جدلية المقاطعة الأيديولوجية في انتخابات الكنيست – لماذا يتحول النقاش السياسي إلى تحريض واستهداف؟

سعيد بدران

تاريخ النشر: 25/09/26 | 10:27

تتصاعد حدة السجال السياسي داخل المجتمع العربي مع اقتراب موعد انتخابات الكنيست، حيث يجد الناخب العربي نفسه وسط تجاذبات حادة واستقطاب غير مسبوق بين تيارات تدعو للمشاركة السياسية كأداة وحيدة للتأثير وانتزاع الحقوق والميزانيات، وتيارات أخرى ترى في المقاطعة موقفاً مبدئياً وأيديولوجياً. إلا أن السمة الأبرز والأكثر خطورة في الحملة الانتخابية الأخيرة تتمثل في تحول لغة الحوار من الإقناع السياسي إلى هجوم مباشر وموجه، يستهدف تحديداً فئة المقاطعين الأيديولوجيين، وخاصة ذوي التوجهات الإسلامية.
الهروب من الفشل في إقناع “الأغلبية الصامتة”
تشير المعطيات الإحصائية المتتابعة في المواسم الانتخابية إلى أن نسبة الممتنعين عن التصويت في المجتمع العربي تصل إلى مئات الآلاف، غير أن الغالبية العظمى من هذه الأصوات لا تقاطع لأسباب عقائدية، بل تندرج تحت فئة “اللامبالاة السياسية” أو الإحباط من الأداء العام للأحزاب. في المقابل، تشير التقديرات إلى أن المقاطعين الأيديولوجيين وفي مقدمتهم الحركة الإسلامية الشمالية المحظورة إسرائيلياً وبعض التيارات القومية، لا يتعدون نحو 10% من مجمل الأصوات غير المشاركة.
هنا يبرز التساؤل: لماذا تتجنب الماكينات الانتخابية للأحزاب وابواقها الإعلامية مشقة إقناع مئات آلاف اللامبالين، وتصب جام غضبها على الكتلة الأيديولوجية الصغيرة؟
الجواب يكمن في سهولة صناعة “العدو الداخلي”. إن إقناع المواطن المحبط والمثقل بالأزمات اليومية مثل العنف، وتضييق مساحات الأرض والمسكن يتطلب برامج حقيقية ومكاشفة سياسية صعبة. أما توجيه أصابع الاتهام إلى طرف منظم وله هوية فكرية واضحة كالإسلاميين، فيمثل مخرجاً سهلاً للأحزاب لتعليق إخفاقاتها المتوقعة في رفع نسب التصويت على شماعة “المقاطعة العقائدية”.
الترهيب ولغة الشيطنة: بين الحرص المزعوم والخصومة الدفينة
تحت غطاء “الحرص على مستقبل المجتمع العربي” والتخويف المستمر من صعود قوى اليمين المتطرف، تنزلق بعض الخطابات السياسية إلى مستويات هابطة تشمل القذف والشتم والتحريض المباشر. هذا الأسلوب لا يتوقف عند حدود العتب السياسي، بل يسعى إلى تحميل المقاطعين الأيديولوجيين المسؤولية الكاملة عن أي سيناريو سياسي قاتم قد تنتج عنه الانتخابات.
يتعدى هذا السلوك المنافسة السياسية الشريفة ليعكس خصومة فكرية دفينة يستغل أصحابها المناخ الانتخابي المشحون لتصفية حسابات أيديولوجية مع التيار الإسلامي. عبر هذا الضخ الإعلامي، يتم تهيئة الرأي العام لتحميل هذه الفئة ذنب الفشل الجماعي، وهو ما ينطوي على خطورة بالغة قد تصل إلى حد التحريض الفعلي وإثارة الفتنة الداخلية.
الإعلانات الهابطة والسخرية الممنهجة
تتجلى ملامح هذا الاستغلال الخبيث في لجوء بعض الجهات إلى منصات التواصل الاجتماعي والوسائل الإعلانية لتقديم محتوى هابط يهدف بالأساس إلى السخرية والتهكم من مواقف المقاطعين الإسلاميين. وبدلاً من مقارعة الحجة بالحجة، تختار هذه الأبواق أسلوب التشويه وصناعة محتوى سطحي يبسط القضايا المصيرية ويختزلها في هجوم شخصي وعقائدي.
المفارقة تكمن في أن التيار الإسلامي المقاطع، ورغم عدم مشاركته في التصويت للكنيست، لا ينعزل عن قضايا مجتمعه الحارقة بل ينشط في ميادين الإغاثة، والتعليم، وبناء المؤسسات الأهلية ومواجهة سياسات الهدم. وبناءً عليه، فإن محاولات نزع الشرعية الوطنية والاجتماعية عنهم عبر حملات إعلانية مبتذلة يعكس إفلاساً فكرياً يفضل الهدم على البناء.
المسار المطلوب: حوار عقلاني مسؤول
إن المجتمع العربي يقف بالفعل أمام تحديات وجودية تتطلب رص الصفوف وتعميق لغة الحوار الداخلي بدلاً من تفتيته. إن محاولات شحن الأجواء بالترهيب واستغلال الموسم الانتخابي للطعن في تيار بعينه لن تسهم في رفع نسب التصويت، بل قد تؤدي إلى نتيجة عكسية تماماً، وهي تعميق نفور المواطن العادي من المنظومة السياسية برمتها.
الواجب المهني والوطني للأحزاب يتطلب توجيه الطاقات الإعلامية نحو المترددين واللامبالين، واعتماد لغة الإقناع والبرامج العملية، مع احترام التعددية الفكرية والسياسية داخل المجتمع، كشرط أساسي للحفاظ على السلم الأهلي والنسيج الاجتماعي من التمزق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة