سُبحانَ مَن يُغيِّرُ الأحوالَ ويبقى خالدًا إلى الأبد
الباحث الدكتور رافع حلبي – دالية الكرمل
تاريخ النشر: 25/09/26 | 10:23
ثمّةَ ملايينُ الأسئلةِ الّتي تدورُ في أذهانِ النّاسِ حولَ التّحوّلاتِ الكبرى الّتي شهدتها سوريا والمنطقةُ خلالَ السّنواتِ الأخيرة، ولعلَّ أكثرَها إلحاحًا ذلك السّؤالُ الّذي لا يستطيعُ الضّميرُ الإنسانيُّ أن يتجاهلَه:
كيف يمكنُ لرجلٍ ارتبطَ اسمُه لسنواتٍ طويلةٍ بجماعاتٍ مسلّحةٍ وبصراعٍ دمويٍّ، ثم ينتقلَ من عالمِ التّنظيماتِ المسلّحةِ إلى موقعِ قيادةِ دولةٍ، ويصبحَ ضيفًا في أعلى المحافلِ السّياسيّةِ والدّوليّةِ؟
إنَّ السؤالَ ليس موجّهًا إلى شخصٍ بعينه فحسب، بل إلى النّظامِ الدّوليِّ بأكملِه، إنّه سؤالٌ عن العلاقةِ بينَ السّياسةِ والأخلاقِ، وبينَ الشّرعيّةِ السّياسيّةِ والعدالةِ، وبينَ التّحوّلِ في موازينِ القوى وحقوقِ الضّحايا.
فهل يكفي أن تتغيّرَ المواقعُ السّياسيّةُ حتّى تتغيّرَ الحقائقُ التّاريخيّةُ؟
وهل تستطيعُ السّياسةُ أن تمحوَ ذاكرةَ الدّمِ؟
وهل يمكنُ أن يصبحَ مَن كان بالأمسِ جزءًا من عالمِ السّلاحِ والعنفِ مقبولًا في عالمِ السّياسةِ من دون أن تُطرحَ في الوقتِ نفسِه أسئلةُ المسؤوليّةِ والمحاسبةِ والعدالةِ؟
هذه الأسئلةُ لا أطرحُها من بابِ الانتقامِ، ولا رغبةً في إعادةِ إنتاجِ الكراهيةِ، وإنّما أطرحُها لأنَّ العدالةَ لا ينبغي أن تتغيّرَ بتغيّرِ موازينِ القوى، لقد تعلّمنا من التّاريخِ أنَّ السّياسيّينَ يتغيّرونَ، والتّحالفاتِ تتبدّلُ، والأنظمةَ تسقطُ وتقومُ، لكنَّ الضّحايا لا يستطيعونَ تغييرَ مصائرِهم بعدَ أن تُزهقَ أرواحُهم، ولهذا فإنَّ صورَ المجازرِ والانتهاكاتِ الّتي شهدتها المنطقةُ يجبُ ألّا تُمحى من ذاكرةِ العالمِ المتحضّرِ، وأقولُ ذلكَ وأنا أحملُ في داخلي ألمًا خاصًّا تجاهَ أهلِنا في السّويداءِ، الّذين عاشوا في السّنواتِ الأخيرةِ مشاهدَ عنفٍ وموتٍ وانتهاكاتٍ تركت جراحًا عميقةً في الذّاكرةِ الجمعيّةِ، لقد رأينا صورَ الشّبابِ الّذين سقطوا، والأطفالِ الّذين فقدوا حياتَهم، والنّساءِ اللّواتي تعرّضنَ لانتهاكاتٍ مؤلمةٍ، والبيوتِ الّتي اقتُحمت، والممتلكاتِ الّتي نُهبت، والمنازلِ التي أُحرقت، ورأينا مشاهدَ الإهانةِ والاعتداءِ الّتي لا يستطيعُ الإنسانُ السّويُّ أن ينظرَ إليها ثم يعودَ إلى حياتِه وكأنَّ شيئًا لم يكن، هذه الصورُ لا تموتُ بانتهاءِ الخبرِ، ولا تختفي بانتهاءِ التّصويرِ، ولا تُدفنُ مع أصحابِها.
إنّها تبقى في الذّاكرةِ…
تبقى في ذاكرةِ الأمِّ الّتي فقدت ابنَها…
وفي قلبِ الأبِ الّذي لم يعد يرى ولدَه…
وفي روحِ المرأةِ الّتي عاشت الخوفَ…
وفي ذاكرةِ الطّفلِ الذي رأى ما لا ينبغي لطفلٍ أن يراه…
وتبقى في وجدانِ كلِّ إنسانٍ شاهدَ الظّلمَ ولم يستطعْ أن يمنعَه…
ولهذا فإنَّني لا أستطيعُ أن أتعاملَ مع ما جرى وكأنّه مجرّدُ فصلٍ سياسيٍّ انتهى، فالدمُ ليس خبرًا سياسيًّ، والضحيّةُ ليست رقمًا في تقريرٍ دوليٍّ، والجريمةُ لا تصبحُ أقلَّ جريمةً لأنَّ مرتكبَها أصبحَ صاحبَ سلطةٍ أو لأنَّ الظّروفَ السّياسيّةَ تغيّرت، إنَّ مَن ارتكبَ جريمةً يجبُ أن يخضعَ للقانونِ، أيًّا كانَ موقعُه، وأيًّا كانَ انتماؤُه، وأيًّا كانَ اسمهُ أو الشّعارُ الّذي رفعَه.
هنا لا أطالبُ بالثأرِ.
ولا أطالبُ بإعدامِ الحقيقةِ تحتَ أنقاضِ المصالحِ السّياسيّةِ.
ولا أطالبُ باستبدالِ عنفٍ بعنفٍ جديدٍ.
إنّما أطالبُ بشيءٍ واحدٍ:
العدالة،
العدالةُ الّتي تُحقِّقُ في الجرائمِ.
العدالةُ الّتي تستمعُ إلى الضّحايا.
العدالةُ الّتي تُحاسبُ مَن تثبتُ مسؤوليّتُه.
العدالةُ الّتي لا تفرّقُ بينَ قاتلٍ وقاتلٍ بسببِ هويّتِه.
والعدالةُ الّتي لا تمنحُ أحدًا حصانةً لمجرّدِ أنَّ موازينَ السّياسةِ أصبحتْ في صالحِه.
إنَّ العالمَ الّذي أنشأَ منظومةَ حقوقِ الإنسانِ بعدَ الحروبِ والمجازرِ الكبرى لا يستطيعُ أن يطالبَ الشّعوبَ باحترامِ القانونِ، ثم يتجاهلَ القانونَ عندما تتغيّرُ الحساباتُ السّياسيّةُ، وهنا أوجّهُ سؤالي إلى دولِ الشّرقِ والغربِ، وإلى الأممِ المتّحدةِ، وإلى المؤسساتِ الدّوليّةِ والحقوقيّةِ:
ماذا تفعلونَ عندما تتحوّلُ الجماعاتُ المسلّحةُ إلى قوى سياسيّةٍ؟
هل تنتهي مسؤوليّةُ الماضي بمجرّدِ الانتقالِ إلى القصرِ؟
هل تُمحى الجرائمُ القديمةُ بمجرّدِ ظهورِ صورٍ جديدةٍ على شاشاتِ التّلفازِ؟
هل يصبحُ الإنسانُ الّذي كان ضحيّةً بالأمسِ أقلَّ أهميّةً لأنَّ العالمَ أصبحَ اليومَ يتحدّثُ عن الاستقرارِ السّياسيِّ؟
إنَّ الاستقرارَ الحقيقيَّ لا يمكنُ أن يُبنى على النّسيانِ، والسّلامَ الحقيقيَّ لا يمكنُ أن يقومَ على دفنِ الحقيقةِ، والمصالحةَ الحقيقيّةَ لا يمكنُ أن تبدأَ من دون اعترافٍ بالضّحايا وإنصافِهم، من هنا، فإنَّ سوريا تحتاجُ إلى دولةٍ حديثةٍ تحمي جميعَ مواطنيها، لا إلى سلطةٍ تجعلُ الانتماءَ الدّينيَّ أو المذهبيَّ أو القوميَّ معيارًا للكرامةِ والحقوقِ، سوريا للسوريّينَ جميعًا، للدروزِ والعلويّينَ والأكرادِ والمسيحيّينَ والعربِ وسائرِ المكوّناتِ، ولا يستطيعُ أيُّ مشروعٍ سياسيٍّ أن يبنيَ دولةً مستقرّةً إذا جعلَ جزءًا من شعبِها يشعرُ بأنَّه مواطنٌ من الدّرجةِ الثّانيةِ أو هدفٌ مشروعٌ للكراهيةِ والعنفِ والإقصاء، الدروز يطالبون باستقلالهم عن سوريا وهذا حق مشروع بعد المجازر والهجمات والانتهاكات الّتي نفذها وارتكبها بقوة السّلاح، من كان يجب أن يحمي الدّروز كمِثل الأمن العام والإرهابيين جنود المجرم مرتكب المجازر المسمى أحمد الشّرع (أبو محمد الجولاني)، وهنا لا يسعنا إلا أن نتقدم بالشّكر الجَزيل لدولة إسرائيل وجيش الدّفاع الإسرائيليّ، الّذي هبَّ لنجْدةِ الدّروز من المنظمات الإرهابية الإسلامية أصحاب الأفكار التّطرفيّة الإسْلامية، (المنظمات: داعش والجهاد الإسلامي والقاعدة وجبهة النصرة والأمن العام والبدو وكل من يحمل الأفكار التّطرفيّة الإسلاميّة)، إنَّ أخطرَ ما يمكنُ أن يحدثَ في المجتمعاتِ ليس اختلافَ النّاسِ في الدّينِ أو المذهبِ أو القوميّةِ والانتماء، وإنّما تحويلُ الاختلافِ إلى أيديولوجيا إقصاءٍ، وتحويلُ الدّينِ إلى أداةٍ للسّيطرةِ، وتحويلُ النّصِّ المقدّسِ إلى ذريعةٍ لممارسةِ العنفِ، وهنا أصلُ المسألةِ الّتي أؤمنُ بها فكريًّا وإنسانيًّا:
الدّينُ ليس عدوَّ الإنسانِ.
والإيمانُ ليس عدوَّ الحياةِ.
المشكلةُ تبدأُ عندما يُختطَفُ الدّينُ من رسالتِه الأخلاقيّةِ والإنسانيّةِ، ويُحوَّلُ إلى أيديولوجيا مغلقةٍ، عندها يصبحُ المختلفُ عدوًّا، ويصبحُ الحوارُ ضعفًا، وتصبحُ الرّحمةُ تهمةً، ويصبحُ القتلُ في بعضِ العقولِ فعلًا يمكنُ تبريرُه بشعارٍ دينيٍّ، وهذا هو الخطرُ الّذي يجبُ أن ينتبهَ إليه الشّرقُ والغربُ معًا، فالفكرُ المتطرّفُ لا يتوقّفُ عندَ حدودِ دولةٍ، ولا يحترمُ جغْرافيا وتَضاريس الدّول، ولا يعترفُ بالحدودِ السّياسيّةِ عندما يجدُ بيئةً تسمحُ له بالانتشارِ، وقد رأينا في العقودِ الماضيةِ كيف تحوّلت بعضُ التّنظيماتِ المتطرّفةِ إلى شبكاتٍ عابرةٍ للحدودِ، وكيف امتدّت آثارُ العنفِ إلى العراقِ وسوريا وأفغانستانَ وباكستانَ واليمنِ وأفريقيا وأوروبا وغيرها، وقد شهدَ العالمُ جرائمَ مروّعةً بحقِّ الإيزيديّينَ والأكراد والدروز والعلويين والمسيحيين وغيرِهم من المدنيّينَ، بما في ذلك القتلُ والتّهجيرُ والاستعبادُ الجنسيُّ وغيرها من الانتهاكاتِ الّتي وثّقتها مؤسساتٌ دوليّةٌ وحقوقيّةٌ، وهذه الجرائمُ لا يجوزُ أن تُختزلَ في دينٍ أو شعبٍ أو قومٍ بأكملِه، فالمسؤوليّةُ تقعُ على الأفرادِ والتّنظيماتِ والجهاتِ الّتي ارتكبتِ الجرائمَ أو أمرتْ بها أو حرّضتْ عليها، لا على ملايينَ البشرِ الّذين لا علاقةَ لهم بها، وهنا يجبُ أن نكونَ واضحينَ:
الإسلامُ ليس هو الإرهابَ، والمسلمونَ ليسوا كتلةً واحدةً من المتطرّفينَ، كما أنَّ الدّينَ لا يتحمّلُ تلقائيًّا مسؤوليّةَ الجرائمِ الّتي يرتكبُها مَن يستخدمُ اسمَه لتبريرِ العنفِ، إنَّ المعركةَ الحقيقيّةَ هي مع الفكرِ الّذي يُبرّرُ القتلَ، ومع الأيديولوجيا الّتي تُحوّلُ الإنسانَ إلى عدوٍّ بسببِ هويّتِه، ومع كلِّ سلطةٍ تستخدمُ الدّينَ أو القوميّةَ أو المذهبَ لتبريرِ إخضاعِ الآخرينَ، وقد قال سُبْحانه تعالى:
﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾] المائدة:32 [.
فأينَ نحنُ من هذه القيمةِ الإنسانيّةِ العظيمةِ عندما يصبحُ قتلُ الإنسانِ شعارًا، وتصبحُ الرّحمةُ غائبةً عن المشهدِ؟ إنَّني أكتبُ هذه الكلماتِ وأنا أتمنّى، من أعماقِ قلبي وروحي معًا، أن أكونَ مخطئًا في بعضِ مخاوفي، أتمنّى أن يُثبِتَ المُستقبلُ أنَّ الإنسانَ يستطيعُ أن يتعلّمَ من مآسيهِ.
أتمنّى أن تنجحَ سوريا في بناءِ دولةٍ حديثةٍ تحمي جميعَ مواطنيها.
أتمنّى ألّا يرى طفلٌ سوريٌّ جديدٌ ما رأته عيونُ الأطفالِ في السّنواتِ الماضيةِ.
وأتمنّى ألّا تضطرَّ أمٌّ أخرى إلى دفنِ ولدِها بسببِ هويّتِه.
ولكنّني لا أستطيعُ أن أتجاهلَ الذّاكرةَ.
في ذاكرتي صورُ أهلِنا في السّويداءِ.
في ذاكرتي شبابٌ سقطوا.
في ذاكرتي أطفالٌ لم يعرفوا لماذا أصبحَ الموتُ أقربَ إليهم من الحياةِ.
في ذاكرتي نساءٌ عشنَ الخوفَ والإذلالَ.
في ذاكرتي بيوتٌ انتُهكت حرمتُها.
وفي ذاكرتي مشاهدُ جثثٍ لا يستطيعُ العقلُ الإنسانيُّ أن يتعاملَ معها بسهولةٍ.
هذه الذاكرةُ لن تموتَ أبدَ الدّهْر.
لكنّني لا أريدُ لها أن تتحوّلَ إلى كراهيةٍ جديدةٍ، أريدُ لها أن تتحوّلَ إلى عدالةٍ، أريدُ أن تتحوّلَ دموعُ الأمهاتِ إلى قانونٍ يحمي أبناءَهنَّ، أريدُ أن تتحوّلَ دماءُ الضحايا إلى عهدٍ جديدٍ يقولُ بوضوحٍ:
لن يتكرّرَ هذا، وهذا هو الفارقُ بينَ الإنسانِ الّذي يحترمُ الحياةَ وبينَ مَن يجعلُ الموتَ وسيلةً لتحقيقِ أهدافِه، نحنُ نحبُّ الحياةَ، نحبُّ الناسَ، نريدُ الخيرَ للمسلمِ والمسيحيِّ والدّرزيِّ والعلويِّ والكرديِّ والعربيِّ ولكلِّ إنسانٍ يعيشُ على هذه الأرضِ.
لا نريدُ أن يموتَ أحدٌ بسببِ دينِه.
ولا بسببِ مذهبِه.
ولا بسببِ قوميتِه.
ولا بسببِ رأيِه.
ولا بسببِ اختلافِه.
نحنُ نقدّسُ الحياةَ، وهم يقدّسونَ الموتَ، لكنّنا لا نريدُ أن نواجهَ تقديسَ الموتِ بتقديسِ موتٍ آخرَ، بل نريدُ أن نُواجهَه بالحياةِ، بالعلمِ، بالفلسفةِ، بالقانونِ، بالرّحمةِ، بالحُرّيّة، بالحوارِ، بالعدالةِ، والمساواة ولهذا فإنَّ رسالتي إلى الشّرقِ والغربِ ليست رسالةَ خوفٍ، بل رسالةُ تحذيرٍ ومسؤوليّةٍ:
1. لا تسمحوا للفكرِ المتطرّفِ بأن يتحوّلَ إلى دولةٍ فوقَ الدّولةِ.
2. لا تسمحوا للسّلاحِ بأن يتحوّلَ إلى قانونٍ.
3. لا تسمحوا للشّعاراتِ الدّينيّةِ بأن تصبحَ بديلًا عن حقوقِ الإنسانِ.
احموا مؤسساتِكم، احموا القانونَ، احموا الحريّاتِ، احموا التّعدّديّةَ، واحفظوا حقَّ الإنسانِ في أن يكونَ مختلفًا دون أن يصبحَ هدفًا للقتلِ أو الكراهيةِ، إنَّ الحضارةَ لا تُقاسُ بعددِ الأسلحةِ الّتي تمتلكُها الدّولُ، ولا بعددِ القصورِ الّتي يسكنُها الحكّامُ، وإنّما تُقاسُ بقدرتِها على حمايةِ أضعفِ إنسانٍ فيها، والدّولةُ القويّةُ ليست الدّولةَ الّتي تُخيفُ مواطنيها، بل الدّولةُ الّتي تجعلُ المواطنَ يشعرُ بالأمانِ أمامَ القانونِ، والدّينُ العظيمُ ليس الّذي يزرعُ الخوفَ من الإنسانِ المختلفِ، بل الّذي يوقظُ في الإنسانِ ضميرَه ومسؤوليّتَه ورحمتَه، والسياسةُ الحكيمةُ ليست الّتي تنسى الماضي، بل الّتي تتعلّمُ منه، لذلك أطالبُ جميعَ الدولِ والمؤسساتِ الدّوليّةِ والمنظّماتِ الحقوقيّةِ والإنسانيّةِ بأن تعملَ على توثيقِ الجرائمِ، وحمايةِ المدنيّينَ، ودعمِ آلياتِ التّحقيقِ المستقلّةِ، ومحاسبةِ كلِّ مَن تثبتُ مسؤوليّتُه، من أيِّ جماعةٍ أو قومٍ أو مذهبٍ أو خلفيّةٍ كان، لا حصانةَ للقاتلِ بسببِ السّياسةِ، ولا حصانةَ للمحرّضِ بسببِ الشّعارِ، ولا حصانةَ لمنتهكِ حقوقِ الإنسانِ بسببِ السّلطةِ، فالعدالةُ إمّا أن تكونَ للجميعِ، أو تفقدَ معناها، وسيبقى السؤالُ مفتوحًا أمامَ التّاريخِ:
هل ستنتصرُ السّياسةُ على العدالةِ، أم ستستطيعُ العدالةُ أن تفرضَ نفسها على السّياسةِ؟
نحن نؤْمِنُ بأنَّ الزّمنَ قد يغيّرُ الحكوماتِ، وأنَّ السّلطةَ قد تنتقلُ من يدٍ إلى يدٍ، وأنَّ أسماءَ القادةِ قد تتبدّلُ، وأنَّ المشهدَ السّياسيَّ قد ينقلبُ رأسًا على عقبٍ، لكنّني أؤمنُ أيضًا بأنَّ الحقيقةَ لا تموتُ، قد يتعبُ الشّهودُ، لكنّ الذّاكرةَ تبقى، قد تتغيّرُ العناوينُ، لكنّ دمَ الضّحيّةِ لا يتغيّرُ، وقد تتبدّلُ التّحالفاتُ، لكنّ كرامةَ الإنسانِ لا ينبغي أن تكونَ ورقةً على طاولةِ المفاوضاتِ، ولذلك سأبقى أقولُ:
– نحنُ لسنا أعداءَ أحدٍ.
– نحنُ أعداءُ الجريمةِ.
– لسنا أعداءَ دينٍ.
– نحنُ أعداءُ توظيفِ الدّينِ لتبريرِ الجريمةِ.
– لسنا أعداءَ شعبٍ.
– نحنُ أعداءُ الكراهيةِ والإقصاءِ.
– لسنا دعاةَ ثأرٍ.
– نحنُ دعاةُ عدالةٍ.
وسنبقى نؤمِنُ بأنَّ الإنسانَ يستطيعُ أن يبنيَ عالمًا أفضلَ عندما يتعلّمُ أن يرى الإنسانَ في الآخرِ قبلَ أن يرى دينَه أو مذهبَه أو قوميتَه، فالحياةُ واحدةٌ، والدمعةُ واحدةٌ، والألمُ واحدٌ، والأمُّ أمٌّ في كلِّ مكانٍ، والطفلُ طفلٌ في كلِّ مكانٍ، ومن يقتلُ طفلًا لأنّه مختلفٌ عنه، لا يقتلُ طفلًا فقط، إنّه يقتلُ جزءًا من إنسانيّةِ العالمِ كلِّه، ولهذا، فإنَّ رسالتي الأخيرةَ ليست إلى الحكّامِ وحدَهم، بل إلى الإنسانِ في كلِّ مكانٍ:
– لا تسمحْ لأحدٍ أن يقنعَكَ بأنَّ قتلَ المختلفِ بطولةٌ.
