العزفُ على اوتار مشهدِ الجّوع والشّبع فلسفة العشرة في زمن التَّلوّن والتقلُّبات
بقلم- معين أبو عبيد
تاريخ النشر: 08/09/26 | 12:36
في هذا الزّمن، ومشاهدهُ المقلقة فيه، طغت القشورُ على الجّواهر، وتلاشت فيه أسمى معاني الوفاء والعرفان تحت وطأة المصالح الذاتيّة الضّيقة، وغدى الطّعن من خلف الظُّهور نمطًا وظاهرةً مقلقة، والتعصُّب سيد الموقف وعنوانًا للانتماء بالقلم العريض بالأحمر. أصبحت العشرة الانسانيّة “ما تبقّى منها؟! ” اختيارًا يصعب اجتيازه. كيف لا، ونحن نعيش عصرًا قلّ فيه الصّدق، ويُتاجرُ فيه بالمشاعر وتُباع فيه الضّمائر بأدنى الاثمان.
في هذا المقام، تأتي مقولة العنوان العميقة كبوصلة أخلاقيّة، ترغُمنا إلى إعادة النّظر في معاييرها لاختيار من نرافقُ ومن نأتمنُ.
ليس المقصود هنا شبع البطن وحده، بل شبع النّفس من كل شيء: الغِنى، السّلطة، الجّاه والمكانة.
فالنّفس الّتي عاشت طويلاً في حالة حرمان، ثمّ بين ليلة وضحاها انعم الله عليها من خيراته،
كثيرًا ما يظهر خيرها متكلفًا غير نابع من جوهرها. انّها اشبه بمن يلبس قميصًا ليس له،
فيجعله غريبًا خارج وطنه، وسرعان ما تعود طباعه عند أوّل امتحان. الخير فيها دخيلٌ لأنه لم ينبت في تربة النّفس الأصلية، “تراب وطنه إن صحّ التّعبير “.
إنّ ماضينا وحاضرنا مليء بالشّواهد؛ أناس هيمنوا بعد ضعف، وتجبروا بعد ذلٍ، وطعنوا بمن كانوا سندًا لهم في المحن. ممّا يدل بصورة قاطعة أنّ النّفس التي لم تتربَّ على العطاء بسخاء، وهي محرومة.
لم، ولن تعرف كيف تعطي وهي شبعانة، وعليه علينا أن نعاشر نفسا جاعت بعد شبع؛ فالخير فيه يكون اصيلاً، لأن النّفس التي ذاقت الشبع، ثمّ حلّ بها الجوع اي عرفت النعمة ثمّ عرفت الفقر، أو عرفت القوّة ثمّ ضعفت، او المكانة ثم سقطت، فهي لا شكّ نفس مدربة على التلوّن. جوعها ليس جوع بداية، بل جوع خبرة عرفت قيمة النّعمة بعد زوالها، وتعلّمت التواضع بعد العلو والوفاء لأنها اختبرت الغدر. أصبح الخير فيها سجيه؛ لأن التّجارب صقلته واثبتت المحن والأزمات. هؤلاء هم الذين يمنحون بكرمهم حين يملكون، وعفوهم حين يقدرون، لأنّهم ذاقوا طعم الفقد، فلا يبخلون على غيرهم بما يتمنّونه أنفسهم.
الخلاصة أقول:
في هذا المشهد، حيث اختلطت فيه دماثة الاخلاق والقيم الشّبة موجودة على ارض الواقع،
وأصبحت النّاس فيه مرايا مآربهم الضيّقة، تبقى هذه المقولة نورًا نستهدي به إنها دعوة صادقة
لأن نكون حكماء في اختياراتنا، وألاّ ننخدع بالشّعارات الرّنانة والقشور، ونعرف حقّ المعرفة أنّ طبع الانسان لا يصنعه الغنى ولا الفقر، بل ما يمرّ به من تجارب تنهش في روحه عمقًا.
فلنصاحب من جاع بعد شبع، ولنحذر من شبعت بعد جوع، لأنه خيرها يكون كسحابة صيف عابرة، وكسراب صحراويّ.
وفي نهاية المطاف تكون مصلحة حقيقيّة قبل أن تكون مجرّد كلام ووفاء قبل أن تكون عادة.


