في مصيدة الشاشة: عندما تُعيد الخوارزميات صياغة وجودنا

بقلم: فخري هوّاش

تاريخ النشر: 11/09/26 | 16:01

“تتبعنا الخبر العاجل فأصبحنا خبر عاجل.. بحثنا كيف نبني أنفسنا في الخوارزميات فبنتنا الخوارزميات بأهواء من بناها.. صرنا رقماً في الاستهلاك.”
مقدمة
لم يعُد السؤال اليوم عمّا نستهلكه من أدوات تكنولوجية، بل عمّا تستهلكه هذه الأدوات من أجسادنا وأرواحنا. في عالم محكوم بالتغير السريع، نجد أنفسنا خاضعين لواقع يتسلل فيه الافتراضي ليحل محل الحقيقي، وتتحول فيه الأدوات التي ابتكرناها لخدمة الإنسان إلى آليات تُعيد صياغته وتوجيهه.
1. من متابعة الحدث إلى السقوط في مركزه
يبدأ الاستلاب الرقمي من الهوس الدائم باللحظة؛ إذ تحول السعي الخطي لتتبع “الخبر العاجل” من رغبة في المعرفة إلى حالة من التلقي القهري. وفي هذا السعي الدؤوب لقراءة العالم عبر الشاشات، يتلاشى الحد الفاصل بين الملاحظ والمُلاحظ، ليجد الإنسان نفسه قد تحول من قارئ للحدث إلى مادة تُعرض وتُستهلك، وخبراً عاجلاً آخر يُطوى في زحام التدفق الإخباري.
2. وهم الهندسة الذاتية وسلطة البرمجة
في البدايات، دخل الإنسان الفضاء الرقمي بإيمان كامل بقدرته على بناء ذاته وتوسيع أفق وجوده؛ وظنّ أن الخوارزمية مساحة محايدة تتيح له التعبير والتأثير. لكن الحقائق تتكشف سريعاً عن نقيض ذلك: لم تكن الخوارزميات سوى انعكاس لأهواء ورؤى ومصالح من صمموها. وبدلاً من أن يبني الإنسان وجوده الرقمي، تولت البرمجيات إعادة تشكيل ذائقته، وأنماط تفكيره، وانحيازاته، محولةً حرية الاختيار إلى خيارات مُعدّة مسبقاً.
3. تسليع الوجود والإنسان الرقمي
تتجلى الذروة في تحول التفاعل الإنساني بكليته إلى قيمة استهلاكية. لم تعد المشاعر، والأفكار، والاهتمامات سوى نقاط بيانات يُعاد تدويرها لخدمة أسواق الانتباه. في هذا الفضاء، يتضاءل الثقل المعنوي للفرد ليُختزل في “رقم” ضمن معادلات الأرباح، ويتحول الكائن البشري من صانع للمعنى إلى مستهلك ومُستهلَك في الوقت ذاته.
خاتمة: نحو صحوة الوعي واستعادة الذات
إن الاستفاقة من هذه الغفلة الرقمية لا تعني الانفصال عن العصر أو معاداة التكنولوجيا، بل تبدأ بحركة استرداد جادة لإنسانيتنا وسلطتنا على عقولنا. إن أولى خطوات التعافي تكمن في إدراك أن الانتباه هو ثروتنا الأغلى، وأن العودة إلى الأصالة تتطلب كسر حلقة التلقي القهري؛ لننتقل من موضع “الرقم المُستهلَك” إلى “الذات العاقلة المُريدة”.
تقتضي هذه الصحوة أن نعيد ترتيب علاقتنا بالشاشة؛ فنصنع مساحات للهدوء والصمت والتفكير العميق بعيداً عن صخب التدفق الإخباري وتوجيه الخوارزميات. حريٌّ بنا أن نُستعيد قدرتنا على اختيار أفكارنا، ورعاية ذائقتنا، وعيش اللحظة الحاضرة بحواسنا الحية لا عبر عدسات هواتفنا. إن الحرية الحقيقية في هذا العصر تبدأ عندما نرفض أن نكون صدى لهوى الآلة، ونقرر من جديد أن نكون نحن الصنّاع والكتبة لحكايتنا الإنسانية.
البروة/ جديدة المكر
11.09.2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة