حيث يبيت الحنين… بين شطرَي روح
تأليف سعيد احمد كلش
تاريخ النشر: 26/09/26 | 17:47
الكاتب سعيد احمد كلش ابن كفرقرع غادر البلاد منذ 40 سنة ويعيش حاليا في السويد مع عائلته
ما أصعبَ الوداع
حين لا نغادر مكانًا
بل نترك وراءنا
نسخةً من أنفسنا
لن تعود معنا.
نغادر أهلًا
وأحبابً
وطرقاتٍ حفظت وقع أقدامنا
وأبوابًا عرفت أسماءنا
قبل أن نعرف معنى الرحيل.
نغادر ترابًا
كلما ابتعدنا عنه
شعرنا أن شيئًا من أرواحنا
ظلّ عالقًا فيه.
كأن الوطن،
إذ نتركه،
لا يتركنا.
لكنّ العمر
حين يطول بعيدًا عن الوطن
يترك في الروح نافذةً لا تُغلق
نطلّ منها على دفءٍ بعيد
فنعود إليه كغرباء
نحمل مفاتيح بيوتٍ تغيّرت
فلا نحن كما كنّا
ولا هو كما كان.
نعود…
نجد بيوتًا بُنيت في غيابنا
من غير أن نشهد حجرًا واحدًا منها يُرفع
وشوارع امتدّت ولا تحفظها اقدامنا
والأشجار التي عرفناها
إمّا كبرت كثيرًا
أو غاب ظلها.
نجد رجالًا ونساءً
وُلدوا في غيابنا
ثم أنجبوا أطفالًا
ينظرون إلى وجوهنا
فلا يجدون وطنهم.
هم لا يعرفون قصتك
ولا انت تعرف قصتهم.
فتصبح غريبًا في عيونهم،
ويصبحون غرباء في ذاكرتك.
وتبتسم لهم
وفي داخلك شيءٌ خفي
ينكسر.
لأنك تكتشف فجأة
أن الإنسان قد يصبح غريبًا في وطنه…
يكفي أن يغيب عنه طويلًا.
…
تمشي في شارعٍ
كنت تحفظ حجارتَه.
فتعرفه…
ولا تعرفه.
ترى المكان نفسه،
لكنّ روحك لا تجد
المكان الذي تركته.
فتبدأ رحلة البحث.
تبحث عن وطنك
في نافذةٍ قديمة من بيت أبيك
في بابٍ أكل الزمن أطرافه
في شجرةٍ
كانت تظلّل طفولتك.
في كرسيٍّ
ترك عليه لاعبُ النرد
عهدًا من الرفقة
وعمرًا
في زاوية شرفةٍ حارّة
تجمع الكلمة والحكمة
في عيون حرّاس ذاكرة
يتناوبون على كراسٍ
ربما لن تراها مرةً أخرى
كانت تجمع خيوط بلد
في فنجان قهوة.
تبحث عن وطنك
في رائحة بيتٍ قديم،
في صوت أمك
يأتي من غرفةٍ أخرى،
فتكاد، لوهلة،
أن تسمعه،
وتكاد تصدّق
أن الزمن بك عاد.
تبحث عنه
في طعم أكلةٍ
أحببتها صغيرًا
تطلبها بشوق
تنتظرها
كما انتظر عاشقٌ
رسالةً من حبيبٍ مضى.
تتذوقها…
وتصمت.
فالطعم لم يعد هو الطعم
وحينها
لا تعرف أيَّ الألمَين تختار:
أألمُ أن المذاق قد تغيّر،
أم ألمُ أنك أنت
لم تعد ذلك الذي
كان يجد في هذا الطعم
شيئًا من نفسه؟
لعلّ الوطن لم يتغيّر وحده
ولعلّنا نحن أيضًا
نعود إليه
بألسنةٍ أخرى
وعاداتٍ أخرى
وروائحَ أخرى
وبسنواتٍ كاملة
لم يعشها معنا.
لعلّنا نحمل في رؤوسنا
وطنًا توقّف يوم رحلنا،
بينما ظلّ الوطن الحقيقي
يمضي…
يكبر،
ويتبدّل
ويفقد أشخاصًا
ويستقبل آخرين
من دون أن ينتظرنا.
فالذاكرة لا تكبر مع المكان
بل تحتفظ
بآخر صورةٍ له
يوم رحلنا.
فتبقى أوطاننا في الذاكرة شابّة
بينما نشيخ نحن.
ثم تلتفت…
فتلمح أخًا
اشتعل الشيب في رأسه
كما اشتعل في رأسك.
أو أختًا
مرّت السنوات على وجهها
وتركت هناك
ما تركته على وجهك.
أو صديق طفولة
ما زالت ضحكته
تعرف الطريق إليك.
يضحك.
فتضحك.
وفجأة…
تعود اليك البلاد كلها
في ثانية
تعرف الشارع
تعرف البيوت
تعرف نفسك
فتدرك شيئًا
لم تكن تعرف كيف تقوله
تدرك أنَّ الوطنَ
يدٌ توضع على كتفك
وصوتٌ
يناديك باسمٍ لم ينادك به أحد
منذ عمر
وعينَي أمٍّ
كانتا تعرفان تعبك
قبل أن تقول إنك متعب.
وأختًا تتلهّف
لتضع ابتسامةً على وجهك
ورضًا في روحك.
وأخًا
لا تحتاج أمامه إلى شرح نفسك.
وصديقًا
يفهم نصف الجملة التي قلتها
لأنه عاش معك
نصفها الآخر.
ثم يأتي الوداع
تجلس في قاعة انتظارٍ
حقيبتك إلى جوارك
جواز سفرك في يدك.
ورقم رحلتك
يظهر على شاشةٍ باردة.
حولك أناسٌ
ينتظرون طائراتهم.
وأنت…
تنتظر جوابك
من أنت يا أنت؟
اسمك تعرفه
جنسياتك مكتوبة.
مكان ولادتك مكتوب
لكن في أي خانة
تكتب الحنين؟
وفي أي جواز
تختم ذاكرة الطفولة؟
وأي موظف حدود
يستطيع أن يسألك:
إلى أي وطنٍ
ينتمي قلبك؟
أأنت ابنُ الأرض الأولى
التي أعطتك أول كلمة
وأول خوف
وأول حب
وأول طريقٍ إلى البيت؟
أم ابنُ الأرض الأخرى
التي أمضيت فيها أكثر العمر
وفيها زوجتك
وأولادك
وبيتك
وعملك
وأصدقاؤك
وتفاصيل صباحاتك العادية؟
في تلك الأرض
من ينتظر عودتك.
هناك مفتاحٌ آخر في جيبك
وبابٌ آخر
ينتظر ظهورك
وسريرٌ
يعرف تعب ظهرك
وفنجانٌ تعرفه يدك.
وزوجةٌ
اقتسمت معك السنين
وأولادٌ
كبروا أمام عينيك
وحياةٌ
بدأت يومًا كنبتة صغيرة
ثم صارت بيتًا
فأيّهما وطنك؟
ربما لا يُطلب من القلب
أن يختار
فالقلب ليس غرفةً واحدة
وليست للحب
قوانين الحدود.
ربما يستطيع الإنسان
أن يكون ابنَ مكانين
من غير أن يخون أحدهما
أن يحب هنا
من غير أن ينقص حبه هناك.
أن يشتاق هناك
من غير أن يقلّ وفاؤه لهنا
ربما نحن
لا نغيب فنفقد وطنًا…
بل نكبر
حتى يتّسع القلب لوطنين
أنت لم تعد تنتظر جوابًا
فقد أدركت أن ما حسبته حيرةً
كان نعمةً
ولكن لهذه النعمة
ثمن.
أن تشتاق دائمًا
حين تكون هنا
ينقصك هناك
وحين تكون هناك
يبقى شيءٌ منك هنا
تعيش
وفي وجدانك
كرسيٌّ فارغ
في مكانٍ ما.
وكأن القلب الذي اتسع لوطنين
حُكم عليه
أن يعرف حنينين
وتتشبث بلغة أمك.
لا لأنها حروف
بل لأنها البيت الأخير
الذي لا تستطيع الجغرافيا
أن تأخذه منك
وتحرس كلمةً قديمة
تفرح حين تسمعها
كما كانت تُقال
وتنقبض حين تسمع
في لسان من تحب
كلماتٍ غريبةً
تسلّلت بهدوء
لا تغضب.
لكن شيئًا فيك
يحزن
كأن حجرًا صغيرًا
سقط من جدار البيت
الذي نحمله فينا
فاللغة أيضًا وطن
حيث يبيت الحنين
بين شطرَي روح
وربما تكون
آخر وطنٍ يبقى فينا
حين تتغيّر كل الأوطان
ثم ينادون على الرحلة
تنهض
تحمل حقيبتك
وتلتفت للمرة الأخيرة
إلى المكان الذي ستغادره
ولا تعرف:
هل هذه عودة؟
أم رحيل؟
فالطائرة التي تأخذك بعيدًا عن وطن،
تأخذك في الوقت نفسه
نحو وطنٍ آخر.
ومن خلفك
من يودّعك
وأمامك
من ينتظرك
وأنت بينهما…
قلبٌ معلّق
بين جهتين.
ومن أنت يا أنت؟
ربما لا تحتاج
إلى جواب
ربما أنت
كل ما أحببت
كل يدٍ أمسكت يدك
كل بيتٍ أغلقت بابه خلفك
ثم اشتقت إليه
كل نافذةٍ
وقفت يومًا خلفها تنتظر
كل ضحكةٍ
عرفت فيها نفسك
كل قبرٍ
تركته وراءك
ولم تستطع أن تترك من فيه
والوجه الذي
يسهر الآن
بانتظار عودتك.
لست غريبًا هنا
ولست غريبًا هناك
بل صارت حدود قلبك
أكبر من خريطة
ابنُ البيت الأول
وصاحبُ البيت الآخر
الطفل الذي ما زال يركض
في شارعٍ قديم
والرجل الذي يعود الليلة
إلى بيتٍ بعيد
لينام بين من يحب
ولعلّ أجمل ما في الحكاية
أننا لا نُحرم من وطن…
بل نُمنح وطنًا آخر.
فلا تعود غربتك
نقصًا في انتماء
بل اتساعًا فيه.
فمن عاش بين وطنين
يعرف أن المحبة
لا تنقص بالقسمة
بل كلما اقتسمت منها
اتّسعت.
وكلما اتسع القلب
صار قادرًا
على حمل أماكن أكثر
ووجوه أكثر
وذكريات أكثر…
ووجع أكثر أيضًا.
اللهم احفظ لنا
من تركناهم خلفنا
ومن نعود إليهم.
احفظ البيوت التي صنعت طفولتنا
والبيوت التي صنعت أعمارنا.
واحفظ الذين ما زالوا
ينيرون قلوبنا بضحكة
وكسرة خبزٍ
تختمر بالحب والزعتر.
واحفظ الذين ينتظرون
صوتَ وقعِ أقدامنا
على عتبة الباب.
واحفظ لنا
تلك القطعة الصغيرة من الروح
التي نتركها
كلما رحلنا
على تراب الوطن.
فبعض الرحلات
لا تكون بين مطارين.
بعض الرحلات
تكون بين شطرَي روح.
وبعض الناس
لا يسافرون من وطنٍ إلى وطن…
بل يحملون وطنًا معهم،
ويمضون نحو وطنٍ آخر.
صباحكم وطنٌ لا تحدّه خريطة،
وانتماءٌ لا تضبطه الحدود،
وقلبٌ إذا ضاق به مكانٌ واحد…
اتّسع للعالم.



