هوية العربي في المناهج وأدبيات النشء الإسرائيلي

فخري هواش

تاريخ النشر: 26/09/26 | 6:43

قراءة تفكيكية في البناء التربوي للصراع وآليات مواجهة الأصوات التي تغرد خارج السرب
تمهيد: الوعي التعليمي كساحة للصراع
لا يتأسس الصراع السياسي والعسكري بمعزل عن الحاضنة الثقافية التي تمنحه تفسيراته وشرعيته؛ لذلك تكتسب دراسة المناهج المدرسية وأدب الأطفال والإنتاج المعرفي أهمية خاصة في فهم الطريقة التي تتشكل بها صورة «الآخر» في الوعي الجمعي.
ومع تجلي ظواهر الغلو والتحريض المباشر في الشارع والمؤسسة السياسية، يبرز سؤال استنكاري ملحّ: من أين وكيف ولد هذا الجيل المعبأ بالتحريض؟ كيف تشكّل جيلٌ «بن غفيري» السلوك، «سموتريتشي» التخطيط ورؤية المكان؟ إن الإجابة لا تكمن في لحظة خطابية عابرة، بل في عمق الحاضنة التربوية التي غذّت هذا الوعي عبر العقود.
يمثل كتاب الباحث الإسرائيلي أدير كوهين، «وجوه قبيحة في المرآة» (1985)، أحد الأعمال الأساسية التي تناولت صورة العربي في أدب الأطفال الإسرائيلي. وفي دراسات لاحقة، بحثت نوريت بيليد-إلحنان تمثيل الفلسطينيين في الكتب المدرسية، ولا سيما كتب التاريخ والجغرافيا والمدنيات، مركزة على النصوص والصور والخرائط واللغة المستخدمة في تقديم الفلسطينيين والصراع.

وتشير هذه الدراسات إلى أن المناهج والأدبيات التربوية لا تنقل المعرفة بصورة محايدة، بل تحمل دلالات أيديولوجية تسهم في تشكيل الهوية الجماعية وفي طريقة النظر إلى الفلسطيني.

كيف يتعلم الطفل أن يرى العربي؟ وكيف تتعامل المنظومة مع من يحاول تفكيك هذه الصورة من الداخل؟
1. اختزال العربي: من الإنسان إلى الصورة النمطية
تتمثل إحدى أبرز آليات بناء صورة «الآخر» في اختزال العربي داخل قوالب محدودة، بدل تقديمه باعتباره إنسانًا كاملًا له تاريخ وذاكرة وعائلة وحياة يومية ومصالح وحقوق.

الصورة البدائية: يظهر العربي في الأدبيات كعنصر متخلف عاجز عن مواكبة الحداثة، أو كوجود طارئ وهامشي.

صورة التهديد المباشر: يظهر بوصفه «المخرّب» المتلثم أو العدو المتربص.

تُظهر الاقتباسات المأخوذة من أدب الأطفال مدى عمق غرس هذه المشاهد القاسية في مخيلة الناشئة:
وفجأة أطلّ من بين الأشجار وجهٌ مظلم، عيونٌ جاحظة وشنابات كثيفة، يحمل سكينًا بين أسنانه… إنه العربي الذي جاء ليلاً ليدمر المحصول وينال من أطفال الكيبوتس.»

تتكرر هذه الصياغات في عشرات القصص الموجهة للجيل المبكر؛ حيث لا تكمن المشكلة في وجود شخصية عربية سلبية، بل عندما تحل الصورة النمطية المرعبة محل القاعدة، ويغيب العربي كأب، أو أستاذ، أو جار، أو صاحب حياة عادية.
2. اللغة والخريطة: كيف يُبنى المكان في وعي الطفل؟
لا تُصنع صورة الآخر بالكلمات وحدها؛ فالخريطة المدرسية والنص الجغرافي أداتان رئيسيتان لبناء الذاكرة الجمعية واستعمار الوعي المكاني.

في كتب التاريخ والجغرافيا المدرسية، تكشف دراسات نوريت بيليد-إلحنان كيف يُعاد تشكيل الخريطة عبر محو الوجود العربي وتثبيت التسميات التوراتية
والأيديولوجية:
1. إلغاء الخط الأخضر والمدن العربية: خلوّ أغلب الخرائط المدرسية الموجهة للطلاب من رسم «الخط الأخضر» أو الإشارة إلى القرى والمدن الفلسطينية داخل الضفة الغربية، مع إبراز المستوطنات والرموز العبرية فقط.

2. الهندسة اللغوية للمكان: نصوص المواد الاجتماعية تُغيب مصطلح «الضفة الغربية» أو «فلسطين» وتستبدله حصراً بـ «يهودا وشومرون»، مع تعريف الفلسطينيين بـ «السكان العرب» أو «الأغيار» دون اعتراف بكيانيتهم القومية.

التراكم المنهجي يعود الطفل منذ سن السابعة على رؤية خريطة موجَّهة؛ فالاسم الذي يقرأه في كتاب التاريخ، ويراه في امتحان الجغرافيا، ويسمعه في الإعلام، يبني لديه يقيناً أيديولوجياً بأن المكان حق حصري لذاته، وأن أي وجود آخر هو مجرد عارض أمني.

3. صناعة «نحن» و«هم»: ثنائية التفاضل الأخلاقي

يمتد البناء التربوي ليشمل صياغة صورة «الذات» الفائقة والمجردة من العيوب في مقابل «الآخر» المنقوص أخلاقياً وإنسانياً:

تُظهر نصوص كتب التاريخ والمدنيات المدرسية كيف يُعالج الصراع من زاوية أخلاقية أحادية:

«بينما كان الاستيطان اليهودي ينشئ المزارع ويستصلح القفار ويكفل التعليم والصحة، كانت العصابات العربية تشن الهجمات على الحافلات وتستهدف العزل، مما اضطر قواتنا للدفاع عن الوجود والحرية.»

