هل ستعود الحرب؟ حين يصبح السلام امتحانًا للذاكرة

بقلم: رانية مرجية

تاريخ النشر: 21/09/26 | 17:39

ثمة أسئلة لا تُطرح بحثًا عن إجابة، بل لأننا نخشى أن تكون الإجابة كامنة في داخلنا.

«هل ستعود الحرب؟»

ليس هذا سؤالًا عن الغد وحده. إنه سؤال عن الأمس، وعن كل ما لم يُحسم، وعن الخوف الذي بقي مستيقظًا حتى بعد أن هدأت أصوات المدافع.

فالناس الذين عاشوا الحرب لا يصدقون الصمت سريعًا.

ينظرون إلى السماء أكثر مما ينبغي، يصغون إلى الأصوات البعيدة، يحتفظون بهواتفهم قرب أيديهم، ويتركون في داخلهم مكانًا صغيرًا لاحتمال الطارئ.

هكذا لا تنتهي الحرب، أحيانًا، عندما تتوقف.

تنتهي فقط عندما يتوقف الإنسان عن انتظار عودتها.

وهنا يبدأ السؤال الأصعب: هل انتهت الحرب فعلًا، أم أننا انتقلنا فقط من حربٍ تُسمع إلى حربٍ تُعاش في الذاكرة؟

الحرب لا تبدأ حين تُطلق الرصاصة
نميل إلى الاعتقاد بأن الحرب تبدأ في اللحظة التي يُضغط فيها على الزناد، لكن الحرب، في معناها الأعمق، قد تبدأ قبل ذلك بكثير.

تبدأ حين يفقد الإنسان قدرته على رؤية الآخر إنسانًا.

حين تتحول اللغة إلى جدار.

حين يصبح الاختلاف تهديدًا، والخصم عدوًا أبديًا، والموت رقمًا يمكن احتماله ما دام يحدث بعيدًا عن أعيننا.

السلاح هو اللحظة الأكثر وضوحًا في الحرب، لكنه ليس بدايتها الوحيدة.

هناك حروب تبدأ في الكلمات، وفي الذاكرة، وفي التربية، وفي الخوف المتوارث، وفي عجز السياسة عن إنتاج طريق آخر.

ولهذا فإن وقف إطلاق النار، مهما كانت أهميته، لا يكفي وحده لصناعة السلام.

إنه قد يوقف النار، لكنه لا يستطيع وحده أن يطفئ الأسباب التي جعلت النار ممكنة.

السلام ليس غياب الحرب
ربما أخطأنا طويلًا حين اختصرنا السلام في غياب القصف.

أن لا تسقط قذيفة لا يعني بالضرورة أن الإنسان يشعر بالأمان.

أن تنتهي المطاردة لا يعني أن الخوف غادر الجسد.

أن يعود الناس إلى بيوتهم لا يعني أن البيوت عادت كما كانت.

السلام، في معناه الأعمق، ليس مجرد غياب العنف؛ بل حضور العدالة، والأمان، والكرامة، وإمكان المستقبل.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث بعد الحرب هو أن نكتفي بالعدّ:

كم يومًا مرّ بلا قصف؟

كم خرقًا وقع؟

كم بيتًا أُعيد بناؤه؟

ثم ننسى السؤال الأكبر:

أي مستقبل نعيد بناءه؟

فإعادة الإعمار ليست إسمنتًا وحديدًا فقط.

قد نبني الجدران، لكن ماذا عن الإنسان الذي سيعيش خلفها؟

ماذا عن طفل تعلّم أن السماء قد تكون مصدرًا للخوف؟

ماذا عن أمّ لا تستطيع سماع صوت مرتفع دون أن يتغير نبضها؟

ماذا عن جيل كامل تعلّم أن النجاة ليست حقًا، بل مصادفة؟

إعادة بناء المكان أسهل من إعادة بناء الإحساس بالأمان.

ماذا لو كنا نريد السلام أسرع من العدالة؟
هذه واحدة من أكثر الأسئلة قسوة.

نحن نريد أن تنتهي الحرب، وهذا حق طبيعي لكل إنسان.

لكن هل يمكن أن يكون السلام هشًا حين يُطلب من الذاكرة أن تصمت قبل أن تُسمع؟

هل يمكن أن يتحول الصمت إلى طبقة جديدة من الألم إذا لم يجد الضحايا مكانًا لأسئلتهم، وإذا بقيت أسباب العنف بلا معالجة؟

لا تعني العدالة الانتقام.

ولا تعني أن يبقى الإنسان أسيرًا للماضي.

تعني، في أبسط صورها، أن يكون للألم معنى، وللحق مكان، وللإنسان قيمة لا تتغير بتغير موقعه من الصراع.

فالسلام الذي يطلب من الضحية أن تنسى كي يستمر، قد يكون قادرًا على تأجيل الانفجار، لكنه لا يضمن ولادة الطمأنينة.

والخطر ليس في السلاح وحده
قد ننجح في جمع السلاح، ثم نفشل في جمع القلوب.

قد نوقف القتال، لكننا نُبقي لغة الكراهية.

قد نعيد فتح المدارس، لكننا نترك الخوف في المناهج والذاكرة.

قد نعيد بناء الشوارع، ولا نعيد بناء الثقة.

وهنا تكمن مفارقة السلام:

يمكن أن يصمت صوت البندقية، بينما تبقى الحرب حيّة في اللغة.

يمكن أن تنتهي المعركة على الأرض، وتستمر في الوعي.

لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس فقط:

هل ستعود الحرب؟

بل:

ما الذي يجعل عودتها ممكنة؟

وماذا عن الآخر؟
ربما تكون أصعب خطوة نحو السلام هي أن نعترف بأن للآخر ذاكرة أيضًا.

ليس مطلوبًا أن نتخلى عن ذاكرتنا كي نفهم ذاكرته.

ولا أن نساوي بين التجارب أو نمحو الفوارق بينها.

لكن لا يمكن بناء سلام دائم إذا كان كل طرف يرى نفسه وحده ضحية، والآخر وحده مصدرًا لكل الشر.

الاعتراف بإنسانية الآخر لا يعني تبرئة أحد.

يعني فقط أن نرفض تحويل البشر إلى صور نمطية، وأن نمنح السياسة فرصة للخروج من منطق الثأر المتوارث.

فحين يصبح الآخر أقل من إنسان في وعينا، يصبح إيذاؤه أسهل.

وحين يصبح إيذاؤه أسهل، تصبح الحرب أكثر قابلية للعودة.

ماذا يفعل الكاتب حين تكون الحياة نفسها نصًا مكسورًا؟
في زمن الحرب، لا تكون الكتابة ترفًا.

لكنها أيضًا ليست منصة لإطلاق الشعارات.

مهمة الكاتب أصعب من أن يقول للناس ماذا يجب أن يعتقدوا.

مهمته أن يحرس الأسئلة من الموت.

أن يكتب عن الإنسان قبل أن يكتب عن الموقف.

أن يرى الطفل الذي لا يعرف شيئًا عن خرائط السياسة، لكنه يعرف جيدًا معنى الخوف.

أن يرى الأم التي لا تريد خطابًا تاريخيًا، بل تريد أن ينام طفلها دون أن يستيقظ مذعورًا.

أن يذكّرنا بأن الأرقام، مهما كانت ضرورية، لا تستطيع وحدها أن تحكي معنى الفقد.

فالرقم يقول إن إنسانًا مات.

أما الأدب فيسأل:

من كان هذا الإنسان؟

ماذا كان يحب؟

ماذا كان يحلم أن يصبح؟

وماذا كان يمكن أن يكون لو مُنح الوقت؟

هنا تصبح الكتابة مقاومة للنسيان.

الحرب المقبلة تبدأ قبل أن تبدأ
لا أحد يستطيع أن يجزم بما سيحدث غدًا.

وهذا تحديدًا ما يجعل السؤال «هل ستعود الحرب؟» أكثر تعقيدًا من مجرد توقع سياسي.

