متنفَّس عبرَ القضبان (205)

حسن عبادي| حيفا

تاريخ النشر: 17/09/26 | 8:48

بدأت مشواري التواصليّ مع أسرانا الأحرار رغم عتمة السجون في شهر حزيران 2019 (مبادرة شخصيّة تطوعيّة، بعيداً عن أيّ أنجزة و/ أو مؤسسّة)؛ ودوّنت على صفحتي انطباعاتي الأوليّة بعد كلّ زيارة؛
أصدرت كتاباً بعنوان “زهرات في قلب الجحيم” (دار الرعاة للدراسات والنشر وجسور ثقافيّة للنشر والتوزيع)، وتناولت تجربتي مع الأسيرات حتى أواخر شهر آذار 2024.
أواكب حرائر الدامون المنسيّات خلف القضبان وأصغي لأحلامهن بالحريّة، وأدوّن بعضاً من آلامهن ومعاناتهن، صمتهن وصراخهن.
أتصل من بوابة الدامون مباشرة بالأهالي محاولاً أن أكون جسراً بينهم وبين بناتهم عبر القضبان؛
حاولت قدر المستطاع إيصال تلك الأوجاع والصرخات لكلّ حدب وصوب عبر “التحالف الأوروبي لمناصرة أسرى فلسطين”، وعبر الإعلام الدولي خارج الوطن؛
وزادت قناعتي أن صمتنا عارُنا.
عقّبت سحر جابر (والدة الأسيرة جولان أبو عواد): “حبيبة قلبي ويا روحي، حريتك حتمية وجد أنا فخورة فيك وبقوتك وثباتك. ما كنت أتخيل آخر العنقود ودلوعتنا تكون بهذا الثبات وهذه القوة، قلبي وربي معك وإن شاء الله الفرج قريب يا روحي لك ولكل الأسيرات والأسرى. والشكر أولا وأخيرا للأستاذ حسن. اللي عن جد صبره وإرادته وعزيمته ما بتقل عن إرادة القابعين في المعتقلات. شكرا لأنك وصلتها صوتنا وأسمعتنا صوتها. شكرا لأنك سلّطت الضوء على معاناة الأسيرات وعرّفت العالم بنفس الوقت أن أسيراتنا مش مجرد أرقام وصور. دمت سنداً لحرائر فلسطين”.
عقّب الصديق وليد الهودلي:
” أَسِيرَاتُنا يَنْزِفْنَ بِصَمْتٍ.. ضَجِيجُ مَعْرَكَةِ التَّطْهِيرِ العِرْقِيِّ وَالإِبَادَةِ الجَمَاعِيَّةِ وَتَجْوِيعِ المَوْتِ البَطِيءِ فِي غَزَّة أَغْلَقَ المَشْهَدَ وَصَبَغَهُ بِالدَّمِ وَالسَّوَادِ الحَالِكِ (وَحَقَّ لَهُ ذَلِكَ) وَغَطَّى عَلَى مَلَفَّاتٍ قَاسِيَةٍ مَرِيرَةٍ، مِنْهَا مَلَفُّ الأَسْرَى وَأَخُصُّ الأَسِيرَاتِ اللَّاتِي يَنْزِفْنَ نَزْفًا أَسْوَدَ لِلْعِرْضِ وَالكَرَامَةِ وَكُلِّ مَا فِينَا مِنْ قِيَمٍ وَمَشَاعِرَ.
لَنَا أَنْ نَتَصَوَّرَ هَذَا “ابْنَ غَفِيرٍ” الَّذِي يَتَوَعَّدُ لَيْلًا وَنَهَارًا وَجَعَلَ مِنْ وَعِيدِهِ تَطْبِيقَاتٍ سَادِيَّةً مُتَوَحِّشَةً وَفِرَقًا لِلْمَوْتِ وَالتَّعْذِيبِ وَمُمَارَسَةَ الانْتِقَامِ، هُوَ ذَاتُهُ الَّذِي جَعَلَ مِنْ جُدْرَانِ السِّجْنِ لَوْحَاتِ الدَّمَارِ فِي غَزَّة لِيَتَشَفَّى وَلِيُظْهِرَ تَجَلِّيَاتِ نَفْسِهِ الشَّاذَّةِ بِكُلِّ الأَشْكَالِ المَقِيتَةِ.
أَسِيرَاتُنَا يُعَذَّبْنَ بِكُلِّ أَشْكَالِ التَّعْذِيبِ الجَسَدِيِّ وَالمَعْنَوِيِّ وَالنَّفْسِيِّ، يَصُبُّ “ابْنُ غَفِيرٍ” جَامَ أَحْقَادِهِ عَلَى نِسَائِنَا: ضَرْبٌ وَامْتِهَانٌ وَتَجْوِيعٌ وَسَحْقٌ لِكُلِّ المَعَانِي وَالقِيَمِ وَالإِنْسَانِيَّةِ، وَيَسْتَخْدِمُ الكِلَابَ فِي هَجَمَاتِهِ اللَّيْلِيَّةِ وَيَتَفَنَّنُ فِي ابْتِكَارِ أَسَالِيبَ قَذِرَةٍ جَدِيدَةٍ.
المُحَامِي حَسَن عَبَّادِي يَفْتَحُ فُسْحَةً مِنْ حَيَاةٍ وَأَمَلٍ بِاسْتِمْرَارِهِ وَمُثَابَرَتِهِ الرَّائِدَةِ فِي زِيَارَةِ الأَسِيرَاتِ وَالكِتَابَةِ عَنْهُنَّ وَتَوْصِيلِ رِسَالَتِهِنَّ، عَسَى أَنْ يُحَرِّكَ هَذَا المَلَفَّ وَيَأْتِيَ اليَوْمُ الَّذِي يَأْخُذُ فِيهِ هَذَا المَلَفُّ السَّاخِنُ حَقَّهُ فِي حَرَكَةِ الشَّارِعِ وَالتَّضَامُنِ الَّذِي يَتَنَاسَبُ مَعَ حَجْمِ الأَلَمِ وَالقَهْرِ وَالعَذَابِ المَغِيبِ خَلْفَ جُدْرَانِ السِّجْنِ وَالغَفْلَةِ وَالنِّسْيَانِ.
حَسَن عَبَّادِي بِمُفْرَدِهِ وَمُتَطَوِّعًا يَقُومُ بِدَوْرِ فَرِيقِ عَمَلٍ كَامِلٍ، كُلَّ يَوْمٍ يُتْحِفُنَا بِجَدِيدِ الأَسِيرَاتِ وَمِنْ خِلَالِ شَوَاهِدَ حَيَّةٍ، بَثٍّ مُبَاشِرٍ.
فَلَا أَقَلَّ مِنْ مُتَابَعَةِ صَفْحَةِ “عَبَّادِي” وَمُشَارَكَةِ مَا تَحْمِلُهُ مِنْ آلاَمٍ وَآمَالٍ.”
“دمعتي ما نِشفت من 3 شهور!”
التقيت صباح الخميس 20.08.2026 في سجن الدامون بأعالي الكرمل السليب بالأسيرة ميرفت وائل حسن حمادنة (مواليد 08.02.1992 من عصيرة الشمالية)، أم لكنان وجواد، دكتوراه في الرياضة العلاجية والإصابات/ جامعة النجاح، لاعبة منتخب فلسطين لكرة الطائرة سابقاً.
بطريقي من القسم حسّيت حالي طالعة ع الأوسكار، ما توقّعت أكون في الكرمل السليب “كنت متابعة كتاباتك”، بحاول السجان يستنزف قوانا، فتنا على سرداب، 37 أمّ، لا تبتئس أيها المنسي من أثر الغياب”، كميّة الوجع والقهر، بدها الوحدة تفكّر بأمها ولا ولادها؟
بدأت بكتابة رواية بعنوان “ذاكرة البنفسج”.
أوصلتها سلامات العائلة وطمأنتها على جواد (قضى العطلة بين الدورة ونادي كرة القدم) وكنان (قضى العطلة كلّها عند خالته آية يسبح ويلعب مع وصوف)، وأخبرتها بنقلها لمدرسة الأدهم.
قبل يومين (18.08) قمعونا قمعة لئيمة، أسوأ من قمعة 13.07، كلبشوا الكل، الكل لورا، والكل بطحونا على وجوهنا، الفجر سحبوا كل شي من الغرف بما فيه المحارم.
مبارح نظّفوا القسم وعلّقوا يافطات جديدة “غزة الجديدة” بالعبري وبالعربي، صور دمار غزة، ع الستة المسا إجى بن غفير مع زوجته وولاد صغار، فاتوا على غرفة 3+8 مع كاميرات واستعراض، الأسيرات مرمى الدعاية الانتخابية، الله يستر من الجايات.
كانوا عاملين حجر لصبايا غرفة 4، كان شك لتفشي السكابيوس، وتبيّن أنه كل القسم حساسية، رطوبة وحرارة، الوضع جحيم، اليوم طلعوا كل البنات ع الساحة. الأدوية والدهون شحيحة، سحبوا كل الأدوية من القسم،
اعتقلت ليلة 19.05.2026، ع الواحدة ونص بالليل، أخذوني لمركز تحقيق حوارة، قلقيلية، 6 أيام في الشارون (صعبين كثير، حسّيتهم 6 شهور)، ووصلت الدامون.
أول مرة ببعد عن ولادي هيك. كنت متحمسة أوصل كنان أول يوم بالمدرسة.
ميرفت بغرفة 9؛ برفقة لمى خاطر، نيفين عبد الله، نائلة سراديح، ربى قمحية، سلام منصور، آمنة سويلم ونجمة الباز.
طلبت إيصال سلامات للجميع، وألف مبارك لناجحين التوجيهي (محمد وسهام وحور).
وإيصال رسائل الصبايا لأهاليهن (إخلاص، دعاء، نسرين، ذكرى، إسراء، شموع، منار، شيماء، علا وندى، سالي وهناء).
الوضع في الدامون صعب جداً، كل يوم أصعب من يلّي قبله، الفورة نصف ساعة فقط، العيادة-العلاج الوحيد: اتحمموا، بدون صابون وشامبو ومنظّفات، الأكل سيئ – لا يُسمن ولا يغني من جوع.
في الدامون 85 أسيرة؛ 24 إداري؛ 37 أم؛ 15 أمهات وأخوات أسرى؛ 8 أخوات وأمهات شهداء.
دمعتي ما نِشفت من 3 شهور!
“غزة الجديدة”

بعد لقائي بالأسيرة ميرفت حمادنة، أطلّت مبتسمة الأسيرة جولان مجدي شبلي أبو عواد (مواليد 29.07.2005 من بير زيت)، طالبة إدارة عامة/ سنة ثالثة/ جامعة بير زيت.
أوصلتها سلامات العائلة وطمأنتها أن جنين (عملتلك بوستر كثير حلو يوم عيد ميلادك وبلشت شغل جديد بشهادتها والباقي وصلولك الهدية على حسابك بالبنك، راح تطلعي غنية)، فضحكت عالياً.
أخبرتها قوانين الدار الجديدة (ممنوع الدوالي والأكلات يلي بتحبيها لرجعتك بالسلامة) فابتسمت وعقّبت: “فترة وبتعدّي. كلوا الأكل اللي بحبّه، عادي، وخاصة الدوالي”.
اعتقلت فجر 02.06.2026، أخذوني للمسكوبية أسبوعين كابوس ورعب، ليلة بالرملة وبعدها للدامون.
جولان بغرفة 2؛ برفقة نتالي، سما صافي، غادة وريدات، هناء بيدق، سماح حجاوي. هناء وسماح بناموا ع الأرض
الوضع كثير سيئ. القمعات مستمرّة، قمعة (18.08) كثير صعبة وموجعة، أخذوا كل شي من الغرف. مبارح علّقوا يافطات جديدة بالقسم –صور دمار غزة وشعارات “غزة الجديدة” بالعبري وبالعربي، وبساعات المسا إجى بن غفير مع زوجته وولاد صغار، مع كاميرات وفاتوا على غرفتين.
الوضع سيئ، النظافة الشخصية معدومة، 3-4 أيام بدون حمّام، صدمة العصافير أصعب من صدمة السجن، بدون قشّاطة، وأخيراً وزّعوا بلوزة صيفية. نقص بالفوط الصحية.
حجروا صبايا غرفة وتبيّن ما في سكابيوس واليوم طلّعوا كل الصبايا فورة.
هناك 4 صبايا بالعزل.
طلبت إيصال سلامات للأهل وللجميع، وصاحباتها (راجعة قريب ونوكل في جويا/ جامعة بير زيت.
وإيصال رسائل الصبايا لأهاليهن (بشرى قواريق، هناء بيدق، أمينة غلبان وشيماء خازم).
سلام كسّاب روحّت اليوم. طلبنا منها تسلّم ع الجامعة. بسبب القمعة وزيارة بن غبير ما احتفلنا معها بالترويحة، بس ودّعناها.
لكن عزيزتيّ ميرفت وجولان أحلى التحيّات، والحريّة لك ولجميع حرائر الدامون على أمل لقاء قريب يجمعنا في رحاب الوطن.
الدامون/ حيفا آب 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة