ العقلِ من منطقِ التَّطرُّفِ ليسَ خروجًا على الدِّينِ، ولا انتقاصًا منَ الإيمانِ، وإنَّما هو حمايةٌ للإنسانِ من أن يتحوَّلَ الدِّينُ في وعيِهِ إلى أداةٍ للصِّراعِ، وحمايةٌ للقيمِ من أن تُفرَّغَ من مضامينِها الإنسانيَّةِ، وحمايةٌ للنَّصِّ من أن يُختزلَ في قراءةٍ بشريَّةٍ واحدةٍ تُغلقُ بابَ الفهمِ والمراجعةِ، فحينَ يصبحُ العقلُ قادرًا على النَّظرِ والسُّؤالِ والنَّقدِ والموازنةِ، ويصبحُ الإنسانُ قادرًا على الجمعِ بينَ الإيمانِ والوعيِ، وبينَ الهويَّةِ والانفتاحِ، وبينَ الحريَّةِ والمسؤوليَّةِ، تضيقُ المساحةُ الّتي يمكنُ أن يتحرَّكَ فيها الخطابُ المتطرِّفُ، وبذلكَ، يغدو بناءُ الوعيِ الإنسانيِّ وتحريرُ العقلِ ليسَ مجرَّدَ وسيلةٍ لمواجهةِ التَّطرُّفِ، بل مشروعًا حضاريًّا متكاملًا لإعادةِ بناءِ الإنسانِ على أساسِ الكرامةِ والمسؤوليَّةِ والتَّفكيرِ والحوارِ، فالوقايةُ الحقيقيةُ منَ التَّطرُّفِ تبدأُ قبلَ السّلوكِ، وتصلُ إلى جذورِ الفكرةِ قبلَ أن تتحوَّلَ إلى قناعةٍ، وإلى القناعةِ قبلَ أن تتحوَّلَ إلى ممارسةٍ، لأنَّ الإنسانَ الّذي يمتلكُ عقلًا حرًّا ووعيًا مسؤولًا يكونُ أكثرَ قدرةً على مقاومةِ كلِّ خطابٍ يحاولُ أن يصادرَ إنسانيَّتَهُ باسمِ الدِّينِ أو الهويَّةِ أو الجماعةِ أو الحقيقةِ.
إنَّ المجتمعَ الّذي يربّي الإنسانَ على المعرفةِ والحوارِ والتّفكيرِ النّقديِّ، إنَّما يبني في داخلهِ قدرةً متقدِّمةً على مقاومةِ التَّطرُّفِ قبلَ أن يتحوَّلَ إلى سلوكٍ أو مشروعٍ اجتماعيٍّ، ولذلكَ فإنَّ بناءَ الوعيِ ليسَ مرحلةً هامشيَّةً في مواجهةِ التَّطرُّفِ، بل هو استثمارٌ في الإنسانِ نفسِهِ، وفي قدرتِهِ على أن يكونَ مسؤولًا عن أفكارِهِ ومواقفِهِ واختياراتِهِ، وبذلكَ ينتقلُ البحثُ من سؤالِ: كيفَ نواجهُ المتطرِّفَ بعدَ أن يصبحَ متطرِّفًا؟ إلى سؤالٍ أعمقَ وأكثرَ تأسيسًا: كيفَ نبني إنسانًا يمتلكُ من الوعيِ والمعرفةِ والنّضجِ العقليِّ ما يمنعُ اختطافَ وعيِهِ أصلًا؟
هنا تتجلّى قيمةُ بناءِ الإنسانِ بوصفِهِ جوهرَ المواجهةِ الحضاريَّةِ للتَّطرُّفِ، لا مجرّدَ استجابةٍ لنتائجِهِ بعدَ وقوعِها.



