بين التحذير والنفي: حول ما سبق 7 أكتوبر
بقلم كمال إبراهيم
تاريخ النشر: 26/09/26 | 6:38
كلما ظهرت معلومة جديدة عن الأيام التي سبقت هجوم السابع من أكتوبر 2023، عاد السؤال الذي لم يغادر النقاش الإسرائيلي منذ ذلك اليوم: ماذا كانت تعرف القيادة السياسية والأمنية قبل الهجوم، وماذا فعلت بما كان لديها من معلومات؟
تقرير جديد نشرته نيويورك تايمز، ونقلت تفاصيله وسائل إعلام إسرائيلية في 25 سبتمبر 2026، يعيد هذا السؤال بقوة إلى الواجهة. فبحسب التقرير، حذّر الرئيس الإماراتي محمد بن زايد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أواخر سبتمبر 2023 من أن حركة حماس كانت تستعد أو تفكر في تنفيذ هجوم كبير. واستندت الصحيفة إلى شخصين قالا إن أحدهما تحدث مع محمد بن زايد، فيما أُطلع الآخر من شخص شارك في الحديث بين الزعيمين. [citation]
لكن أهمية ما نشرته الصحيفة لا تتوقف عند وجود التحذير المزعوم. فوفق الرواية المنشورة، لم تكن المعلومات دقيقة بما يكفي لتحديد طبيعة الهجوم المرتقب، إذ لم يكن واضحًا ما إذا كان الأمر يتعلق بإطلاق صواريخ أم بتوغل بري داخل إسرائيل. كما بقي المصدر الأصلي للمعلومات التي وصلت إلى الرئيس الإماراتي غير واضح. [citation]
+1
israelnationalnews
وهذه نقطة لا يجوز إغفالها. فالتحذير العام من احتمال وقوع هجوم ليس بالضرورة معلومة استخباراتية تحدد زمانه ومكانه وطريقته. ومع ذلك، فإن مجرد ورود تحذير بهذا الحجم قبل أيام من كارثة السابع من أكتوبر يجعل السؤال بشأن طريقة التعامل معه مشروعًا وضروريًا.
الأكثر إثارة في تقرير نيويورك تايمز هو ما حدث، أو ما لم يحدث، بعد ذلك. فالصحيفة قالت إن خمسة مسؤولين إسرائيليين كبار سابقين لم يكونوا على علم بأن هذا التحذير وصل إلى قيادة المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. [citation]
ثم تأتي واقعة الأول من أكتوبر، أي قبل هجوم السابع من أكتوبر بستة أيام. وبحسب محضر اجتماع اطلعت عليه نيويورك تايمز، عقد بنيامين نتنياهو اجتماعًا مع كبار المسؤولين الأمنيين لمناقشة الوضع في غزة، ولم يتضمن المحضر ذكرًا لتحذير من محمد بن زايد. [citation]
+1
israelnationalnews
وبدل الحديث عن خطر هجوم كبير، نقل التقرير عن محضر الاجتماع أن بنيامين نتنياهو رأى أن الهدف ينبغي أن يكون الحفاظ على الهدوء في غزة. كما نوقشت إمكانية توجيه ضربات إلى شخصيات بارزة في حماس على خلفية هجمات ضد إسرائيليين في الضفة الغربية، لكن نتنياهو عارض مثل هذا التحرك، محذرًا من أن عملية عسكرية في غزة قد تضر باحتمالات التوصل إلى علاقات دبلوماسية بين إسرائيل والسعودية. [citation]
+1
israelnationalnews
إذا كانت هذه الرواية دقيقة، فإنها تطرح سؤالًا بالغ الأهمية: لماذا لم يُطرح التحذير في اجتماع أمني خُصص أساسًا لبحث الوضع في غزة قبل الهجوم بأقل من أسبوع؟
لكن الصحافة المسؤولة تقتضي ألا نتوقف عند جانب واحد من الرواية.
بنيامين نتنياهو نفى تلقي مثل هذا التحذير مباشرة من محمد بن زايد. وقال مكتبه إن أي معلومات استخباراتية ذات صلة وردت من الإمارات كانت ستُنقل عبر القنوات الاستخباراتية المعتمدة. كما نُقل عن مسؤول إماراتي نفيه أن يكون تحذير استخباراتي قد نُقل في حديث مباشر بين الزعيمين. [citation]
Israelnationalnews
من هنا يصبح العنوان الحقيقي للقضية: بين التحذير والنفي.
لسنا أمام حقيقة واحدة متفق عليها، بل أمام روايات متعارضة تحتاج إلى تحقيق وشفافية ووثائق. ما نشرته نيويورك تايمز يضيف معطيات مهمة، وخصوصًا ما يتعلق بمحضر اجتماع الأول من أكتوبر، لكنه لا يعني تلقائيًا أن التحذير المزعوم كان كافيًا وحده لمنع الهجوم، ولا يثبت أن تجاهله كان السبب المباشر في وقوع كارثة السابع من أكتوبر.
القضية أكبر من ذلك.
إنها قضية منظومة كاملة كانت مطالبة بجمع المعلومات وقراءتها وربط الإشارات بعضها ببعض واتخاذ القرارات المناسبة. وإذا كانت هناك معلومات سبقت الهجوم، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: من عرف؟ بل أيضًا: ماذا عرف؟ ومتى عرف؟ وماذا فعل بتلك المعرفة؟
وتقرير نيويورك تايمز لا يغلق هذا الملف، بل يفتحه من زاوية جديدة، ويضيف سؤالًا آخر إلى سلسلة الأسئلة التي ما زالت تبحث عن إجابات.
إذا ثبت أن التحذير وصل بالفعل إلى بنيامين نتنياهو ولم يُنقل إلى كبار المسؤولين الأمنيين، فهذه مسألة تستحق تفسيرًا واضحًا. وإذا ثبت أن الرواية غير صحيحة، فإن من حق الجمهور أيضًا معرفة الحقيقة التي تدحضها بالأدلة.
لأن ما سبق السابع من أكتوبر ليس مجرد خلاف حول رواية صحفية. إنه جزء من محاولة فهم كيف وصلت الأمور إلى ذلك اليوم، وكيف يمكن منع تكرار إخفاق بهذا الحجم.
وفي النهاية، بين التحذير والنفي تبقى الحقيقة هي المطلوبة، لا لخدمة هذا الطرف أو ذاك، وإنما لأن الإجابة عن أسئلة ما قبل السابع من أكتوبر تظل ضرورية لفهم ما حدث وما ترتب عليه.



