من سلطة التراث إلى سلطة الحداثة: هل ينتهي الإنسان إلى أن يصبح مجرد مورد داخل منظومة تقنية كبرى؟

سعيد العفاسي: صحافي، ناقد فني

تاريخ النشر: 12/09/26 | 15:40

يبدو سؤال العلاقة بين الحداثة والتراث من أكثر الأسئلة التباسًا في الفكر العربي المعاصر، لأنهما حمّلا، في سياقاتنا الثقافية، بدلالات أيديولوجية جعلت الحداثة مرادفًا للتقدم، والتراث مرادفًا للتأخر، حتى غدت العلاقة بينهما أشبه بمواجهة بين زمنين، زمنٍ ماضوي ينبغي تجاوزه، وزمنٍ حداثي يُفترض أنه يحمل خلاص الإنسان. غير أن هذا التصور التبسيطي يغفل حقيقة جوهرية، الحداثة ليست مجرد قطيعة مع الماضي، كما أن التراث ليس مجرد بقايا زمن منصرم؛ كلاهما بناءان تاريخيان يتداخلان في تشكيل وعي الإنسان بذاته وبالعالم. بيدأ أن السؤال الأعمق ليس، هل تلغي الحداثة التراث؟، وإنما، متى تتحول الحداثة من مشروع لتحرير الإنسان إلى سلطة جديدة لإقصائه؟، ومتى يتحول التراث من ذاكرة حية إلى عائق يحول دون إمكان المستقبل؟. لقد قامت الحداثة الغربية، في أحد وجوهها الأساسية، على نقد الموروثات التي عطلت العقل، وعلى تحرير الإنسان من الوصاية الدينية والسياسية والمعرفية، وإحلال العقل والنقد محل التقليد والتسليم. غير أن الحداثة التي بدأت باعتبار الإنسان مركزًا للمعرفة والفعل سرعان ما كشفت عن وجه آخر، خصوصًا مع صعود العقل الأداتي والتقني. فقد تحولت المعرفة تدريجيًا من وسيلة لفهم العالم إلى أداة للسيطرة عليه، ومن هنا تتضح أهمية أطروحات مدرسة فرانكفورت، ولا سيما ثيودور أدورنو وماكس هوركهايمر، في نقدهما للعقل الأداتي الذي قد ينقلب، حين ينفصل عن البعد الأخلاقي والإنساني، إلى وسيلة للهيمنة بدل التحرر.
هذا التحول يبلغ اليوم ذروته مع الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي. فالآلة لم تعد مجرد أداة خارجية في يد الإنسان؛ إنها بدأت تتدخل في إنتاج المعرفة والصورة والنص والموسيقى، وفي صناعة القرار نفسه. لقد انتقلنا من مرحلة كانت فيها التقنية تساعد الإنسان على إنجاز عمله إلى مرحلة أخذت فيها التقنية تنافس الإنسان في بعض أكثر المجالات التصاقًا بخصوصيته، الكتابة، والرسم، والتأليف، والتحليل، والترجمة، وإنتاج الأفكار. وهنا يظهر السؤال الثقافي الحاسم، إذا كانت الحداثة قد وعدت بتحرير الإنسان بواسطة العقل، فهل يمكن أن تنتهي، في صورتها التقنية الراهنة، إلى تحرير الآلة من الإنسان؟. إن الخلط بين الحداثة الفكرية والحداثة التقنية هو أحد أسباب هذا الالتباس. فالحداثة الفكرية مشروع نقدي يقوم على مساءلة المسلمات، وإعادة بناء المفاهيم، وإنتاج معرفة جديدة. أما التقنية فهي منظومة من الوسائل والإجراءات التي توسع قدرة الإنسان على الفعل. ولذلك فليس كل تقدم تقني تقدمًا إنسانيًا بالضرورة؛ فقد تتضاعف قدرة الإنسان على السيطرة على الطبيعة بينما تتراجع قدرته على السيطرة على نزعات الهيمنة والتدمير التي تسكنه.
في الفكر العربي المعاصر، يمثل مشروع محمد عابد الجابري نموذجًا بالغ الدلالة في معالجة هذه الإشكالية. فالجابري لم يتعامل مع التراث باعتباره كتلة مغلقة ينبغي تقديسها، ولا باعتباره عبئًا تاريخيًا ينبغي التخلص منه، سعى إلى إخضاعه للتحليل والنقد وإعادة بناء العقل العربي من داخله. وفي مشروعه حول نقد العقل العربي، ميّز بين أنظمة معرفية كبرى تشكلت في الثقافة العربية الإسلامية، أبرزها البيان والعرفان والبرهان، محاولًا الكشف عن آليات اشتغالها وعن أثرها في تشكيل العقل العربي. تكمن أهمية الجابري في أنه لم يطرح الحداثة باعتبارها استيرادًا لنموذج جاهز من الغرب، وإنما جعلها فعلًا نقديًا يبدأ من تفكيك البنية التراثية نفسها. فالحداثة، في هذا المنظور، لا تعني أن ندير ظهورنا للتراث، وإنما أن نعيد قراءته قراءة تاريخية نقدية، نميز فيها بين ما هو تاريخي وما هو صالح للاستثمار في الحاضر. ولذلك يصبح التراث موضوعًا للمعرفة، لا سلطة فوق المعرفة. وهذا الموقف يختلف جذريًا عن موقف القطيعة المطلقة. فالقطيعة، إذا تحولت إلى مبدأ أيديولوجي، قد تنتج نوعًا آخر من التقليد؛ إذ يصبح الإنسان مقلدًا للحداثة كما كان مقلدًا للتراث. وفي الحالتين يغيب العقل النقدي. ومن هنا يمكن فهم شعار الجابري في مشروعه بوصفه بحثًا عن حداثة من داخل الثقافة العربية، لا حداثة مفروضة عليها من خارجها. غير أن مشروع الجابري يفتح سؤالًا آخر لا يقل أهمية، ماذا يحدث للتراث عندما تتغير بنية المعرفة نفسها؟، فنحن لم نعد نعيش فقط زمن الكتاب والمكتبة والمدرسة والجامعة، دخلنا زمن الخوارزمية والمنصة الرقمية والشبكة والذكاء الاصطناعي. لقد تغيرت شروط إنتاج المعرفة وتداولها، وأصبح الإنسان محاصرًا بفيض معلوماتي غير مسبوق. والمفارقة أن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة وفرة المعرفة؛ فقد يكون الإنسان المعاصر أكثر اطلاعًا وأقل فهمًا، وأكثر اتصالًا وأشد عزلة، وأكثر قدرة على التعبير وأقل قدرة على إنتاج معنى.
تبرز أهمية يورغن هابرماس في الدفاع عن العقل التواصلي في مواجهة هيمنة العقل الأداتي. فالمشكلة ليست في التقنية ذاتها، وإنما في تحولها إلى منطق شامل يفرض معاييره على مجالات الحياة الإنسانية كلها. فإذا أصبح معيار النجاح هو السرعة والكفاءة والإنتاجية، فإن الفن والفكر والأدب، وهي مجالات تقوم على التأمل والبطء والاختلاف، تصبح مهددة بالاختزال إلى منتجات قابلة للقياس والاستهلاك. ومن هذه الزاوية يمكن فهم أزمة الكاتب والفنان في العصر الرقمي. فالذكاء الاصطناعي يستطيع إنتاج نص محكم أو صورة مدهشة خلال ثوانٍ، لكنه لا يملك، بالمعنى الإنساني، سيرة ذاتية يعيشها، ولا ذاكرة جسدية، ولا تجربة وجودية، ولا خوفًا من الموت، ولا إحساسًا بالفقد. إنه يعالج أنماطًا لغوية وبصرية ويعيد تركيبها، بينما ينبع الإبداع الإنساني من علاقة معقدة بين التجربة والذاكرة والخيال والوعي واللغة. وهنا يمكن استعادة سؤال مارتن هايدغر حول التقنية، هل التقنية مجرد وسيلة في يد الإنسان، أم أنها طريقة في رؤية العالم وإعادة تشكيله؟ أهمية السؤال اليوم أن التقنية لم تعد خارجية عن وجودنا؛ إنها تدخل في تشكيل وعينا وإيقاع حياتنا وذائقتنا وحتى علاقتنا باللغة. ومن ثم فإن الخطر الحقيقي لا يكمن في أن تكتب الآلة نصوصًا بدل الكاتب، ولكن في أن يصبح الكاتب نفسه أسيرًا للمنطق الذي تفرضه الآلة، السرعة، والتكرار، وقابلية القياس، والاستجابة الفورية.
ينبغي إعادة تعريف الحداثة، هي مفهوم تاريخي وفكري يدل على انتقال الإنسان من هيمنة التقليد والموروثات الجامدة إلى إعمال العقل والنقد، وإعادة بناء المعرفة والقيم والمؤسسات على أساس الحرية والاختيار والوعي بالتغير. وهي مشروع لتحرير الإنسان من الوصاية، وتمكينه من صناعة مستقبله، وليست مجرد تقدّم تقني أو احتفاء بالجديد. في الفكر المعاصر، ارتبطت الحداثة بالعقلانية، والعلم، والفردانية، والديمقراطية، ونقد المسلّمات. غير أن الحداثة ليست نموذجًا مكتملًا أو نهائيًا؛ فهي قابلة للنقد والمراجعة، خصوصًا حين يتحول العقل إلى عقل أداتي، والتقنية إلى سلطة، والتقدم إلى غاية في ذاته. لذلك تظل الحداثة سؤالًا مفتوحًا عن الإنسان والعالم والمستقبل. الحداثة ليست أن نملك أحدث جهاز، ولا أن ننتج أكبر قدر من المعلومات، ولا أن نستبدل الإنسان بالآلة؛ إنها قدرة العقل على نقد ذاته، ومراجعة مسلماته، وإنتاج المعنى في عالم متغير. وإذا كانت الحداثة قد نشأت تاريخيًا بوصفها مشروعًا لتحرير الإنسان، فإن عليها اليوم أن تخوض معركة جديدة: حماية الإنسان من أن يتحول إلى تابع لمنظوماته التقنية. وفي هذا السياق يصبح التراث ضرورة معرفية لا نقيضًا للحداثة. فالإنسان الذي يفقد ذاكرته يفقد قدرته على فهم تحوله. والتراث ليس بالضرورة ما ينبغي استعادته كما كان، وإنما ما ينبغي مساءلته كي نعرف كيف أصبحنا ما نحن عليه. إنه أشبه بطبقات جيولوجية للوعي؛ كل طبقة تخفي تحتها طبقة أخرى، وكل محاولة لفهم الحاضر تستدعي الحفر في تلك الطبقات.
إن المطلوب إذن ليس المصالحة السطحية بين التراث والحداثة، وإنما إعادة بناء العلاقة بينهما على أساس نقدي. فالتراث يحتاج إلى الحداثة كي يتحرر من الجمود، والحداثة تحتاج إلى التراث كي تتحرر من وهم البداية المطلقة. الحداثة التي تنكر الذاكرة تتحول إلى فراغ، والتراث الذي يرفض النقد يتحول إلى وثن. ولعل هذا هو المأزق الحقيقي الذي نعيشه اليوم، لسنا أمام صراع بين الماضي والمستقبل فحسب، إننا أمام صراع داخل مفهوم الحداثة ذاته. هناك حداثة تجعل الإنسان أكثر حرية، وأخرى تجعله أكثر تبعية؛ حداثة توسع أفق العقل، وأخرى تستبدل العقل بالخوارزمية؛ حداثة تنتج سؤالًا، وأخرى تنتج سلعة. لذلك فإن السؤال عن مستقبل الأدب والفن والفكر لا ينبغي أن يكون، هل ستتغلب الآلة على الإنسان؟ ولكن، هل سيظل الإنسان قادرًا على إنتاج ما يتجاوز قدرة الآلة على المحاكاة؟ ، ذلك أن قيمة الأدب ليست في الكلمات وحدها، وقيمة الفن ليست في الصورة وحدها، وقيمة الفكر ليست في تراكم المعلومات. قيمتها في التجربة الإنسانية التي تمنحها معنى. فالآلة قد تقلد الأسلوب، لكنها لا تحمل جرحه؛ وقد تحاكي اللسان، لكنها لا تعيش مصيرها؛ وقد تنتج صورة عن الموت، لكنها لا تعرف معنى الفناء.
