أَعْداءُ الحياةِ

شعر الباحث الدّكتور رافع حلبي – دالية الكرمل

تاريخ النشر: 22/09/26 | 19:38

هذه الكلمات مقدمة لأهلنا في السّويداء، على مرور عام من الزّمنِ على المجازرِ البشعة النّكراء الّتي ارتكبها الضّالين عن الحقيقة، الظّالمين الكفرة أعداء الحياة… فهذه هي وجهتهم، ونحن الموحدين بني معروف الدّروز وجهتنا الحياة، هم يقدّسون الموت ونحن نُقدّس الحياة إلى الأبد، نحن نُسامح لكننا لا نُصالح حتّى لو لم يبقى منّا أحد.

جاءَ أَعْداءُ الحياةِ إلى حَيِّنَا،
فاستيقظَ الفجرُ على صَرْخَةِ طفلٍ،
واستيقظَتِ الأرضُ على دَمٍ،
واستيقظَتِ السَّماءُ
على دعاءِ أمٍّ ثكلى
تبحثُ بينَ الرُّكامِ
عن فلذةِ كبدِها…

* * * * *

جاؤوا،
فلم يروا في الطُّفولةِ براءةً،
ولا في الشَّيخوخةِ كرامةً،
ولا في الإنسانِ إنسانًا
قتلوا الطَّائرَ
قبلَ أن يُحلِّقَ في السَّماءِ،
وقتلوا الإنسانَ
وهو يبحثُ عن أمانٍ
في بيتِهِ…
ذبحوا الأطفالَ،
وأردوا الشَّبابَ،
وأشعلوا نارَ المجازرِ
في وجهِ دعاةِ السَّلامِ،
وانتهكوا حُرمةَ البيوتِ،
وأرعبوا النِّساءَ،
وتركوا القاصراتِ
يحملنَ في أعماقِهِنَّ
ذاكرةً لا تنامُ…
هذهِ هيَ مأساتُنا،
وهذهِ هيَ صرخةُ أهلِنا في السُّويداءِ…

* * * * *

أهلُنا الذينَ أحبّوا الحياةَ،
وأحبّوا الأرضَ،
وأحبّوا خبزَهم،
وأحبّوا أطفالَهم،
لم يطلبوا من هذهِ الدُّنيا
إلّا أن يعيشوا بسلامٍ
وكرامةٍ وأمانٍ…
ما ذنبُ طفلٍ بريءٍ
كانَ نائمًا في مهدِهِ؟
ما ذنبُ شيخٍ كهلٍ
كانَ جالسًا في ديوانِهِ؟
ما ذنبُ أمٍّ
كانت تنتظرُ عودةَ ولدِها؟
ما ذنبُ طفلةٍ
سُرقت منها براءةُ العمرِ
بجريمةٍ لا تُغتفرُ؟

* * * * *

أيُّ دينٍ هذا
الذي يجعلُ القتلَ عبادةً؟
وأيُّ فكرٍ هذا
الذي يجعلُ انتهاكَ الإنسانِ
طريقًا إلى اللهِ تعالى؟
لقد قالَ لنا:
﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾.
فأيُّ إنسانٍ
يقتلُ إنسانًا بريئًا،
ثمَّ يزعمُ أنَّهُ
يُنفِّذُ أمرًا من الدِّينِ؟
لا يا أعداءَ الحياةِ،
الدِّينُ ليسَ سكينًا في يدِ قاتلٍ،
ولا اغتصابًا في عتمةِ اللَّيلِ،
ولا نارًا في بيتِ طفلٍ،
ولا رصاصةً في صدرِ شيخٍ،
ولا جوعًا يُفرضُ على مدينةٍ محاصرةٍ…
الدِّينُ حياةٌ،
والإنسانُ كرامةٌ،
والعدلُ ميزانٌ،
والرَّحمةُ لغةُ السَّماءِ…
* * * * *

سرقتمُ الفرحَ من عيونِ أطفالِنا،
وسرقتمُ الأمانَ من بيوتِنا،
وسرقتمُ الخبزَ من موائدِنا،
وحاولتم أن تسرقوا
حتّى حقَّنا في أن نحلمَ بالغدِ…
لكنَّكم أخطأتم…
فالسويداءُ ليستْ بيتًا يُقتحمُ،
ولا مدينةً تُطفأُ أنوارُها،
ولا شعبًا يُمحى من ذاكرةِ الأرضِ.
إنَّها أرضٌ
تحملُ ذاكرةَ أهلِها،
وتحملُ أسماءَ شهدائِها،
وتحملُ وجوهَ أطفالِها،
وتحملُ في ترابِها
حكايةَ شعبٍ
يريدُ أن يعيشَ
يا أعداءَ الحياةِ،
لقد أثبتُّم بأفعالِكم
أنَّكم حينَ تفقدونَ الرَّحمةَ
تفقدونَ أوّلَ معنىً للإنسانِ
لكنَّنا لن نُجيبَ الجريمةَ بالجريمةِ،
ولا الذبحَ بذبحٍ،
ولا الكراهيةَ بكراهيةٍ،
لأنَّنا لا نريدُ أن نصبحَ صورةً أخرى
ممّن قتلوا أبناءَنا…
سنحملُ دموعَنا،
ونحملُ جراحَنا،
ونحملُ أسماءَ شهدائِنا،
ونقولُ للعالمِ كلِّهِ:
هذهِ دماءُ أهلِنا في السويداءِ،
وهذهِ صرخاتُ أطفالِنا،
وهذهِ بيوتُنا،
وهذهِ قبورُ أحبّتِنا،
وهذهِ الحقيقةُ التي لن تموتَ…

* * * * *

لن ننسى…
لن ننسى الطفلَ
الذي نامَ ولم يستيقظْ،
ولا الأمَّ
الّتي بقيتْ تنتظرُ ابنَها،
ولا الشيخَ
الّذي لم يكن يحملُ إلّا عمرَهُ،
ولا الطّفلةَ
الّتي سُلبتْ منها طفولتُها…
لن ننسى،
ولكنَّنا لن نكرهَ الحياةَ
من أجلِ الذينَ كرهوا الحياةَ…
سنظلُّ نزرعُ الخبزَ
حيثُ أرادوا أن يزرعوا الرُّعبَ،
وسنرفعُ صوتَ الحقِّ
حيثُ أرادوا للصَّمتِ أن يسودَ،
وسنفتحُ أبوابَ المحبَّةِ
حيثُ حاولوا أن يبنوا جدرانَ الكراهيةِ والحقد…

* * * * *

أنتم أردتمُ الأرضَ بلا حياةٍ،
ونحنُ نريدُها
ممتلئةً بالأطفالِ،
والأشجارِ،
والخبزِ،
والصَّلاةِ،
والضَّحكاتِ،
والأمانِ…
أنتم اخترتم طريقَ الموتِ،
ونحنُ اخترنا طريقَ الحياةِ…
نحنُ نُقدسُ الحياةَ
وأنتُم تُقدسونَ الموتَ…
أنتم أشعلتمُ النَّارَ،
ونحنُ سنحفظُ الرَّمادَ
شاهدًا على الحقيقةِ في العَذابِ…
وإن كانَ للظُّلمِ يومٌ،
فللحقِّ يومٌ أيضًا،
وإن كانَ للقاتلِ لحظةُ غرورٍ،
فللعدالةِ موعدٌ
لا يتأخّرُ بالمَجيءِ…

* * * * *

فيا أَهْلَنا في السُّويداءِ،
يا أهلَنا في الجبلِ،
يا من حملتمُ الألمَ
وحفظتمُ الكرامةَ،
اعلموا أنَّ دموعَنا معكم،
وقلوبَنا معكم،
ودعاءَنا معكم…
وإن عجزَتِ الكلماتُ
عن حملِ وجعِكم،
فإنَّ القلبَ يعرفُ…
وإن عجزَتِ العيونُ
عن إخفاءِ دموعِها،
فليَبكِ القلبُ اليومَ
على أحبّتِه ولكنْ،
بعدَ الدَّمعِ
سيأتي الفجرُ…
وبعدَ الجرحِ
ستعودُ الحياةُ…
وبعدَ الخرابِ
ستُبنى البيوتُ…
وبعدَ الخوفِ
سيضحكُ الأطفالُ…
وسيظلُّ أهلُ السويداءِ
يقولونَ للعالمِ كلِّهِ:
نحنُ أبناءُ الحياةِ،
فلا تجعلوا من الأرضِ
مقبرةً للإنسانِ…
نحنُ أهلُ الكرامةِ،
فلا تجعلوا الدِّينَ
ذريعةً لإهانةِ الإنسانِ…
ونحنُ أهلُ السَّلامِ،
ولكنَّنا لن نصمتَ
أمامَ الظُّلمِ،
ولن ننسى دماءَ أهلِنا،
ولن نسمحَ للجريمةِ
أن تكتبَ تاريخَنا…
فالسَّلامُ ليسَ استسلامًا،
والرَّحمةُ ليستْ ضعفًا،
والتَّسامحُ لا يعني نسيانَ الجريمةِ،
والعدالةُ ليستْ انتقامًا…

* * * * *

نحنُ لا نطلبُ موتَ أحدٍ،
بل نطلبُ أن تتوقّفَ آلةُ الموتِ…
نحنُ لا نريدُ أن نُقصيَ الإنسانَ،
بل نريدُ أن تُقصى الجريمةُ
من حياةِ الإنسانِ…
لأنَّنا، في النهايةِ،
مهما اشتدَّ الألمُ،
ومهما سالتِ الدُّموعُ،
ومهما أثقلتِ الجراحُ قلوبَنا،
سنظلُّ أبناءَ الحياةِ،
وسيظلُّ قاتلو الحياةِ
غرباءَ عن معنى الإنسانِ…

* * * * * * * *

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة