رغم الذي كان وما سيكون سوف أصوت وبعدها سوف أحاكم وسوف أحكم
بقلم: فخري هوّاش البروة جديدة المكر
تاريخ النشر: 09/09/26 | 8:04
في هذه المرحلة السياسية الدقيقة، لا أذهب إلى صندوق الاقتراع بحثًا عن مقعدٍ في حكومة، ولا طمعًا في شراكةٍ مع سلطةٍ أثبتت التجربة أن حساباتها لا تُبنى دائمًا على مصالحنا.
أذهب لأنني أعرف أن للغياب ثمنًا باهظًا.
ولأن من يُقصى عن المشهد لا يخرج من اللعبة، بل يتحول إلى موضوعٍ لقراراتٍ تُتخذ في غيابه وعلى حسابه.
سأصوّت لأنني عربي، ولأن وجودي ليس مجرد رقمٍ ديموغرافي في دفاتر الدولة، بل حقيقةٌ سياسية وتاريخية وإنسانية راسخة لا تُشطب بورقةٍ أو قانونٍ أو خطاب.
الصندوق، في هذه اللحظة، ليس مجرد ورقة انتخابية.. إنه نافذةٌ نطل منها على المشهد، ومنبرٌ نقف عليه لنقول بملء الصوت: نحن هنا.
لا أبحث عن اعترافٍ بوجودنا من أحد؛ فوجودنا أعمق من المقاعد البرلمانية، وأبقى من الحكومات والائتلافات.
لكن السياسة تُدار في المنابر، والقوانين تُكتب في المؤسسات، والميزانيات تُوزّع خلف الأبواب التي لا تُفتح لمن يختار العزلة.
لذلك، لا أرى في المشاركة ترفًا سياسيًا، ولا تنازلًا عن الموقف الوطني.. إنها أداةٌ من أدوات المواجهة.
فإذا كان هناك من يريد لنا أن نكون خارج الصورة، فإن الرد الأقوى ليس أن نمزق الصورة وننسحب، بل أن ندخل إليها ونفرض حضورنا فيها.
وإذا كان هناك من يريد للصوت العربي أن يتحول إلى هامش، فعلينا أن نُسمعه من قلب المنبر:
• من داخل الكنيست.
• من داخل اللجان.
• من ساحات التشريع.
• ومن كل مكان تُصنع فيه القرارات التي تمس أرضنا، وبلداتنا، وحقوقنا، وحياة أبنائنا.
ليس المطلوب أن نمنح أحدًا شيكًا على بياض، ولا أن نتحول إلى تابعين في ائتلافات لا تشبهنا، ولا أن نبيع موقفنا بثمن مقعد.
المطلوب أن نعرف كيف ندير صوتنا بعد أن نضعه في الصندوق:
• أن ننتقل من مجرد التمثيل إلى التأثير.
• ومن الحضور العددي إلى الوزن السياسي.
• ومن الشكوى في الأزقة إلى المواجهة في الساحات ورفع صوتنا أما الظالم ليس من على منصة البرلمان فقط بل في كل الساحات المحلية والدولية.
فالقضية ليست كم مقعدًا نحصل عليه، بل ماذا نفعل بهذه المقاعد حين نصل إليها؟ هل تتحول إلى منصات للناس أم إلى امتيازات لأصحابها؟ هنا يكمن الامتحان الحقيقي.
إن المعركة إذن ليست مجرد خيارٍ بين التصويت والمقاطعة، بل هي معركةٌ أعمق:
• كيف نحول الصوت إلى قوة؟
• وكيف نحول المقعد إلى منبر للحقيقة؟
• وكيف نجعل من المشاركة فعل مقاومة مدنية وسياسية دون أن نفقد البوصلة؟
أنا لا أصوّت لأنني نسيت ما جرى.. أصوّت لأنني أتذكر.
أتذكر الأرض حين تُصادر، والبيت حين ينتظر رخصةً لا تأتي، والمدرسة حين تضيق بطلابها، والشاب حين يبحث عن أمله فيجد الأبواب مغلقة ولا أنسى العنف والإجرام الممنهج.
أتذكر كل ذلك، ولذلك أرفض أن أكون شاهدًا صامتًا.
الصوت العربي ليس استئذانًا للوجود، بل إعلانٌ حاسم بأننا أصحاب حق في إدارة حاضرنا ومستقبلنا.
قد لا يغيّر صوتٌ واحدٌ ميزان القوى في لحظة، لكن آلاف الأصوات الواعية تستطيع أن تمنع الآخرين من ادعاء غيابنا.
لهذا سأصوّت.. لا ثقةً مطلقة بأحد، ولا انتظارًا لمعجزة، بل لأنني أرفض أن يكتب الآخرون تاريخنا في غيابنا.
سنكون في قلب المنبر، لا على هامشه. سنواجه من الداخل، ونقاوم من الخارج، ونحاسب كل من منحناه ثقتنا إن انحرف عن نبض الناس. فالتمثيل ليس نهاية المطاف، بل بداية المسؤولية.
أنا أصوّت، إذن أنا حاضر.
لا لكي أذوب في المشهد، بل لكي أغيّر فيه.
لا لكي أكون رقمًا في معادلة غيري، بل لكي نقول
هذا صوتنا
وهذه أرضنا
وهذه ذاكرتنا
وهذا مستقبل أبنائنا
ولن نترك احد يكتب غيابنا
سأصوت للذي يمثلني لا للذي ينكرني

