قراءة في مسرحية “أغلق الملف”: كيف يمكن للعدالة أن تستقيم في فضاء اختل فيه ميزان الحقيقة؟

سعيد العفاسي: صحافي ناقد فني

تاريخ النشر: 11/09/26 | 7:07

ينبني الحدث المفجّر في مسرحية “أغلق الملف” (أعدها وأخرجها الفنان هشام سليمان عن مسرحية”الوفاة العرضية للأناركي” الكاتب الإيطالي داريو فو) على واقعة موت شخص أثناء الاحتجاز، غير أنّ الموت لا يدخل الخشبة بوصفه حقيقةً مكتملة، يدخلها من خلال الحوار على شكل رواية رسمية جاهزة أُعدّت سلفًا لإغلاق باب السؤال”انتحار عرضي”، ومنذ هذه العبارة الأولى يتسرّب الخلل إلى صلب الخطاب؛ فالانتحار، بحكم دلالته، فعل مقصود، بينما “العرضية” تنقض جوهره وتفرغه من معناه. إننا، والحال هذه، لسنا أمام خطإ لغوي عابر، وإنما أمام تناقض دراماتورجي مؤسس، يكشف منذ البداية أن مؤسسة الشرطة تبحث عن صيغة تضمن إقفال الملف، لا عن الحقيقة، تبدأ عملية تفكيك الرواية الرسمية، ويدخل إلى الفضاء “الشخص الغامض” الذي ينتحل صفة قاضي التحقيق. وهو، في ظاهره، شخصية معتوهة مضطربة الهيئة والسلوك، لكنه في بنيته العميقة جهاز مسرحي بالغ الذكاء؛ إذ لا يأتي من خارج المنظومة ليواجهها، يتسلل إلى داخلها، ويتكلم بلغتها، ويخضع نظام المخفر إلى سلطته “المجنونة” ثم يجعلها تتلعثم أمام نفسها، إنه المجنون الذي يعرف أكثر مما ينبغي، الحكيم الذي اختار العبث قناعًا للحقيقة، والذي سيكشف أن نظام الشرطة إنما هو نظامي وهمي، صلب من الخارج، لكنه من الداخل نظام هش، سريع العطب، وبهذا المعنى، تنتمي الشخصية إلى تقليد مسرحي يجعل الجنون وسيلةً لكشف العقل المختل، ويجعل السخرية أداةً لفضح ما تعجز المواجهة المباشرة عن تعريته.

وتتقدم الحبكة من خلال سلسلة من التحقيقات التي تتخذ شكلًا ساخرًا، بينما تتكفل الأسئلة بتقشير طبقات الرواية الرسمية، رئيس المكتب ومساعده لا يكشفان الحقيقة دفعة واحدة، وإنما يفضحانها من خلال التناقض. وهنا تبرز تقنية “التكرار التحويلي” الجملة نفسها تعود، والإفادة نفسها تُستعاد، غير أن تفصيلًا صغيرًا يتغير في كل مرة؛ اسم يتبدل، زمن يتزحزح، مكان يتغير، أو ذاكرة تتعثر. ومع كل تكرار تتآكل الرواية الأولى، حتى يصبح التكرار نفسه أداة كشف، وتتحول الأدلة الغائبة أو الملفقة إلى جزء من الفعل المسرحي، فالملف ليس وثيقةً فحسب، والمؤسسة التي تعجز عن الإمساك بالحقيقة تنشغل بتدبير الورق، وترتيب الملفات، ومطاردة التفاصيل الهامشية، ليصبح العبث ليس في سلوك الشخصيات فقط، وإنما في منطق المؤسسة ذاتها، التي تستطيع أن تصنع الحقيقة بالقدر نفسه الذي تستطيع به أن تطمسها. ويبلغ الإيقاع ذروته في لحظة “الانفجار/اللاانفجار”. فالظلام الذي يهبط فجأة يقطع استمرارية الفعل، ويخلق فراغًا تأويليًا، ماذا حدث؟ هل وقع الانفجار فعلًا؟ هل كانت هناك جريمة؟ أم أن المتلقي وقع بدوره في الفخ الذي نصبته المؤسسة؟ وعندما يعود الضوء تنتهي المسرحية، لتنقلب الذروة المأساوية إلى مفارقة سوداء، ويتحول انتظار الحقيقة إلى عبث محض. تكمن قسوة النهاية، في أن المؤسسة لا تبدو معنية بالجريمة أصلًا، فملفات القتل والسوق السوداء والانتهاكات تظل خارج مجال اهتمامها، بينما تستغرق في تفاصيل تافهة، إن المؤسسة لا تفشل في أداء وظيفتها فحسب؛ وإنما تكشف، في لحظة انكشافها، أنها أعادت تعريف وظيفتها بحيث يصبح إخفاء الحقيقة أهم من البحث عنها.

دراماتورجيًا، تستمد المسرحية قوتها من هذا التوتر بين المضحك والمفزع، العبث والحقيقة، الضحك والموت، إنها كوميديا سوداء لا تستهدف إضحاك المتلقي لذاته، تدفعه إلى الضحك في الموضع الذي ينبغي أن يخاف فيه، ثم تجعله يكتشف أن ضحكته كانت جزءًا من المأزق، يتحقق الأثر التغريبي، لا يُسمح للمتلقي أن يستسلم للحكاية، يُدفع باستمرار إلى مساءلة ما يراه وما يسمعه وما يُطلب منه أن يصدقه. أما “سكة الحديد” التي تلوح في أفق متخيل كل متفرج، تتجاوز وظيفتها المكانية لتصبح استعارة كبرى لمسار جماعي يبدو مستقيمًا في ظاهره، لكنه يقود إلى المجهول. إنها صورة لمسيرة الحياة، وللمجتمع، وللدولة، ولحركة التاريخ؛ قضبان متوازية توحي بالانتظام، بينما يظل السؤال معلقًا حول الوجهة. وبذلك لا يعود الخلل محصورًا في مكتب أو جهاز أو شخصيات بعينها، بل يمتد إلى بنية كاملة أعادت ترتيب علاقتها بالحقيقة. إن المسرحية، في جوهرها، تضحك من نظام لا يجد حرجًا في أن يجعل الكذب حقيقة، ثم تجعلنا نكتشف أن أخطر ما في العبث ليس غرابته، وإنما اعتياده. إنها مسرحية تضحك لتقلق، وتعبث لتكشف، وتشوّش لكي تعيد ترتيب وعي المتلقي، واضعة إياه أمام سؤال لا تنتهي صدمته بانطفاء الضوء، كيف يمكن للعدالة أن تستقيم في فضاء اختل فيه ميزان الحقيقة، وصار فيه التحقيق وسيلةً لإنتاج الرواية، لا لاكتشاف الواقعة؟.

في هذا السياق، تنهض شخصيات المسرحية بوظائف رمزية تتجاوز حدود حضورها الفردي، لتغدو تمثيلات حيّة لمنظومة مختلة. ويبرز المعتوه/القاضي المزيّف بوصفه المحرّك الخفي للصراع، وشخصيةً مركّبة تتناسل داخلها مفارقة العبث والكشف. فهو لا يمثّل الجنون بقدر ما يجسّد ما يمكن تسميته بـ”اللاوعي المؤسسي”؛ ذلك الجزء المستتر من النظام الذي يطفو فجأة على سطح الخشبة، فيفضح ما تسعى السلطة إلى طمره وإخفائه. جنونه، والحال هذه، ليس عارضًا مرضيًا، وإنما حيلة دراماتورجية واستراتيجية مقاومة؛ يتقن التنكر والتقمص، ويستعير لغة المؤسسة وهيئتها، ليعيدها إليها في صورة كاريكاتورية تكشف زيفها. وإذا كانت السلطة تتنكر خلف البيانات والمحاضر والتقارير، فإنه يتنكر خلف الجنون، فيغدو القناعان متقابلين، ويصبح السؤال أخطر من الجواب. ومن خلال هذه الشخصية يتحول التحقيق تدريجيًا إلى محاكمة غير معلنة للنظام، ويغدو الاستجواب أداةً لتفكيك الخطاب الرسمي. وقد نجح الفنان محمد أبو العز محاميد في نقل هذه الاستراتيجية إلى المتخيل المسرحي للمتلقي، فجعل الشخصية خفيفة الظل، ساخرة ومضحكة في ظاهرها، لكنها تحمل في أعماقها وعيًا يقظًا بمهمة واحدة، وهي التنبيه إلى الحقيقة التي تحاول المؤسسة الأمنية إخفاءها، وجعل الضحك نفسه طريقًا إلى الارتياب والسؤال.

يجسّد رئيس المكتب السلطة البيروقراطية التي تستمد سطوتها من اللغة الرسمية ومن طقوس الامتثال، يبدو في الظاهر متماسكًا وممسكًا بخيوط التحقيق، غير أن خطابه المتذبذب، وتبدّل مواقفه تبعًا للظرف، يكشفان هشاشته الداخلية. إنه الموظف الذي ذاب في النظام حتى غدا عاجزًا عن التمييز بين الحقيقة والزيف، فلا يعود منتجًا لقرار مستقل، بل آلةً لإعادة تدوير ما يأتيه من فوق. وقد أفلح الفنان رائد شمس في تقديم الشخصية بدربة سلسة، مبرزًا مأزق موظف ينفذ التعليمات قبل أن يسأل عن مشروعيتها؛ يصرّ على أن القاضي مجنون، لكنه لا يُمنح لحظةً كافية ليقول ذلك، فيتحول دفاعه عن النظام إلى دليل إضافي على اختلاله، فيما يظهر مفتش الشرطة بوصفه رجلًا فقد البوصلة المهنية، يتخبط بين الفرضيات دون أن يمتلك منهجًا يقوده إلى كشف الحقيقة. حضوره أقرب إلى حضور إجرائي منه إلى حضور فاعل؛ يكرر الأسئلة، يستنسخ الإجراءات، ويطارد خيوطًا واهية، دون أن يضيف إلى التحقيق كشفًا نوعيًا. وبذلك يغدو رمزًا لبيروقراطية أمنية استُنزفت فيها غريزة البحث عن الحقيقة لحساب غريزة البقاء داخل المؤسسة. وقد وظّف الفنان قرمان قرمان هذه المفارقة بذكاء، مقدّمًا مفتشًا يفتش عن الترقية والنجاة المهنية أكثر مما يفتش عن الحقيقة، حتى يصبح متورطًا في اللعبة من حيث لا يريد. أما مساعد رئيس المكتب فيقف في المنطقة الرمادية بين الأمر والتنفيذ، وبين السلطة والتواطؤ، قد يبدو حضوره هامشيًا، لكنه يضطلع بوظيفة أساسية في استمرار آلية الإخفاء؛ فهو ينفذ التعليمات، يتعامل مع الأدلة، ويشارك في طمس ما ينبغي أن يقود إلى الحقيقة، ومن خلال أداء رواد عازر تتجسد شخصية الموظف الذي لا يرتكب الجريمة بالضرورة، لكنه يهيئ شروط استمرارها؛ إن تواطؤه طاعة يومية تتراكم حتى تصبح جزءًا من بنية الفساد تمثل الصحافية، نظريًا، السلطة المضادة؛ أي سلطة السؤال والكشف والمساءلة. غير أن المسرحية تقلب هذه الوظيفة، فتجعلها شخصية مأزومة تعجز عن ممارسة دورها بوصفها “سلطة رابعة”. تحمل الملف، وتملك إمكانية إيصال الحقيقة إلى الجمهور، لكنها تظل أسيرة الجوقة التي تنتج الرواية الرسمية. وقد منحت الفنانة رحيق حاج يحيى سليمان الشخصية قدرًا من الجدية والواقعية، ولا سيما في تفصيل نسيان الضغط على زر التسجيل، وهو تفصيل صغير لكنه دراماتورجيًا بالغ الدلالة، فالصحافية موجودة حين ينبغي أن تسجل، وترى حين ينبغي أن تكشف، لكنها تفشل في لحظة الفعل. وهنا لا يعود النسيان مجرد هفوة، وإنما يتحول إلى علامة على التواطؤ أو العجز، لتصبح الصحافة شريكًا صامتًا في إغلاق الملف بدل أن تكون أداةً لفتحه.

لقد وظّف المخرج هشام سليمان تقنيات المسرح العبثي في إدارة شخصيات مسرحية “أغلق الملف”، مستثمرًا غرابتها وتناقضاتها وانفصالها النسبي عن منطق الفعل الواقعي، ليمنح العرض مسحةً واضحة من التغريب وقمة العبث الذي يقترب من الفوضى، فهذه الشخصيات لا تسير في خط مستقيم نحو اكتشاف الحقيقة، ولا تنهض، في كثير من لحظاتها، بوظيفة فعلية في بناء المسار الدرامي؛ إنها شخصيات تتحرك داخل فضاء مغلق، تدور حول أسئلتها وإجراءاتها، ثم تعود إلى النقطة نفسها، وكأنها أسيرة طاحونة مؤسساتية تعيد إنتاج ذاتها بلا نهاية. وهو اختيار يجد بعض مشروعيته في التصور الفلسفي للعبث عند ألبير كامو؛ فالعبث ينشأ من التوتر بين توق الإنسان إلى المعنى وبين عالم لا يمنحه يقينًا نهائيًا. ومن هذا الوعي يتولد القلق، بوصفه إحساسًا بثقل الوجود والتاريخ وانسداد أفق الخلاص. غير أن كامو لا يجعل العبث استسلامًا مطلقًا؛ يفتح منه طريقًا إلى التمرد، يبدأ التمرد فرديًا، حين يرفض الإنسان الرضوخ لما يراه عبثيًا، ثم يمكن أن يتحول إلى وعي جماعي يواجه منظومة القهر والتشييء واللامعنى، وهشام اختار أن يقود شخصيات المسرحية بعبثية دائرية، مهما تعددت طرائق الاشتغال فإنها تصب في مصلحة إقبار الحقيقة ونفيها، وهذه الفكرة تحديدًا تبدو حاضرة في الرؤية الإخراجية؛ فقد بثّ هشام سليمان في أرواح شخوصه إحساسًا بالتيه والاختلال، وجعلها تتحرك كما لو أنها تعرف أن النظام الذي توجد داخله مختل، لكنها لا تملك الأدوات الكافية للخروج منه. ومن هنا تنشأ المفارقة الدرامية، الشخصيات تبحث عن الحقيقة، لكنها أسيرة الآلية التي تمنع ظهورها. ويصبح العجز ذاته جزءًا من الفعل، ويتحول التكرار إلى علامة على استحالة التقدم. غير أن هذا الخيار، على أهميته، يظل في حاجة إلى قدر أكبر من التوازن بين العبث بوصفه رؤية وبين العبث بوصفه أداءً مسرحيًا، فحين تنفصل الشخصية طويلًا عن ضرورة الفعل، يصبح خطر الوقوع في الفراغ قائمًا؛ إذ ينبغي للعبث المسرحي أن ينتج توترًا، لا أن يكتفي بإنتاج الغرابة. فاللاجدوى لا تكون مؤثرة إلا حين نشعر أن وراءها إمكانًا للفعل جرى إجهاضه.

أما الإضاءة، فلم تبدُ، في تقديري، شريكًا حقيقيًا في إنتاج الفعل الدرامي بقدر ما حضرت بوصفها عنصرًا جماليًا وتزيينيًا. فقد كان يمكن لها أن تصبح لغة موازية للشخصيات، وأن تتفاعل مع حالات التوتر والانكشاف والاختفاء، خصوصًا أن طبيعة النص العبثية تمنح الضوء إمكانات تعبيرية واسعة. لكن محدودية التفاعل بين الإضاءة وحركة الممثلين جعلتها أقل فاعلية مما ينبغي؛ فلم نشعر دائمًا بأنها تضيء المعنى، لا المكان فحسب. والأمر ذاته ينسحب على السينوغرافيا التي بدت، في بعض تفاصيلها، أكثر ازدحامًا من حاجتها الدرامية. فليست كل قطعة توضع فوق الخشبة مطالبة بأن تكون بلا معنى؛ ينبغي أن تكون لها وظيفة في بناء العالم المسرحي أو الكشف عن الشخصية أو دفع الفعل. وبعض العناصر كان يمكن الاستغناء عنها دون أن يتأثر جوهر العرض، لأنها لم تدخل فعليًا في شبكة الفعل أو في تطور الصراع. ومع ذلك، فقد حمل التماثل في توزيع العناصر السينوغرافية رغبة واضحة في خلق توتر بصري على الركح، غير أن هذا التوتر ظل، في بعض المواضع، منفصلًا عن الشخوص بدل أن ينبع منهم أو يعكس اضطرابهم. وكان يمكن للسينوغرافيا أن تصبح امتدادًا نفسيًا للشخصيات، بحيث يتحول اضطراب المكان إلى صورة مكثفة لاضطراب المؤسسة والوعي. وعليه، تكمن قيمة التجربة الإخراجية في إدراكها أن العبث ليس زينة أسلوبية، وإنما منظومة رؤية؛ غير أن اكتمال هذه الرؤية يقتضي أن تتآزر الشخصية، والإضاءة، والسينوغرافيا، والإيقاع في إنتاج عبث حيّ، يكون مضحكًا في سطحه، مقلقًا في عمقه، ومولدًا للسؤال لا للفراغ.

ليست الفوضى عند داريو فو خاتمةً للفعل، ولا إعلانًا عن انتصار اللامعنى، وإنما هي، في جوهرها، بداية لرؤية جديدة إلى الحقيقة، فحين ينهار النظام المنطقي الذي تتكئ عليه السلطة، وتختلط الأدوار، وتتصدع اللغة الرسمية، فإن المسرح لا يسقط في العدم، يفتح منفذًا جديدًا لرؤية ما كان مستورًا خلف الأقنعة. الفوضى هنا ليست غيابًا للنظام، وإنما كشفٌ لنظام آخر أكثر عمقًا، نظامٍ كانت السلطة تحاول إخفاءه تحت ركام القوانين والإجراءات والخطابات الجاهزة. ومن هذا المنظور، يصبح الضحك فعلًا مقاومًا لا مجرد وسيلة للترفيه. فالضحك في مواجهة القمع يكسر هيبة السلطة، وينزع عنها قداسة المظهر واللغة، ويعيدها إلى حجمها الإنساني القابل للسخرية. لذلك كان داريو فو يراهن على الكوميديا بوصفها سلاحًا مسرحيًا؛ إذ يستطيع المضحك أن يقول، في بعض الأحيان، ما يعجز الخطاب المباشر عن قوله. إن الضحك لا يهرب من الواقع، يقتحمه من باب آخر، ويكشف تناقضاته، ويجعل المتلقي شريكًا في عملية تفكيك الوهم. وفي مسرحية “أغلق الملف”، يكتسب هذا المعنى دلالة أكثر قتامة؛ فالموت المفاجئ لا ينبغي أن يكون نهاية للحكاية، ولا ذريعة لإسدال الستار على الحقيقة. الموت، حين يقع في فضاء تحكمه الروايات الجاهزة، يتحول إلى قوة مضادة للنسيان؛ فهو يوقظ الحقيقة في النفوس الحرة، ويحوّل الضحية من رقم في محضر إلى سؤال مفتوح في ضمير المجتمع. إن جسد الميت قد يغيب عن الخشبة، لكن أثره الدرامي يستمر، بل قد يصبح أكثر حضورًا من ذي قبل. تتخذ عبارة “إغلاق الملف” قيمتها الدلالية بوصفها شعارًا للطمس، بينما ينشأ الفعل المسرحي الحقيقي من نقيضها، فتح الملف من جديد، فتحه باعتباره جرحًا اجتماعيًا وسياسيًا وأخلاقيًا لا يجوز دفنه تحت الأختام، لا باعتباره وثيقة إدارية، والمقصود بالفتح استعادة الحق في السؤال، وفي الشك، وفي مساءلة الرواية الرسمية، وفي رد الاعتبار إلى من سُلب منهم حق الكلام. إن قوة فكرة مسرحية “أغلق الملف”، في هذا الأفق، لا تكمن في تقديم أجوبة جاهزة، وإنما في إعادة إنتاج السؤال بصورة أكثر جرأة وفاعلية، ومن ثم تصبح الفوضى “الداريوفوية” طاقةً على قلب المعادلة، ما يبدو انهيارًا يتحول إلى كشف، وما يبدو سخرية يتحول إلى مقاومة، وما يبدو موتًا يتحول إلى ذاكرة حيّة، وما يبدو ملفًا مغلقًا يعود ليطالب بأن يُفتح. وهكذا لا تنتهي المسرحية عند لحظة الانكشاف، تبدأ منها مهمتها الأعمق، أن تجعل المتلقي يغادر الخشبة وهو يدرك أن العدالة ليست توقيعًا أسفل محضر، وأن الحقيقة لا تموت بإغلاق الملفات، وأن الضحك في وجه القمع قد يكون الشرارة الأولى لفتح الملف من جديد، دفاعًا عن الحقيقة، وانتصارًا للكرامة، وسعيًا إلى عدالة اجتماعية لا تُدار بالطمس، ولكن بالمواجهة والمساءلة، إنها “الحرية” في ابعد تجلياتها، وهي الكلمة “حرية”، المكتوبة بالأبيض على قميص أسود، وقد ارتداها المخرج هشام سليمان، أبعد من أن تكون حركةً عبثية أو تفصيلًا بصريًا عابرًا؛ لقد بدت أشبه بصرخة صامتة تشقّ عتمة الركح(صدر هشام سليمان)، فالأبيض هنا يستبطن الضوء، والأسود يستحضر القهر والاختناق، وبينهما تتوسط الكلمة بوصفها فعلَ اجتراح، والأشد دلالة أن جوهر الرسالة يستقر في حروفها الأربعة، الحاء والراء والياء والتاء؛ حروفٌ تتعانق لتصنع معنىً لا يمكن مصادرته، وكأن الكلمة ذاتها تحمل في بنيتها وعدًا بالخروج من “الإغلاق” إلى فضاء أرحب، فضاء الإنسان حين يسترد حقه في أن يكون حرًّا، ولن يتأتى ذلك إلا بـ”فتح الملف”.

مسرحية”أغلق الملف” إعداد وإخراج هشام سليمان، تشخيص: رحيق حاج يحيى سليمان، قرمان قرمان، رائد شمس، محمد أبو العز محاميد، رواد عازر، تصميم وتنفيذ الإضاءة: نعمة زكنون، موسيقى: ميشل سيجراوي، تصميم وتنفيذ الملابس: صابرين حسون طافش، تصميم وتنفيذ الديكور: مروان صباح، انتاج السراج مسرح فن وثقافة، بإدارة علي عباسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة