ثقافة التخويف: من “ددي واوا” إلى “بوس الكلب من فمه”
بقلم: فخري هوّاش (البروة / جديدة - المكر)
تاريخ النشر: 19/09/26 | 7:52
الخوف شعور داخلي وتجربة شخصية؛ كرهاب الامتحان أو الأماكن العالية. أما التخويف، فهو سلوك متعمد يمارسه الآخرون—قريبًا كان أم بعيدًا، حاكمًا، مؤسسة أمنية، دوائر التنمر، أو أصابع الإجرام—لإثارة ذلك الرعب في نفوسنا.
نحن شعوب تربّت على التخويف قبل أن تتعلّم الكلام!
قواميس الطفولة
في صغرنا، تبدأ الحصيلة اللغوية بكلمات مبهمة:
“أُ حّ ح… ددي ددي… واوا… كع كع!”
كلمات بلا معنى، لكنها أوامر مشفّرة: خاف! اسكت! عيب! إوعى تتحرك!
ثم يمتد الترهيب إلى الغيبيات: “الله راح يخنقك ويحطك بالنار!”
فكيف للرحمن الرحيم أن يجزُر الأطفال بالنار؟!
أمثال تكرّس الخنوع
نكبر، ويزداد القاموس ثقلًا بأمثال تُصاغ كحِكَم وهي في الجوهر أدوات لكسر الإرادة:
المثل الشعبي- –الجوهر المبطن
“امشِ الحيط الحيط”– كأننا فئران في متاهة.
“بوس الكلب من ثمه”– أخلاق مداد حروفها الطاعة العمياء للمذلة.
“اعمل حالك أطرش”– كي لا تسمع ولا ترى الحق.
“حط راسك بين الروس” –كي يضيع الحق وتذوب الشخصية في القطيع.
“ما شفتش… ما سمعتش… ما بعرفش” –الخاتمة الذهبية لثقافة الصمت.
لقد جعلنا للحيطان آذانًا، ثم زدنا للسقف والأرضية أذنانًا وأذنان! وهكذا تحوّل الخوف من تعليمات عابرة إلى سلوك عام وثقافة مجتمعية كاملة:
● لا ترفع صوتك.
● لا تنتقد.
● لا تحتج.
● لا تُظهر موقفك.
● “سكتم بكتم… دير بالك عَ شغلك وتعليمك!”
النتيجة؟
جيل متعلّم، يعي النظرية النسبية والخوارزميات، ويقرأ لسيبويه وابن سينا، ويتغنى ببطولات صلاح الدين، وخالد بن الوليد، وعمر المختار، وجميلة بوحيرد، ونلسون مانديلا، ويحفظ أثر ناجي العلي، وغسان كنفاني، ومحمود درويش، وسميح القاسم… يقرأ القرآن في وِرد يومي، لكنه يظل خائفًا! ومن أي شيء؟ لا يدري!
هذا هو الخوف الموروث؛ يُورّث كما نُورّث الأرض والعادات. جيل يخوّف الجيل الذي يليه، حتى صارت الطاعة أقدس من الحرية، والحيط الحيط أهم من الكرامة، وبوس الكلب بابًا من أبواب الطهارة!
الطبعة الأحدث من الخوف
اليوم… وصلنا إلى النسخة المحدثة من هذا الرعب: جيل شايف وعارف، يدرك تمامًا أين الخلل وأين الفساد، لكن الخوف ما زال يربط لسانه ويكبّل يديه. جيل يكتب منشورات وحكمًا نارية على الفيسبوك، لكن حين يسمع من يناقش الواقع بجرأة، يسكت بفزع ويقول:”اسكت اسكت إسا بيسمعوك!””ولك يا زلمة ما في حدا غيري وإياك!””انت مش فاهم… اسكت إسا بيسمعوك، هيك قالوا لي!”
الخاتمة
ويبقى السؤال معلقًا برسم المستقبل: هل سنكسر دائرة “الواوا” و “امشي الحيط الحيط”، أم سنورّث لأطفالنا نسخة جديدة من الخوف… مطوّرة ومحدّثة، لكنها في النهاية… خوفٌ من بعضنا، لا خوفٌ على بعضنا؟
آهٍ يا أمة الأرانب والتخويف… متى تستأسدين؟!