(اقتباس موثق في دراسات بيليد-إلحنان)

عندما تغيب عن كتاب التاريخ والحساب المدرسين أي إشارة إلى العائلة العربية، والأحلام، والمعاناة الإنسانية، يُصبح نزع الإنسانية عن الفلسطيني عملية مؤسسية تجعل التعاطف معه أمراً ممتنعاً أو مرادفاً للخيانة.

4. الأصوات التي خارج السرب: اختراق السردية من الداخل

تكتمل صورة التنشئة بدراسة رد فعل المنظومة الرسمية عندما تنطلق أصوات نقدية من داخل الأكاديميا والفن لكسر هذه القوالب المنهجية وإعادة الاعتبار للحقائق التاريخية والإنسانية.

تجلّى هذا الاختراق من خلال:

المؤرخين الجدد (إيلان بابيه، بيني موريس، آفي شلايم): الذين فككوا الرواية المدرسية الرسمية لعام 1948 واستشهدوا بأرشيفات الجيش لتوثيق التطهير العرقي والتهجير.
الأعمال السينمائية والوثائقية الجريئة: التي كشفت المسكوت عنه وخاطبت الضمير الجمعي مباشرة.
تتجسد قوة هذا الاختراق في التوثيق الحي والشهادات المباشرة التي تضمنتها هذه الأفلام:
وين حقوق الإنسان؟ وين حقوق الطفل؟ إحنا شو عملنا حتى يهدموا بيوتنا فوق رؤوسنا؟ هني بيفكروا إنه لما يهدموا البيت راح نخاف.. إحنا ما بنخاف.»
(طفلة من مخيم جنين – فيلم «جنين، جنين» للمخرج محمد بكري)
«الكاميرا والذكاء الاصطناعي يحدد الأهداف.. عندما يُعرَّف المكان كـ «هدف أمني»، يُصبح المدنيون والأطفال والمنازل المجاورة مجرد رقم في حاسبة السلاح تحت اسم «أضرار جانبية».. يُنزع الغطاء الإنساني عنهم بنقرة زر.»
(شهادة ضابط من فيلم «نَزَأ / أضرار جانبية»)
تكمن خطورة هذه النصوص والأفلام بالنسبة للمؤسسة الرسمية في أن «الشهادة تخرج من أحشاء المنظومة»، مما يهدد بشرخ البناء الأخلاقي والسردية الموحدة التي لُقنت للنشء على مدى عقود.
5. آليات التشويه والتخوين: الدفاع عن «القصة الوطنية»
تستجيب المنظومة السياسية والأكاديمية لهذه الأصوات عبر استراتيجيات مواجهة حادة تُغلق دائرة الوعي وتمنع المراجعة:
1. التخوين ونقل السجال لخانة الأمن القومي: وصم الأبحاث والأفلام بـ «الخيانة» و«المؤامرة والطعن في ظهر الجيش».
2. النزع الأخلاقي (فرية الدم الحديثة): اتّهام التوثيق التاريخي أو السينمائي بـ «معاداة السامية» لمنع نقاش محتواه المعرفي داخل الجامعات والمدارس.
3. الملاحقة القانونية والاقتصادية: استخدام أدوات الرقابة القضائية (كما حدث في المحاكمات الممتدة ضد محمد بكري وحظر فيلمه)، أو التضييق الأكاديمي والاجتماعي الذي دفع مفكرين مثل إيلان بابيه إلى الهجرة الفكرية والعملية.
تُظهر هذه الآليات أن الحفاظ على صورة «الآخر» و«الذات» كما صاغتها المناهج يتطلب حراسة مشددة للذاكرة الجمعية، ومنع أي نافذة تُعيد الاعتبار لإنسانية العربي.
6. بين الذاكرة الوطنية وإنسانية الآخر
إن الاعتراف بآثار هذه المناهج والأدبيات لا يعني إلغاء الذاكرة الوطنية أو إنكار المخاوف التاريخية، كما أن الاعتراف بإنسانية العربي والفلسطيني لا يتطلب الاتفاق السياسي معه.
هل يستطيع التعليم والثقافة الحفاظ على ذاكرة الجماعة الوطنية من دون تحويل الجماعة الأخرى إلى كائن مجرد من الإنسانية أو تخوين من ينادي بمراجعة الذات؟
الفهم لا يعني الاتفاق.
التعاطف لا يعني التنازل.
معرفة رواية الآخر لا تعني التخلي عن الرواية الذاتية.
إن القدرة على صون الذات دون الحاجة إلى تشويه الآخر أو إخراس الأصوات النقدية الداخلية هي الشرط الأساسي للخروج من دائرة الصراع المغلقة.

خاتمة: المرآة التي تصنع صورتنا عن الآخر

إن تفكيك صورة العربي في المناهج والأدبيات، وقراءة المقاطع المقتطعة من أدب الأطفال، وكتب الجغرافيا، وشواهد الأفلام الوثائقية، يوضح كيف تتحول المعرفة إلى ذاكرة، والذاكرة إلى هوية، والهوية إلى موقف حاسم ومؤسسي من الآخر:

فالكتاب المدرسي، والخريطة، والفيلم الوثائقي، والبحث التاريخي؛ كلها أدوات تسهم في صياغة منظور الجيل لنفسه وللعالم من حوله.

هل نربي الجيل على مرآة لا ترى إلا صورتها وتُخوّن من ينظر خارجها، أم على وعي يجمع بين الذاكرة والإنسانية والقدرة على رؤية الآخر؟

“فالمرآة التي لا ترى إلا صورتها، لا تعرف”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة