وصايا امي الحنين الى قرانا المهجّرة ..

يوسف جمّال - عرعرة

تاريخ النشر: 14/09/26 | 13:08

هكذا قالت أمّي : قبل يأخذها الرحيل الى الرحيل :

هكذا قالت أمي .. قبل أن يختطفها
الرحيل من الرحيل .
أكتب .! أكتب ! – يا ولدي ..
عن الشتات ..
عن ذكريات مغمورة بسراب حلمنا المنتوف
عن آلام محفورة في شغاف قلبنا الملهوف
عن جروح مجمورة في شرياننا المخطوف
عن أوجاع محفورة في تاريخنا المقطوف
——————
وكانت تحدثنا عن عين البلد :
يا ولدي ..
كان في عين في قريتنا
وكنّا ملايات نملّي منها جرّتنا ..
تلتقي فيها مع بنات بلدتنا
بجنبها شجرة نقعد في فيِّتها
ونغني غنوتنا و نحكي حكايتنا
وتسبح فيها مع القمر صورتنا
ويحوم حولنا شباب حارتنا
ونكتب العشق على صفحات ميِّتها

***********************
وأسأل أمي مشدّوهاً :
بالليل – ياما – بتملّين جراركن !؟ ما خفتن من ظلماته !؟
فتردُّ أمي واللوم الجميل يزيّن صوتها الحنون :
البلد كانت – يمّا – أمان .. كان في نجمات فوقنا منثورة .
وكانت مواويل الفلاحين , سهرنين في بيادرهم المعموره
**************
وسلامي أبويّ يمّا !؟ .
أسألها عن قصتها معه
منتظراً “البهدلة ” منها ..
المغمَّسة بحناناتها الرضية ! .
سلامي !؟ .. آه على طلعة أبوك سلامي البهية
وتكمل ..
ووجهِها الأسمر تزيِّنه نقوش حمره مضويه :
كنت في طريقي أملّي من العين عشيّه ..
و طلَّ عليَّ أبوك من زاوية مخفيّة
فرقصت شغاف قلبي بالحب مروية
وسقطت الجرة وعملت دوِّية ..
وميّاتها اسقيّن الدرب مّيه
وفي الليل طرت أحلم على بساط
كلّه موجات سحرية
وفي الصباح كان سيرتنا على كل لسان
في البلد محكيّة
ولما “دري” جدَّك , حلف بالطلاق
ما بتكون بنته
لابن أخيه سلامي العيسى زوجة هنيّه
——–
فوقفتْ الدموع على أبواب عينيها
وغاصت في حنين وذكريات شجيّة
تحنّ الى بلد من ذاكرتها غير منسيّة
********************
وتنهدت أمي وأكملت :
الحنين – يا ولدي – خوابي مؤونه
حباته في حضن سنابل حنونة
الحنين – يا ولدي – سراج , زيتاته
في أعماقنا مسجونه
الحنين – يا ولدي- غيّمات ميّاتها
في أحلامنا مكنونة
————–
يا ولدي ..
وغنّت لي بنات البلد في يوم زفافي :
عروس عنّا واسمها حلوة
جمالها كالشمس لنا منوة
في زفِّتها طلعت لها جلوّة
وبتستاهل منّا أحلا غنوة
———————–
وانطلق صوت أبيك سلامي ,
يغنّي في فضاءات الروحة
لحلوة ابنة عمّي بغنّي وبقول :
خفقات قلبي في عذاب حبِّها رموني
وإن غنيت لها عتابا وميجنا لا تلموني
إتركوني غارق في عمق بحر جنوني
وإن طار عقلي وصوابي لا تآخذوني
وغنّالها :
وانا يا ابنة العم :
على باب الدار لزرعلك لمونة
منها توكلي ومنها لمونه
وانت يلّي في حبّك لموني
ما بدشرِّك لو في البير رموني
****************
وتكمل أمي نشيد أشجانها :
ياما .. – يا ولدي –
الحنين للبلد المهجور نار :
آهات خضرا مزروعة بالدّار.
جمرات حمرا بتكوّي جمار
دقات قلب معذّب ليل نهار
خابية كبيره ملانه بذار.
**************
وغاب سلامي .. غاب وغاب .. قالوا البلد في خطر ..
واليهود وأعوانهم الإنجليز على الأبواب ,
وأخبار بطولاته طافت, ووصلت لكلِّ أذن في البلد .
وبعد ان ردّوا المعتدي , عاد سلامي والذين كانوا له سند
.. فوقف جدّك في ساحة المسجد وصاح :
عما تشهدوا يا حاضرين .. والكبير منكم يعلم الولد ..
إني معطي بنتي لابن أخويّ البطل سلامي ..
والله ما برجع في كلامّي
فوقفت عبله جدّتك ام سلامي بباب الدار تقول وتزغرد :
جيت أغنّي وقبلي ما حدا غنّى
بساح المعركة البطل بستنّى
وريتك يا سلامي بهالعروس تتهنّى
واجيب الولد ويظلُّ الفرح عنّا
وارتفعت أصوات نساء البلد بالمهاهاه .
***********************
في الصمدّة ياما .. طلعتلك جلوة !؟
أسألها خجلاً وجلاَ ..
ولك يا ولد ! يا إبليس ! تلومَني بحياء مسحور :
وغنّين لي الصبايا :
عروستنا :
ذهبها من حيفا , وبدلتها من عكا
والمناديل من بيسان , والحنّا من يركا
عمّها جاب البدلة , وعريسها جاب الشبكة
إنشا الله تبكرّي بالصبي , وتزوري مكة
*************
وفجأة قبض الصمت على خناق الصبايا
وتوقفت البنات عن ” القول” ..
الكل كان يعرف السبب ما عدايّ أنا – العروس .
فانقذتني من الأنهيار صديقتي فانوس ..
لترميني في انهيار مضروس
سلامي مفقود ..
لا تخافي فهو من ربِّنا محروس
وانتشر الخبر في البلد .. وصار القلق محسوس
العريس مفقود ..العريس مفقود .. فغامت النفوس

وطبيخ العرس ظل على حاله مركوم ..
ولا واحد قرّب عليه كأنه مسموم
وساد البلد جوُّ كئيب ملغوم ..
وقبض عليها سكوت مكتوم
وتنادوا للبحث عنه في البراري
والكروم .
لأول مرَّة يختفي العريس , والعروس مصمودة !
ومائدة وليمة طعام العرس ممدودة
وعند المساء ظهر العريس سلامي , ومعه الشباب
رافعين زنوده .
وكان معه عبدالله راعي البلد محمود .. كان هو والمواشي في الأسر
في كوبنية اليهود ,
الذين يحاولون منذ سنوات أن يقطعوا الحدود
والإستيلاء على مراعي البلد والجدود ..
فطار سلامي وحاربهم بالبارود
فعادت الأفراح الى الخدود .
*****************************
يما – يا ولدي – بلدنا المهجّره حنين ,
في شغاف القلب جمرة .
يما – يا ولدي – بلدنا المهجَّرة قلادة , حباتها
تطوِّق الروح حسرة .
يما – يا ولدي – بلدنا الهجَّرة دمعات في العين
ما جفت ولا مرة .
يما – يا ولدي – بلدنا المهجَّرة عذَّبتها أيام
الشتات و الهجرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة