كتاب قرأته “حكايتي شرح يطول” لحنان الشيخ
بقلم: جهاد عقل
تاريخ النشر: 21/09/26 | 8:10
القراءة رحلة فكرية ممتعة
ونافذتنا إلى اللغة والحياة
ليست القراءة مجرد تقليب صفحات الكتب أو متابعة حكايات الآخرين، بل هي رحلة فكرية وإنسانية تفتح أمامنا نوافذ واسعة على الحياة، وتمنحنا فرصة متجددة للارتباط بلغتنا العربية الجميلة واكتشاف ثرائها وجمال تعابيرها وعمق دلالاتها.
فكل كتاب نقرؤه يضيف إلى رصيدنا المعرفي والثقافي، ويوسّع آفاق تفكيرنا، ويقرّبنا من تجارب إنسانية ومجتمعات قد لا تتاح لنا فرصة التعرّف إليها عن قرب. ومن خلال الأدب، ولا سيما الرواية والسيرة، نعيش حيوات أخرى، ونتعرّف إلى أحلام الناس وهمومهم وصراعاتهم، ونكتشف كيف تتشابك الحكايات الفردية مع قضايا المجتمع وتحولاته.
والكتاب الجيد لا ينتهي أثره عند إغلاق صفحته الأخيرة، بل يترك في ذاكرتنا أسئلة وصورًا ومشاعر تدعونا إلى التأمل وإعادة النظر في بعض ما نعرفه عن أنفسنا والعالم من حولنا.
ومن هذا المنطلق، أجد في مشاركة انطباعاتي عن الكتب التي أقرؤها امتدادًا لمتعة القراءة ذاتها، وفرصة لتبادل المعرفة وتشجيع الآخرين على الاقتراب من عالم الكتاب، وتعزيز حضور لغتنا العربية في حياتنا الثقافية اليومية.
امرأة بين قيود المجتمع وحلم الحرية
كانت رحلتي هذه المرة مع كتاب “حكايتي شرح يطول” للكاتبة اللبنانية حنان الشيخ، وهو سيرة روائية تروي فيها حكاية بطلتها ، امرأة تاقت منذ طفولتها إلى الحب والحرية، وتفتح من خلال حياتها نافذة واسعة على المجتمع اللبناني وتحولاته وتناقضاته.
يقع الكتاب، في الطبعة التي قرأتها، في 384 صفحة، ويأخذنا في رحلة تمتد من جنوب لبنان إلى بيروت، حيث تتداخل قضايا المرأة والتقاليد الاجتماعية والفوارق الطبقية مع حكايات الحب والعائلة والبحث عن حياة مختلفة.
تروي حنان الشيخ حكاية فتاة في الرابعة عشرة من عمرها، تُزوَّج من رجل متديّن بعد وفاة زوجته، وهي شقيقتها، لتتولى رعاية أبنائه. غير أن الفتاة لا تستسلم تمامًا للقيود التي يفرضها عليها زوجها المتشدد ولا لتهديدات أخيها العابس، بل تبحث عن منافذ صغيرة للحرية، وتتحايل من أجل حضور عروض السينما، لتكتشف عبر الشاشة عالمًا أوسع من حدود الحياة المفروضة عليها.
ويشكّل انتقالها من الجنوب إلى بيروت محطة أساسية في مسيرتها، فمن بيئة محافظة تحكمها التقاليد الصارمة، تنتقل إلى مدينة أكثر انفتاحًا وتنوعًا، تتيح لها التعرّف إلى أنماط مختلفة من الحياة والعلاقات الإنسانية.
لكن بيروت ليست مدينة الأحلام وحدها، بل مدينة التناقضات أيضًا. تكشف الكاتبة من خلالها الفوارق الطبقية بين الأغنياء والفقراء، والضائقة الاقتصادية التي تعيشها عائلات تكافح من أجل تأمين احتياجاتها اليومية، في مقابل حياة الترف التي تتمتع بها فئات أخرى.
وفي خضم هذه التحولات، تقع البطلة في حب الشاب محمد، وتتوالى الأحداث حتى تتزوجه وتبني معه بيتًا وأسرة. لكن الوصول إلى هذا الحب لم يكن طريقًا سهلًا، بل رحلة تشابكت فيها الرغبة في الاستقلال مع سلطة العائلة وتقاليد المجتمع وقسوة الظروف الاقتصادية.
ما يلفت في الكتاب أن البطلة لا تُقدَّم بوصفها شخصية مثالية، بل امرأة حقيقية تحمل تناقضاتها ونقاط ضعفها وقوتها، وتبحث بطريقتها الخاصة عن حقها في الحب والفرح والحياة. وهنا تكمن إحدى نقاط قوة السرد، إذ لا تحاكم حنان الشيخ بطلتها، وإنما تترك لها المجال كي تتحدث بصوتها، وتروي حكايتها كما عاشتها وشعرت بها.
ولا تنتهي الحكاية بموت البطلة، فهي تواصل الحديث إلينا من وراء الموت، فتصف مأتمها وما يدور حولها، بل وما يحدث معها داخل القبر. وبهذه المعالجة الأدبية تتجاوز الكاتبة الحدود التقليدية للسرد، وتمنح بطلتها صوتًا يظل حاضرًا حتى بعد الرحيل.
حكاية الملك والعصفور والجرادة: سرّ عنوان الكتاب
تختتم حنان الشيخ كتابها بحكاية شعبية طريفة تفسّر من خلالها عنوان “حكايتي شرح يطول”.
يُروى أن ملكًا كان يتنزه في بستان، فدخلت جرادة في كُمّ ثوبه، ولحق بها عصفور. فأغلق الملك فتحة الكُمّ، ثم جلس على عرشه يسأل الناس عمّا يخفيه، من دون أن يتمكن أحد من معرفة الجواب.
وفي تلك الأثناء، جاء رجل اسمه عصفور، كان عاشقًا لامرأة تُدعى جرادة. وقف أمام الملك مثقلًا بهموم الحب، وردّد: “حكايتي شرح يطول… لو ما جرادة ما علق عصفور”. ومن دون أن يعرف سرّ الملك، كشف بكلماته ما كان مخفيًا في كُمّه.
تمنح هذه الحكاية الشعبية الكتاب خاتمة جميلة تجمع بين الحب والمصادفة، وتكشف كيف تتفرع الحكايات بعضها من بعض. وكأن حياة البطلة، بما حملته من أفراح وأوجاع وأسرار وتحديات، حكاية لا يمكن اختصارها في كلمات قليلة، ولا ينتهي شرحها بانتهاء صفحات الكتاب.
ما بقي معي بعد القراءة هو أن “حكايتي شرح يطول” ليست مجرد حكاية امرأة تحدّت القيود التي أحاطت بها، بل هي أيضًا صورة لمجتمع لبناني تتصارع داخله التقاليد مع الحداثة، والفقر مع الثراء، وسلطة العائلة مع حق الفرد في الاختيار.
إنها حكاية امرأة بحثت، وسط عالم لم يكن رحيمًا بها، عن حقها في الحب والحرية والحياة؛ ولذلك ظل شرح حكايتها يطول، وبقي صداها بعد انتهاء القراءة.