– لا تسمحْ لأحدٍ أن يقنعَكَ بأنَّ الرّحمةَ ضعفٌ.
– لا تسمحْ لأحدٍ أن يقنعَكَ بأنَّ الكراهيةَ دينٌ.
– ولا تسمحْ لأحدٍ أن يقنعَكَ بأنَّ الموتَ يمكنُ أن يكونَ طريقًا إلى مستقبلٍ أفضلَ.
أكرر وأكرر نحنُ نقدّسُ الحياةَ، وسنبقى نؤمنُ بأنَّ الحياةَ، مهما اشتدّت عليها العواصفُ، أقوى من الموتِ، وأنَّ الرّحمةَ، مهما حاولَ المتطرّفونَ خنقَها، فهي أقوى من الكراهيةِ، وأنَّ القانونَ، مهما تأخّرَ، يجبُ أن يبقى فوقَ الجميعِ، وأنَّ الحقيقةَ، مهما حاولَ البعضُ دفنَها، ستجدُ طريقَها إلى النورِ…
سُبحانَ مَن يُغيِّرُ الأحوالَ ويبقى خالدًا إلى الأبد.
والسّلامُ على أهلِنا في السويداءِ،
والسّلامُ على كلِّ ضحيّةٍ سقطتْ ظلمًا،
والسّلامُ على كلِّ أمٍّ ما زالت تنتظرُ عودةَ ولدِها،
والسّلامُ على كلِّ إنسانٍ اختارَ الحياةَ بدلَ الموتِ،
والسّلامُ على كلِّ قلبٍ اختارَ الرّحمةَ بدلَ الكراهيةِ،
في نهايةِ المطافِ، ستتغيّرُ الحكوماتُ، وتتبدّلُ التّحالفاتُ، وتسقطُ أنظمةٌ وتقومُ أخرى، ويتقدّمُ أشخاصٌ إلى مواقعَ السّلطةِ ثم يغادرونَها، لكنَّ الحقيقةَ تبقى، والدّمَ لا يتحوّلُ إلى ماءٍ، وذاكرةَ الضحايا لا تموتُ بمجرّدِ أن تتغيّرَ العناوينُ السّياسيّةُ.
سُبحانَ مَن يُغيِّرُ الأحوالَ ويبقى خالدًا إلى الأبد.
ولذلك سأبقى، ما استطعتُ، منحازًا إلى الإنسانِ، إلى كرامتِه، إلى حقِّه في الحياةِ، وإلى حقِّه في الأمنِ والحريّةِ والعدالةِ، وسأبقى أؤمنُ بأنَّ أفضلَ انتصارٍ يمكنُ أن يحقّقَه الإنسانُ على العنفِ ليس أن يصبحَ عنيفًا مثلَه، بل أن يثبتَ أنَّ الحياةَ أقوى من الموتِ، والرّحمةَ أقوى من الكراهيةِ، والحقَّ أقوى من السّلاحِ، والإنسانَ أكبرُ من كلِّ أيديولوجيا تريدُ أن تختطفَه.
نحنُ نقدّسُ الحياةَ، لأنَّ الحياةَ عطيةُ اللهِ،
ونرفضُ الموتَ عندما يتحوّلُ إلى عقيدةٍ،
ونرفضُ القتلَ عندما يُرفعُ فوقَه شعارٌ دينيٌّ أو سياسيٌّ،
ونؤمنُ بأنَّ مستقبلَ الإنسانِ لا يُبنى بالذبحِ، وإنّما بالعلمِ والرّحمةِ والعدلِ والعملِ الصّالحِ، والسّويداءُ وأهلُها سيبقونَ في ذاكرتِنا، لا بوصفِهم ضحايا فقط، بل بوصفِهم شاهدًا على ضرورةِ أن ينتصرَ القانونُ على الفوضى، والإنسانُ على الكراهيةِ، والحياةُ على الموتِ.