العودة ليست قدرًا.

لكنها أيضًا ليست مستحيلة إذا بقيت الشروط التي أنتجت العنف قائمة.

الحرب المقبلة، إن وقعت، لن تبدأ بالضرورة في لحظة إطلاق النار.

قد تكون قد بدأت قبل ذلك بسنوات:

في خطاب يجرّد الآخر من إنسانيته.

في طفل يتعلم أن الكراهية ميراث.

في ذاكرة لا تجد طريقًا إلى المصالحة.

في فشل سياسي متكرر.

وفي عالم يعتاد مشاهدة المأساة حتى تصبح جزءًا من المشهد اليومي.

لهذا فإن منع الحرب لا يعني فقط منع الرصاصة الأخيرة.

يعني منع الفكرة التي تجعل الرصاصة ممكنة.

السلام امتحان للذاكرة
ربما يكون أصعب ما في السلام أنه يطلب من الإنسان شيئين يبدوان متناقضين:

أن يتذكر، وأن يتجاوز.

أن يتذكر كي لا يعيد إنتاج المأساة.

وأن يتجاوز كي لا يصبح أسيرًا لها.

فالنسيان ليس دائمًا شفاءً.

والبقاء داخل الجرح ليس دائمًا وفاءً.

بينهما توجد منطقة أكثر إنسانية:

أن نتذكر دون أن نتحول إلى أسرى للثأر.

أن نعترف بالألم دون أن نورثه.

أن نحفظ أسماء الذين فقدناهم، لكن لا نسمح للموت أن يحدد أسماء الذين سيولدون بعدهم.

لا أريد أن أكتب عن حرب ستعود
وأنا أكتب هذا النص، أجدني أمام مفارقة مؤلمة.

لا أريد أن أكتب عن الحرب المقبلة.

لا أريد أن أتقن لغة الخوف إلى هذا الحد.

لا أريد أن يصبح السؤال عن الحرب جزءًا طبيعيًا من حديث الأطفال، وأن تصبح الهدنة مجرد فترة ننتظر فيها الخبر التالي.

أريد أن يكون السؤال مختلفًا.

لا:

متى ستعود الحرب؟

بل:

ماذا علينا أن نفعل حتى لا تعود؟

الفرق بين السؤالين ليس لغويًا.

إنه الفرق بين إنسان ينتظر مصيره، وإنسان يحاول أن يصنع مستقبلًا مختلفًا.

هل ستعود الحرب؟
لا أعرف.

ولا أظن أن الصدق يسمح لأحد أن يدّعي معرفة ما سيأتي.

لكنني أعرف أن الحرب لا تُهزم فقط في الميدان.

تُهزم حين يصبح السلام أكثر من توقفٍ مؤقت للنار.

حين تصبح العدالة ممكنة دون انتقام.

حين يصبح الاختلاف ممكنًا دون كراهية.

حين لا يعود الطفل بحاجة إلى معرفة الفرق بين الهدنة والسلام، لأنه يعيش في أمان لا يحتاج إلى تعريف.

وربما تكون هذه هي مسؤوليتنا الأصعب:

ألا نكتفي بأن نسأل إن كانت الحرب ستعود، بل أن نسأل أنفسنا عمّا نفعله كي لا تجد طريقًا للعودة.

فالسلام ليس فقط كل يومٍ لا تسقط فيه قذيفة.

السلام هو كل مستقبلٍ لا يحتاج فيه طفل إلى أن يسأل: هل ستعود الحرب؟

وربما، في النهاية، لا يكون الامتحان الحقيقي للسلام هو أن تصمت المدافع.

بل أن نتعلم نحن، بعد كل هذا الألم، كيف نصمت أمام إغراء الكراهية، وكيف نمنح الإنسان فرصة أن يكون إنسانًا قبل أن يكون طرفًا في حرب.

عندها فقط يمكن أن نبدأ في تصديق أن الصمت ليس هدنةً بين حربين، بل بداية حياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة