فصل الخريف لوحة جميلة
زهير دعيم
تاريخ النشر: 18/09/26 | 20:22
لكلّ فصل لونه ، ولكلّ فصل جماله ، ولكلّ فصل قصيدته التي يتسربل بزيّها الخاص ، ويغنّيها على طريقته.
وها هو الخريف يَقدُم من جديد ، هادئ الخُّطى ، وفي يده فرشاة من ذهب ، يلوّن بها وجه الأرض ، ويكسو الأشجار بألوان لم تعهدها في ربيعها وصيفها .
فتساقط الأوراق قصيدة جميلة ولهى ، تتناثر على الأرض وترقص مع نسمات الريح ، كأنها رسائل صغيرة من الشجر إلى الأرض تقول لها : خذينا… فقد آنَ لنا أن نعود إليك .
وقطف الزيتون في الخريف قصة أخرى ؛ قصة تاريخ معطّر بالقداسة ، ترويها أيدي الأجداد والحفداء ، وتحفظها أشجار ضاربة في عمق الأرض .
هنا سلّة وهنا غصن ، وهنا يد تمتد لتقطف حبّة زيتون ، وهنا حديث وضحكة وذكريات تعود من زمن جميل… وكأنَّ كلّ حبّة تحملُ في داخلها حكايةَ أرض وإنسان.
وفي السماء تهجر الطيور أعشاشها ، وتشق الفضاء في أسراب منظّمة… حلم يحلّق فوق رؤوسنا ، ويتجه نحو أماكن بعيدة ، ونبقى نراقبها حتى تغيب في زرقة الأفق.
وحين تهبّ الريح ، لا نسمع عاصفة ، بل نسمع سيمفونية رائعة ؛ تعزفها الأغصان وترقصها الأوراق ، ويكمل اللحن ذلك الهمسُ الخفيُّ الذي يملأ الفضاء.
وربما كان الخريف أقرب الفصول إلى القلب ، لأنه يشبهنا أكثر مما نظن…
ويعلّمنا أن الأوراقَ حين تسقط لا تموت ، بل تعود إلى الأرض لتصير جزءًا من حياتها ، وأنَّ الرحيلَ ليس دائمًا نهاية، وأن بعض الجمال يأتي في لحظة الوداع .
فشكرًا لك أيها الخريف ، يا من تجيء كل عام بهدوء ، وترسم لنا لوحتك من ذهب وزيتون وريح وطيور مهاجرة…
…تجيء لتقولَ لنا إن الحياة ليست لونًا واحدًا ، وأن لكلّ مرحلة جمالها ، ولكلّ رحيل حكمته ، ولكلّ فصل قصيدة .
وأخيرًا … الخريف قصيدة ولا أجمل ، لا تُقرأ بالعين وحدها ، بل تُقرأ بالقلب والوجدان.