إننا، في نهاية المطاف، لا نحتاج إلى حداثة تبتلع التراث، ولا إلى تراث يبتلع الحداثة، بحاجة إلى حداثة نقدية إنسانية تجعل من التراث مادة للفهم، ومن التقنية أداة لا سيدًا، ومن العقل سلطة نقدية على ذاته قبل أن يكون سلطة على العالم. فالمستقبل لا يُبنى بإعدام الماضي، كما لا يُبنى باستنساخه. إنه يُبنى حين يستطيع الإنسان أن يحمل ذاكرته إلى المستقبل دون أن يصبح أسيرًا لها، وأن يستخدم التقنية دون أن يصبح عبدًا لها. وفي هذه المسافة بالذات، بين الذاكرة والابتكار، بين التراث والحداثة، بين الإنسان والآلة، يمكن أن يولد سؤال جديد، كيف نصنع حداثة لا يكون ثمنها فقدان الإنسان؟. إن السؤال عن الحداثة اليوم لم يعد سؤالًا عن قدرتنا على اللحاق بركب التقنية، ولا عن مقدار ما نمتلكه من وسائل وأدوات، وإنما أصبح سؤالًا أكثر جذرية، كيف نصنع حداثة لا يكون ثمنها فقدان الإنسان؟، ذلك أن الحداثة، في أصل مشروعها الفكري، جاءت لتحرير الإنسان من الوصاية، وإعلاء شأن العقل، وفتح أفق الحرية والنقد والاختيار. غير أن الحداثة التقنية المعاصرة تنذر، في بعض تجلياتها، بانقلاب هذه المعادلة؛ إذ قد تتحول الأدوات التي ابتكرها الإنسان لتحريره إلى منظومات تستلب قراره، وتعيد تشكيل وعيه، وتختزل وجوده في أرقام ومعطيات وخوارزميات. ومن هنا تبدأ الحاجة إلى حداثة نقدية وإنسانية، لا تجعل التقنية غاية في ذاتها، ولا تقيس التقدم بسرعة الآلة وحدها. فالآلة ينبغي أن تظل وسيلة، والإنسان هو الغاية. وكل تقدم تقني لا يزيد الإنسان حرية وكرامة وقدرة على التفكير، يظل تقدمًا منقوصًا، مهما بلغ من البهرجة والاقتدار.
ويكتسب هذا التصور مشروعيته من مشاريع فكرية عديدة. فمحمد عابد الجابري، حين اشتغل على نقد العقل العربي، لم يدعُ إلى هدم التراث، وإنما إلى تفكيك بنياته المعرفية وإعادة قراءته قراءة تاريخية نقدية. فالحداثة عند هذا المنظور لا تبدأ من محو الذاكرة، وإنما من تحريرها من الجمود، وتحويل التراث من سلطة مهيمنة إلى موضوع للفهم والنقد. وهذا درس بالغ الأهمية، لا حداثة حقيقية بلا عقل نقدي قادر على مساءلة الماضي والحاضر معًا. أما هابرماس فقد أعاد الاعتبار إلى العقل التواصلي في مواجهة تمدد العقل الأداتي؛ أي إلى عقل لا يختزل الإنسان في الكفاءة والمنفعة والإنتاج. وهذا المعنى يصبح أكثر إلحاحًا في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث يهدد منطق السرعة والإنتاجية بأن يزحف إلى الأدب والفن والتعليم والثقافة، فيحوّلها من فضاءات للخلق والتأمل إلى منتجات قابلة للاستهلاك والقياس. أما هايدغر، فقد نبّه إلى أن خطر التقنية لا يكمن في الآلة ذاتها، وإنما في تحول التقنية إلى طريقة شاملة في النظر إلى العالم. فإذا صار كل شيء مادة قابلة للحساب والاستثمار، فإن الإنسان نفسه قد ينتهي إلى أن يصبح مجرد مورد داخل منظومة تقنية كبرى. لذلك فإن الحداثة التي نحتاجها ليست حداثة تقطع مع التراث، ولا حداثة تستسلم للتقنية، إنها حداثة تزاوج بين العقل والذاكرة، بين الابتكار والقيم، بين العلم والضمير. حداثة تجعل من التقنية خادمة للإنسان لا سيدًا عليه، ومن التراث مادة للحوار لا قيدًا على المستقبل، ومن الحرية مسؤولية لا انفلاتًا.
إن مستقبل الحداثة لن يُحسم بقدرة الآلة على الكتابة والرسم والتفكير فحسب، سيحسم بقدرة الإنسان على أن يظل صاحب السؤال والغاية والمعنى. فالحداثة التي تفقد إنسانها، مهما كانت متقدمة، لا تصنع مستقبلًا؛ إنها تصنع عالمًا أكثر قدرة، وأقل إنسانية. ومن ثم، فإن أعظم تحدٍّ أمامنا ليس أن نصنع آلات أكثر ذكاءً، أن نصنع إنسانًا أكثر وعيًا بحدود الآلة، وأكثر قدرة على استخدام التقنية دون أن يفقد حريته وذاكرته وفرادته واحساسه. تلك هي الحداثة التي تستحق أن ندافع عنها، حداثة لا تقتل الماضي، ولا تستعبد الحاضر، ولا تصادر المستقبل، حداثة تجعل الإنسان غايتها الأولى والأخيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة