لا ترحل…
بقلم: فخري هوّاش
تاريخ النشر: 10/09/26 | 7:11
إلى إخوة التراب في الحارة الفلسطينية
لا ترحل…
ففي آخرِ الزقاق
عتبةٌ ما زالت
تُصغي لوقعِ خطاك،
وشجرةُ التوت
تُبقي غصنًا منخفضًا
كأنَّ يدًا ستعود.
والبابُ،
منذ الصباح،
مواربٌ قليلًا،
كأنَّ البيتَ
لم يُصدّق بعدُ
أنَّ الغيابَ له مفاتيح.
لا ترحل…
ففي الحارةِ
حجرٌ يعرفُ كتفَك،
وحائطٌ
ما زال يحملُ ظلَّك
من صيفٍ إلى صيف.
تحتَ الطينِ القديم
أصابعُ البنّائين،
وفوقَهُ
أسماءُ الذين مرّوا
ولم تأخذهم الريح.
كان لكلِّ حجرٍ
جارٌ يسنده،
ولكلِّ بابٍ
خطوةٌ تعرفُه،
ولكلِّ نافذةٍ
عينٌ تطلُّ على الطريق.
حتى البئرُ
كان يرفعُ دلوَهُ
من عتمةِ الماء
كأنَّهُ يستخرجُ
وجهًا من الذاكرة.
وفي الحاكورة
زيتونةٌ عتيقة
تُمسكُ الترابَ بجذورها،
وتينةٌ
تخبّئُ في جذعها
صيفَ الأطفال.
وعلى طرفِ السطح
كان الطابونُ
ينفخُ جمرته،
فتخرجُ رائحةُ الخبز
من بابٍ
وتدخلُ بابًا آخر.
هكذا كانت الحارة…
لا جدارًا إلى جدار،
بل نفسًا
يتردّدُ بين البيوت.
في الفجر
يصعدُ الأذانُ
من المئذنة،
يمرُّ فوقَ السطوح،
ويوقظُ النوافذ.
وفي المساء
يأتي الجرسُ
من وراءِ الحجارة،
فتلتقي النغمتان
في سماءِ واحدة،
وتنامُ الحارة
على صدىً
لا يسألُ من أين جاء.
وفي العيد
تفتحُ الأبوابُ
ذاكرتها،
وتعبرُ القهوةُ
من فنجانٍ إلى فنجان،
وتتبادلُ البيوتُ
رائحةَ الخبز
والزعتر
والحكايات.
عيدٌ يمرُّ
فتلمعُ الأحذيةُ الصغيرة
على درجِ الحارة،
وعيدٌ آخر
تضيءُ فيه نافذةٌ
بنجمةٍ
تسهرُ فوقَ السطوح.
وكانت الأعياد
تعرفُ أسماءنا
أكثرَ مما تعرفُها السجلات.
فلا ترحل…
فثمةَ أشياءُ
لا تعرفُ كيفَ تودّع.
مفتاحٌ
ظلَّ طويلًا
دافئًا في الجيب،
ثم بردَ
حين طالَ الطريق.
مسمارٌ
في بابٍ قديم
ما زالَ يحملُ
مكانَ معطفٍ
لم يعد.
وحبلُ غسيلٍ
مشدودٌ بين سطحين
كأنهُ خيطُ نسبٍ
تخشى الحارةُ
أن ينقطع.
لا ترحل…
فالحجرُ ليس حجرًا
حين تسكنهُ الخطى.
الحجرُ كتفُ جدٍّ،
وظلُّ أمٍّ
كانت تجلسُ عند العصر،
وصوتُ طفلٍ
يركضُ حافيًا
خلفَ كرةٍ من قماش.
الحجرُ
مائدةُ الجيران،
وخبزُ الطابون،
ووعاءُ اللبن،
ودفءُ كانون،
ورائحةُ الميرمية
حين يهبطُ المساء.
فإذا اقتُلعَ الحجر…
لا يبقى الجدارُ
كما كان.
يتّسعُ الشقُّ،
ويبردُ ما حوله،
وتدخلُ الريحُ
من موضعٍ
لم يكن للريحِ فيه باب.
ينظرُ الحجرانِ
إلى الفراغ
كأنهما فقدا
كتفًا ثالثة.
ويظلُّ الغبارُ
معلّقًا في الهواء،
لا يعرفُ
إلى أيِّ جهةٍ
يتبعُ الراحل.
لا ترحل…
فأنتَ لستَ حجرًا
وحسب؛
أنتَ ذلك الجزءُ
الذي إذا غاب
ظلَّ الجدارُ قائمًا،
لكنّهُ
لم يعدْ بيتًا كاملًا.
وإذا غابتْ يدٌ
عن حبلِ الجرس،
ظلَّ الجرسُ معلّقًا
في مكانه،
لكنَّ السماءَ
تفقدُ رنّتَها.
وإذا نقصَ صوتٌ
من الأذان،
لا ينقصُ الصوتُ وحده؛
ينقصُ شيءٌ
من المسافةِ بين
المئذنةِ والجرس.
فلا ترحل…
دعْ للزقاق
أن يبقى ضيقًا
بخطاك،
وللعتبة
أن تحتفظَ بحرارةِ قدميك،
ولشجرةِ التوت
أن ترى يدك
في موسمِ الثمر.
دعْ للبئر
أن يردَّ عليك
حين تنادي،
وللزيتونة
أن تُخفي اسمك
في تجعيدةٍ من جذعها.
دعْ للمفتاح
أن يصدأَ في جيبك
ولا تتركهُ
وحيدًا أمامَ بابٍ
يعرفُ صاحبه.
فالحارةُ
لا تُحصي أبناءها
بالأسماء.
تُحصيهم
بوقعِ الخطى،
بمقاعدِ العتبات،
بظلِّ الشجر،
برائحةِ الخبز،
برنينِ الجرس،
وبالأذان
حين يعبرُ من بيتٍ
إلى بيت.
لا ترحل…
فربما كان الرحيلُ
أكثرَ من طريق.
ربما هو
أن تنتزعَ حجرًا
من جدارٍ
بناهُ الغائبون
حجرًا فوق حجر.
ربما هو
أن تأخذَ معك
صوتًا من الحارة،
وظلًّا من شجرة،
ويدًا من يد،
ونغمةً
من أغنيةٍ قديمة.
وربما…
أن تتركَ وراءك
فراغًا صغيرًا
في جدارٍ فلسطيني،
ثم يأتي المطر،
ثم الشمس،
ثم الشتاء،
وتظلُّ الحارةُ
كلَّ عام
تحاولُ أن تُرمّمَ
موضعَ الغياب.
لكنَّها لا تنجح.
لأن بعضَ الأحجار
إذا خرجتْ من الجدار
لا تُعاد.
فلا ترحل…
ابقَ حجرًا
في هذا الجدار،
صوتًا
بين الأذان والجرس،
خطوةً
في دربِ الحارة،
وظلًّا
تحتَ التوتة،
ويدًا
تمسكُ حبلَ الجرس
حين يأتي العيد.
ابقَ…
كي لا تصبحَ الحارةُ
أغنيةً ناقصة،
وكي لا يمرَّ الأذانُ
فوقَ السطوح
ولا يجدُ الجرسَ
ليجيبه.
ابقَ…
ففي هذا التراب
مكانٌ
لا يعرفُهُ إلا الذين
صاروا من ترابه،
وفي هذا الجدار
حجرٌ
إذا غاب
عرفَ الوطنُ
أن شيئًا منه
قد اقتُلع.

