تكريمُ الإنسانِ في القرآنِ الكريمِ
الباحثُ الدّكتورُ الشّيخُ رافع حلبي – داليةُ الكرمل
تاريخ النشر: 16/09/26 | 20:56
يُعدُّ مبدأُ تكريمِ الإنسانِ من أعظمِ المبادئِ الَّتي قرَّرها القرآنُ الكريمُ، بل إنَّهُ يُشكِّلُ نقطةَ الانطلاقِ في فهمِ فلسفةِ الرِّسالاتِ السَّماويَّةِ كلِّها، لأنَّ اللهَ تعالى لم يجعلِ الإنسانَ مكرَّمًا بما يملكُهُ من قوَّةٍ أو سلطانٍ، ولا بما ينتمي إليهِ من عِرقٍ أو أمَّةٍ، وإنَّما كرَّمَهُ لكونِهِ إنسانًا، يحملُ نفحةً من التَّكريمِ الإلهيِّ، ويملكُ من المؤهِّلاتِ العقليَّةِ والرُّوحيَّةِ ما يجعلهُ أهلًا لتحمُّلِ مسؤوليَّةِ الاستخلافِ وإقامةِ العمرانِ، ولذلكَ جاءَ الخطابُ القرآنيُّ عامًّا شاملًا، فقالَ اللهُ تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراءِ: 70].
تُعدُّ هذهِ الآيةُ من أعظمِ النُّصوصِ القرآنيَّةِ الَّتي أرستِ الأساسَ الفلسفيَّ لحقوقِ الإنسانِ، إذ إنَّها جعلتِ الكرامةَ سابقةً على الانتماءِ، وسابقةً على العملِ، وسابقةً على الاختلافاتِ الدِّينيَّةِ والقوميَّةِ، لأنَّ الخطابَ جاءَ موجَّهًا إلى بني آدمَ جميعًا، لا إلى المؤمنينَ وحدَهم، ومن ثمَّ، فإنَّ الأصلَ في العلاقةِ مع الإنسانِ هو الاحترامُ والتَّكريمُ، لا الإقصاءُ والإهانةُ، وهنا تبرزُ حقيقةٌ فلسفيَّةٌ عميقةٌ، وهي أنَّ الكرامةَ ليستْ عقدًا اجتماعيًّا، ولا حقًّا تمنحُهُ السُّلطاتُ أو تنزعُهُ، وإنَّما هي حقيقةٌ أنطولوجيَّةٌ متجذِّرةٌ في أصلِ الخلقِ، لأنَّ مصدرَها هو اللهُ تعالى، ولذلكَ، فإنَّ الاعتداءَ على كرامةِ الإنسانِ لا يُمثِّلُ مخالفةً قانونيَّةً فحسبُ، بل يُمثِّلُ خروجًا على المقصدِ الإلهيِّ الَّذي قامتْ عليهِ الرِّسالاتُ السَّماويَّةُ، ولم يقتصرِ القرآنُ الكريمُ على إعلانِ تكريمِ الإنسانِ، بل كشفَ عن الأساسِ الوجوديِّ لهذا التَّكريمِ، حينَ أعادَ الإنسانَ إلى لحظةِ خلقِهِ الأولى، ليُبيِّنَ أنَّ قيمتَهُ لا تنبعُ من مادَّةِ تكوينِهِ، وإنَّما من الغايةِ الَّتي خُلِقَ لأجلِها، ومن النِّفحةِ الرُّوحيَّةِ الَّتي أكرمَهُ اللهُ تعالى بها، قالَ سبحانهُ:
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: 71-72].
تُشيرُ هذهِ الآياتُ إلى حقيقةٍ فلسفيَّةٍ دقيقةٍ، وهي أنَّ الإنسانَ يجمعُ بينَ عنصرَيْنِ متكاملَيْنِ: عنصرٍ مادِّيٍّ يُمثِّلُ الطِّينَ الَّذي يربطُهُ بالأرضِ، وعنصرٍ روحيٍّ يُمثِّلُ نفخةَ الحياةِ الَّتي تُؤهِّلُهُ للوعيِ، والإدراكِ، والتَّمييزِ، والتَّكليفِ، وبهذا التَّوازنِ بينَ المادَّةِ والرُّوحِ تتحدَّدُ حقيقةُ الإنسانِ في المنظورِ القرآنيِّ، فلا هو كائنٌ مادِّيٌّ محضٌ كما ذهبتْ بعضُ الفلسفاتِ المادِّيَّةِ، ولا هو روحٌ مجرَّدةٌ من مقتضياتِ الواقعِ، وإنَّما هو وحدةٌ متكاملةٌ، يتحقَّقُ كمالُها بانسجامِ الجسدِ مع الرُّوحِ، والعقلِ مع الإيمانِ، والحُرِّيَّةِ مع المسؤوليَّةِ، ومن هنا، فإنَّ سجودَ الملائكةِ لآدمَ، بأمرِ اللهِ تعالى، لم يكنْ سجودَ عبادةٍ، وإنَّما سجودَ تكريمٍ وتشريفٍ، يُعلنُ المكانةَ الَّتي منحَها اللهُ تعالى للإنسانِ في نظامِ الخلقِ، ويُؤكِّدُ أنَّ العلمَ، والعقلَ، والقدرةَ على المعرفةِ، هي من أبرزِ مقوِّماتِ هذا التَّكريمِ. ولذلكَ جاءَ بعدَها قولُهُ تعالى:
﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ [البقرة: 31-33].
إنَّ أوَّلَ ما امتازَ بهِ الإنسانُ في القرآنِ الكريمِ هو العلمُ، لا القوَّةُ، ولا السُّلطانُ، ولا الثَّروةُ، وهذهِ دلالةٌ بالغةُ العمقِ، لأنَّها تجعلُ المعرفةَ أساسَ الحضارةِ، وتُقيمُ التَّفاضلَ على الإدراكِ والفهمِ، لا على القهرِ والاستعلاءِ، ومن ثمَّ، فإنَّ كلَّ مشروعٍ يُعادي العلمَ، أو يُقصي العقلَ، أو يُعطِّلُ التَّفكيرَ النَّقديَّ، إنَّما يُناقضُ أوَّلَ مبدئٍ أقامَ القرآنُ عليهِ تكريمَ الإنسانِ، ولذلكَ لم يكنْ من قبيلِ المصادفةِ أن تبدأَ الرِّسالةُ الخاتِمةُ بالأمرِ بالقراءةِ، إذ يقولُ اللهُ سُبحانَهُ تعالى:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1-5].
إنَّ اقترانَ الخلقِ بالقراءةِ، والوجودِ بالعلمِ، يُؤسِّسُ لفلسفةٍ قرآنيَّةٍ ترى أنَّ الإنسانَ لا يُحقِّقُ رسالتَهُ في الأرضِ إلَّا بالمعرفةِ، وأنَّ الجهلَ ليسَ مجرَّدَ نقصٍ في المعلوماتِ، بل قد يكونُ مدخلًا إلى الانحرافِ الفكريِّ، والتَّعصُّبِ، والتَّطرُّفِ، ولهذا، فإنَّ الأممَ الَّتي تُكرِّمُ العلمَ تُكرِّمُ الإنسانَ، والأممُ الَّتي تُصادرُ العقلَ تُمهِّدُ، من حيثُ تشعرُ أو لا تشعرُ، لانتشارِ الغلوِّ والعنفِ والفَسادِ.
من أسمى صورِ تكريمِ الإنسانِ في القرآنِ الكريمِ أنَّهُ جعلَ حمايةَ حياتِهِ من أعظمِ المقاصدِ، فقالَ تعالى:
﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ۖ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32].
وهذهِ الآيةُ لا تُقرِّرُ حكمًا تشريعيًّا فحسبُ، بل تُرسِّخُ مبدأً إنسانيًّا عالميًّا، وهو أنَّ الحياةَ الإنسانيَّةَ قيمةٌ مطلقةٌ لا يجوزُ العبثُ بها، وأنَّ الاعتداءَ على إنسانٍ واحدٍ هو اعتداءٌ على فكرةِ الإنسانيَّةِ نفسِها، ومن هنا، فإنَّ الجماعاتِ الَّتي تستبيحُ الدِّماءَ باسمِ الدِّينِ لا تُخالفُ نصوصًا جزئيَّةً فحسبُ، وإنَّما تُصادمُ أحدَ أعظمِ المقاصدِ الَّتي قامتْ عليها الرِّسالاتُ السَّماويَّةُ، ويؤكِّدُ القرآنُ الكريمُ هذهِ الحقيقةَ حينَ يجعلُ معيارَ التَّفاضلِ بينَ النَّاسِ معيارًا أخلاقيًّا، لا عُنصريًّا ولا قوميًّا، فيقولُ سبحانهُ تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].
إنَّ هذهِ الآيةَ تُبطِلُ جميعَ صورِ التَّعصُّبِ، وتُسقطُ كلَّ دعاوى الاستعلاءِ العِرقيِّ أو الدِّينيِّ أو المذهبيِّ، لأنَّها تُقرِّرُ أنَّ الاختلافَ سنَّةٌ إلهيَّةٌ للتَّعارفِ والتَّكاملِ، لا للتَّنازعِ والتَّقاتلِ، وبهذا المعنى، فإنَّ احترامَ التَّعدُّديَّةِ لا يُمثِّلُ تنازلًا عن الدِّينِ، بل يُعبِّرُ عن فهمٍ صحيحٍ لمقاصدِهِ الكُلِّيَّةِ.
خلاصةٌ تحليليَّةٌ.
يتبيَّنُ من خلالِ النُّصوصِ القرآنيَّةِ أنَّ تكريمَ الإنسانِ يُمثِّلُ الأصلَ الَّذي تنطلقُ منهُ الرِّسالاتُ السَّماويَّةُ كلُّها، فهو تكريمٌ يستندُ إلى الخلقِ، والعلمِ، والعقلِ، والرُّوحِ، والحياةِ، ولا يرتبطُ بانتماءٍ أو لونٍ أو قوَّةٍ، ومن ثمَّ، فإنَّ كلَّ قراءةٍ دينيَّةٍ تُهدرُ كرامةَ الإنسانِ، أو تُقصيهِ، أو تُجرِّدُهُ من حقِّهِ في الحياةِ، أو تُسوِّغُ الاعتداءَ عليهِ، لا تُعبِّرُ عن حقيقةِ الوحيِ، وإنَّما عن تأويلٍ بشريٍّ انحرفَ عن مقاصدِهِ، وهنا تتجلَّى الصِّلةُ الوثيقةُ بينَ هذا المطلبِ وموضوعِ الأطروحةِ، إذ إنَّ اختطافَ النَّصِّ يبدأُ حينَ تُختطفُ قيمةُ الإنسانِ، وحينَ تتحوَّلُ الكرامةُ الَّتي جعلها اللهُ أصلًا إلى استثناءٍ، وتُستبدلُ الرَّحمةُ بالإقصاءِ، والعدلُ بالعنفِ، والهدايةُ بالصِّراعِ، ومن هذهِ النُّقطةِ تحديدًا يبدأُ الانتقالُ من الدِّينِ بوصفِهِ رسالةَ حياةٍ إلى التَّطرُّفِ بوصفِهِ مشروعَ إلغاءٍ واغتيالٍ للقِيَمِ الإنسانيَّةِ.
إنَّ تكريمَ الإنسانِ في القرآنِ الكريمِ لا يقفُ عندَ حدودِ الاعترافِ بقيمتِهِ الوجوديَّةِ، وإنَّما يتجاوزُ ذلكَ إلى تأسيسِ منظومةٍ متكاملةٍ من الحقوقِ والواجباتِ الَّتي تجعلُ الإنسانَ محورَ العمرانِ وغايةَ التَّشريعِ، فالرِّسالاتُ السَّماويَّةُ لم تُرسَلْ من أجلِ بناءِ المؤسَّساتِ قبلَ بناءِ الإنسانِ، ولم تُنزَّلِ الأحكامُ لتقييدِ حُرِّيَّتِهِ، وإنَّما لتوجيهِها نحوَ الخيرِ، وحمايتِها من الانحرافِ، وصيانةِ كرامتِها من العبثِ والاستغلالِ، ومن هنا، فإنَّ الكرامةَ الإنسانيَّةَ ليستْ أثرًا جانبيًّا في الخطابِ القرآنيِّ، بل هي الأصلُ الَّذي تتفرَّعُ عنهُ بقيَّةُ المقاصدِ الشَّرعيَّةِ، ولذلكَ، لم يربطِ القرآنُ الكريمُ بينَ قيمةِ الإنسانِ وما يملكُهُ من مالٍ أو جاهٍ أو سُلطانٍ، بل ربطَها بحقيقةِ خلقِهِ، فقالَ سبحانهُ وتعالى:
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4].
تُشيرُ هذهِ الآيةُ إلى أنَّ الإحسانَ في خلقِ الإنسانِ لا يقتصرُ على البنيةِ الجسديَّةِ، وإنَّما يشملُ البناءَ العقليَّ، والرُّوحيَّ، والأخلاقيَّ، فالإنسانُ خُلِقَ مهيَّأً لمعرفةِ الحقِّ، وقادرًا على التَّمييزِ بينَ الخيرِ والشَّرِّ، ومؤهَّلًا لحملِ مسؤوليَّةِ التَّكليفِ، وهذهِ القابليَّةُ هي الَّتي جعلتْ منهُ الكائنَ الوحيدَ القادرَ على صناعةِ الحضارةِ، وعلى الانحرافِ عنها في الوقتِ نفسِهِ، ولذلكَ كانَ الوحيُ هدايةً للعقلِ، لا بديلًا عنهُ، وتصحيحًا لمسارِ الإرادةِ، لا إلغاءً لها، ومن هنا، تتجلَّى العلاقةُ الوثيقةُ بينَ الكرامةِ والحرِّيَّةِ، إذ لا معنى لكرامةٍ تُسلبُ معها إرادةُ الإنسانِ، ولا قيمةَ لحُرِّيَّةٍ تُجرَّدُ من مسؤوليَّتِها الأخلاقيَّةِ، ولهذا أكَّدَ القرآنُ الكريمُ أنَّ الإيمانَ لا يقومُ على الإكراهِ، فقالَ سُبحانهُ تعالى:
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 256].
هذهِ الآيةُ تُعدُّ من أعظمِ النُّصوصِ المؤسِّسةِ للحُرِّيَّةِ الإنسانيَّةِ، لأنَّها تجعلُ الاختيارَ شرطًا لصحَّةِ الإيمانِ، وتُسقطُ كلَّ محاولةٍ لفرضِ العقيدةِ بالقوَّةِ أو بالإرهابِ أو بالإكراهِ، فالإيمانُ الَّذي يُنتزعُ بالسَّيفِ لا يُمثِّلُ إيمانًا حقيقيًّا، وإنَّما استسلامًا ظاهريًّا، بينما أرادَ اللهُ تعالى للإنسانِ أن يؤمنَ عن وعيٍ وبصيرةٍ، وعن قناعةٍ نابعةٍ من العقلِ والقلبِ معًا، ومن هنا، فإنَّ الجماعاتِ الَّتي تُمارسُ العنفَ باسمِ الدِّينِ، وتفرضُ أفكارَها بالإرهابِ، لا تُخالفُ المبادئَ الإنسانيَّةَ فحسبُ، بل تُخالفُ كذلكَ أحدَ الأصولِ الكبرى الَّتي قرَّرها القرآنُ الكريمُ، لأنَّها تُصادرُ إرادةَ الإنسانِ الَّتي جعلَها اللهُ مناطَ التَّكليفِ، وتُحوِّلُ الدِّينَ من دعوةٍ إلى الهدايةِ إلى وسيلةٍ للهيمنةِ والإخضاعِ.
يُعزِّزُ القرآنُ الكريمُ هذا المعنى حينَ يُقرِّرُ أنَّ الاختلافَ بينَ البشرِ ليسَ خللًا في نظامِ الخلقِ، وإنَّما هو جزءٌ من الحكمةِ الإلهيَّةِ، حَيثُ يقولُ سبحانهُ تعالى:
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118-119].
الاختلافُ، في الرُّؤيةِ القرآنيَّةِ، ليسَ مبرِّرًا للصِّراعِ، وإنَّما هو ميدانٌ للتَّعارفِ، والحوارِ، والتَّكاملِ، والتَّنافسِ في الخيرِ، أمَّا حينَ يتحوَّلُ الاختلافُ إلى تكفيرٍ، أو إقصاءٍ، أو استباحةٍ للدِّماءِ، فإنَّهُ يكونُ قد خرجَ من دائرةِ الوحيِ إلى دائرةِ الأيديولوجيا، ومن منطقِ الرِّسالةِ إلى منطقِ العصبيَّةِ، وهذا ما يُفسِّرُ أنَّ القرآنَ الكريمَ ربطَ بينَ تكريمِ الإنسانِ وبينَ العدلِ، لأنَّ العدالةَ ليستْ قيمةً سياسيَّةً فحسبُ، وإنَّما هي واجبٌ دينيٌّ وأخلاقيٌّ، حيث قالَ سٌبحانهُ وتعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: 90].
فالعدلُ في القرآنِ ليسَ مجرَّدَ نظامٍ قانونيٍّ، وإنَّما هو روحُ المجتمعِ، وأساسُ العمرانِ، والضَّمانةُ الحقيقيَّةُ لصيانةِ الكرامةِ الإنسانيَّةِ، وكلَّما غابَ العدلُ، ضعفتِ الثِّقةُ، وتفكَّكتِ المجتمعاتُ، وتهيَّأتِ البيئةُ الَّتي ينمو فيها الغلوُّ والتَّطرُّفُ، لأنَّ الظُّلمَ يُنتجُ الاحتقانَ، والاحتقانُ يُنتجُ العنفَ، والعنفُ يُولِّدُ مزيدًا من العنفِ في دائرةٍ لا تنتهي إلَّا بعودةِ المجتمعِ إلى قيمِ العدلِ والرَّحمةِ الَّتي جاءَ بها الوحيُ.
من هنا، فإنَّ تكريمَ الإنسانِ في القرآنِ الكريمِ ليسَ مبدأً نظريًّا مجرَّدًا، وإنَّما هو مشروعٌ حضاريٌّ متكاملٌ، يبدأُ ببناءِ الإنسانِ، ويمرُّ ببناءِ المجتمعِ، وينتهي ببناءِ الحضارةِ، وكلُّ قراءةٍ تُجرِّدُ الإنسانَ من هذهِ الكرامةِ، أو تُحوِّلُهُ إلى مجرَّدِ أداةٍ لخدمةِ مشروعٍ سياسيٍّ أو مذهبيٍّ، إنَّما تُعيدُ إنتاجَ الاستبدادِ باسمِ الدِّينِ، وتُفرغُ النَّصَّ الإلهيَّ من مقاصدِهِ الكبرى، فيتحوَّلُ الوحيُ من رسالةِ رحمةٍ إلى وسيلةِ صراعٍ، ويبدأُ بذلكَ اختطافُ النَّصِّ، واغتيالُ القِيَمِ الإنسانيَّةِ الَّتي جاءتِ الرِّسالاتُ السَّماويَّةُ لترسيخِها، في عُقولِ ومَفاهيمِ البَشَرِ ومِنْ ثُمَّ في تَصرُّفاتِهِم مَع بَعضِهِمْ البَعْضِ.
(والبقية تأتي).

