التجليد”: تأمّل اجتماعيّ تاريخيّ

د. تغريد يحيى- يونس

تاريخ النشر: 01/09/26 | 8:31

يعود أيلول، في موعده. يعود وأرواحنا مضرّجة بثقل على أصعدة شتّى. وفي زحام الانشغال في الواقع الثقيل، وبين ترقّب التلاميذ والتلميذات والأهالي والجهات الرسميّة المعنيّة للفاتح من أيلول وافتتاح السنة المدرسيّة، يحضرني، وبقوّة، “التجليد”، تجليد الكتب المدرسيّة، على بساطته وخفّته. خفّة توازن ثقل الواقع.

في هذا النصّ، أتتبّع تجليد الكتب المدرسيّة من منظور اجتماعيّ تاريخيّ، مستندةً بالأساس إلى تجربتي الشخصيّة، ماديًّا ووجدانيًّا. لكنني لا أستغرق في حنين إلى الماضي، بل أحاول مقاربة “تجليد الكتب” بوصفه طقسًا اجتماعيًّا حمل ويحمل معاني ودلالات مختلفة، وواكب التحوّلات التاريخيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والثقافيّة، ويكشف عنها.

تجليد الكتب المدرسيّة، وبكلمة واحدة “التجليد”، و”التجليل” بصيغةِ عاميّةِ المنطقة في السبعينيات، هو تغليف الكتاب بغلاف ورقيّ أو بلاستيكيّ يحيط به من جميع الجهات. أمّا الدفاتر، فغلافها غالبًا ما سُمّي محليًّا “جلّ”، وهو غلاف جاهز مصنوع من النايلون يُشترى من مكتبات الأدوات القرطاسيّة. والتجليد، بالعودة إلى جذر الكلمة، هو إكساء الكتاب أو الدفتر “جلدًا” خارجيًّا إضافيًّا يقيه من الضرر والتلف.

يمكن اعتبار تجليد الكتب المدرسيّة طقسًا اجتماعيًّا؛ فله موعد محدّد يوافق قُبَيْل الأول من أيلول، ويتكرّر دوريًّا في الموعد ذاته من السّنة، ويجري في إطار مشاركة اجتماعيّة تتّسع أو تضيق بحسب المرحلة التاريخيّة وظروف الأسرة. ويهدف، في المقام الأول، إلى حماية الكتاب من الضرر والتلف جرّاء الاستعمال، لكنّه يحمل أيضًا قيمًا اجتماعيّة تتّصل بالكتاب والحفاظ عليه، وتحمّل المسؤوليّة، والتعاون، ومراعاة وضع الأسرة الماديّ. وستتكشّف هذه المعاني في أجزاء المقال التالية.

يهدف التجليد إلى المحافظة على الكتب من الضرر والتلف جرّاء الاستعمال وملامسة الأيدي والاحتكاك بالأسطح، أسطح مقاعد الدراسة، أو طاولات البيت، أو الأرضيات وغيرها. إلى جانب ذلك، يشدّد تجليد الكتب المدرسيّة على قيم اجتماعيّة مهمّة، من بينها قيمة الكتاب، بحد ذاته، والحفاظ عليه، وتحمّل المسؤوليّة، والتعاون، ومراعاة وضع الأسرة الماديّ، وغيرها مما سنوضح في أجزاء المقال التالية.

يستند تتبّعي لتجليد الكتب المدرسيّة بالأساس إلى تجربتي الشخصيّة وتأمّلاتي عبر عقود، من الطفولة والصبا، إلى الأمومة وصولًا إلى الحاضر. لذا لن أذهب على محور الزمن إلى أبعد من بداية عقد السبعينيات.

بالعودة إلى بداية سبعينيات القرن العشرين، وكنتُ في الصفوف الأولى من المرحلة الابتدائيّة، لم نكن نشتري الكتب المدرسيّة في أراضي 48 من المكتبات أو محلات القرطاسيّة، بل كنّا في الغالب نشتريها مباشرة من المدرسة. يعود ذلك إلى الانقطاع الذي أحدثته النكبة، واستيلاء إسرائيل الوليدة على جهاز التعليم، منشآته وكوادره ومناهجه. وقد شكّل “التعليم العربي” المخصّص للفلسطينيين الذين بقوا في ديارهم فيما تحوّل إلى إسرائيل، جهازًا للرقابة والضبط والسيطرة، في جوانبه الماديّة والبشريّة وفي مضمونه. كنّا ندفع ثمن الكتاب للمعلم أو لسكرتير المدرسة، وثمّ نستلمه عندما يصل إلى المدرسة. كان ذلك جزءًا من نظام تتولّى فيه وزارة المعارف تحديد المناهج وطباعة الكتب وتوزيعها على المدارس لبيعها مباشرة للتلاميذ والتلميذات.

كان لتجليد الكتب المدرسيّة في سبعينيات القرن العشرين سياق وظروف وطقوس لا تعرفها الأجيال الناشئة اليوم. جاءت تلك السنوات في أعقاب حقبة الحكم العسكري على الفلسطينيين الباقين في بلداتهم أو المهجّرين/ات إلى غيرها في الجزء الذي أقيمت عليه إسرائيل، بما حملته النكبة والحكم العسكريّ من تبعات سياسيّة وآثار اجتماعيّة وماديّة قاسية.

وفي أسر كبيرة نسبيًّا وأوضاع ماديّة صعبة، لم يكن تجليد الكتب المدرسيّة ترفًا، بل ضرورة. تكمن ضرورته في حماية الكتاب من الضرر والتلف بفعل الاستعمال المتكرّر على مدار السنة، أو السنين، وبفعل العوامل الخارجيّة التي يتعرّض لها، وبالتالي إبقائه صالحًا للانتقال بين الأخوات والإخوة في الأسرة الواحدة. وقد تمتدّ دائرة انتقال الكتاب المدرسيّ إلى العائلة الممتدّة، أو دائرة الجيران والأصدقاء، تبعًا لحالة الأسرة وحاجتها. وفيما بعد، ساهم استقرار المناهج التعليميّة في رفع قيمة الكتاب، بوصفه “مقتنًى” ثمينًا يتناقل عبر السنوات.

دأب المعلم، ولاحقًا المعلمة، على إعطاء تعليمات بضرورة تجليد الكتاب: “جلدوا الكتب!”، وحرص الأهل على ذلك، وسارع تلاميذ وتلميذات المرحلة الابتدائية إلى التنفيذ، في الغالب الأعظم. وتابع المعلمون الأمر، فتحقّقوا من وجود الكتاب مع التلميذ/ة، ومن إحضاره إلى الدرس، ومن تجليده. وأعتقد أنّ التعليمات نفسها سرت آنذاك على طلبة المرحلتين الإعداديّة والثانويّة أيضًا.

لم يعرف جمهور التلاميذ والتلميذات في المرحلة الابتدائيّة آنذاك الكثير عن كيفيّة تجليد الكتاب عمليًّا. ولم تكن هناك فيديوهات تعليميّة، ولا وسائل شرح وإيضاح متاحة. أذكر أنّ المدرسة قدّمت لنا فكرة أوليّة عن التجليد في “درس الأشغال”. وأحيانًا تولّى سكرتير المدرسة شرح الطريقة. أمّا التنفيذ، فرغم كون الظاهرة جماعيّة، فقد كان فرديًّا وقتئذٍ، وكلٌّ وظروفه/ا ومهارته/ا وذوقه/ا وتوفيقه/ا.

وبينما كان “جِلّ” الدفتر جاهزًا وإلباسه سهلًا، كان تجليد الكتاب مَهمّة صعبة لتلميذات وتلاميذ الابتدائيّة. تكمن صعوبتها في العدّة المطلوبة، وفي التقنيّة، من التفصيل إلى التنفيذ، وفي الدقّة. استُعملت أوراق ذات حجم كبير نسبيًّا، بسيطة، واحتجنا إلى مقصّ، وشريط لاصق، أولًا ورقيًّا ثم صار شفافًا لاحقًا. في أوائل السبعينيات لم تتوفر لدينا آلة “المدبسة” في المنازل، ولم تكن المواد اللازمة للتجليد متوفرة دائمًا في القرية.
أمام النُدرة، ابتدعتْ ذهنيّة التدوير السليقيّة الحلّ: أغلفة الهدايا! تلك التي غُلّفت بها أطقم الكاسات، والفناجين، والصحون، وأكياس السكاكر وباكيتات الشوكلاطة، وسُلفانا أفخرها، التي تبادلها الناس في زياراتهم. كفتيات صغيرات، لا أبالغ بالقول إنّنا كنّا نفرح بأغلفة الهدايا أكثر من الهدايا نفسها. نفصل اللاصق عن غلاف الهدية برفقٍ لئلا يتمزق، نباشر التجليد به، أو نطويه ونحفظه لموسم التجليد. وقد نختلف نحن الأخوات على الظفر بغلاف أجمل، وسرعان ما نصل لتراضٍ. وفي مناسبات الهدايا الأوفر، كنا ننتقي ما يروق لنا منها حسب النقوش والألوان.

عدا تأمين الكتاب والمواد الأوليّة، في حال توفّرت، لم يكن للوالدين دور عمليّ مباشر في تجليد الكتب، بل كان على التلميذ/ة القيام بذلك بمفرده/ا. يعكس هذا انشغالات الأهالي في حياة صعبة، وانصراف الأمهات إلى مهمّات منزليّة لعائلات كبيرة نسبيًّا، في مرحلة خلت من المعدّات والآلات المساعدة ومن الخدمات التي يمكن شراؤها. كما يعكس الدور الذي أخذه/أخذته تلميذ/ة الابتدائيّة على عاتقه/ا، أو أُلقي عليه قسرًا، في العنايةَ بممتلكاته/ا المدرسيّة، والكتاب أهمّها، والحفاظَ عليها. وانطوى ذلك على تعويد على المسؤوليّة، والاعتماد على الذات منذ الصغر، وتربية على التعاون بين الأخوات والإخوة، إذ كانوا يُجلّدون ويُجلّدن كتبهنّ/م بشكل جماعيّ فيه روح تعاون وتكافل.

إطلالة على الجانب العمليّ ل”التجليد” من شأنها أن تستحضر المشهد عند أجيال خلت، وتقرّبه للأجيال الناشئة. في البدء كانت الكتب، والمواد والعدّة اللازمة، ومساحة مناسبة للعمل. لم يكن سطح الطاولة البيتيّة مناسبًا لهذه المهمة؛ فالفتيات الصغيرات والصبية لم يكونوا في سنّ تمكّنهم من التحكّم بها من على سطح طاولة، كما أنّ الطاولات البيتيّة كانت تؤدي وظائف أخرى. أرضيّة البيت هي المكان المناسب لذلك: المصطبة.

يُفرّغ حيّز من أرضيّة الغرفة، على أن تكون نظيفة، وتوضع عليه الكتب المراد تجليدها والأدوات اللازمة. يُحدّد حجم الورق وفق مقاسات الكتاب ثم يُقصّ، مع الأخذ بالحسبان ما يحتاجه التجليد من لفّ وطيّ في حوافّ الكتاب كافة. وكان الخطأ في القياس سهل الوقوع لعدم الخبرة، كما كان القصّ والتطبيق والتثبيت أمورًا لا تخلو من صعوبة، حتى لدى البالغين والبالغات قليلي الخبرة. ينبغي أن تضاف سنتيمترات بقدر سُمك الكتاب، تتيح أريحية تغليفه، فلا يكون ضيقًا ولا فضفاضًا، ثم يُثبّت التجليد باللاصق في الجوانب الداخليّة. وفي كلّ خطوة قد تظهر الحاجة إلى “إنقاذ” يأتي من الأخوات والإخوة الآخرين، وفي مرحلة متأخرة من بالغ/ة في محيطهنّ/م.

كان عدد الكتب في الصفوف الدنيا من المرحلة الابتدائيّة في جيلنا قليلًا، ثمّ ازداد في المراحل اللاحقة. لكن المثير هو السؤال: كيف تعرّف التلميذ/ة إلى الكتب وهي مغلّفة بتجاليد تخفي عناوينها وأغلفتها وتفاصيلها؟ ربما دلّنا شكل التجليد نفسه أو حجم الكتاب عليها، وإذا تشابهت التجليدات والأحجام، كان/ت الأقل كسلًا بيننا ي/تفتح الغلاف الداخلي ليتأكّد/لتتأكّد من العنوان. لكن كثيرًا ما حصل خطأ! وكم سمعنا المعلمين يسألون أحد تلاميذهم أو إحدى تلميذاتهم: “وين كتابك؟”، ليأتي الجواب: “جبت كتاب ثاني. خربطت بينهن”. فالأغلفة أخفت ملامح الكتب.
يحضرني في هذه المرحلة من كتابة النصّ مشهدُ كتب ودفاتر التلاميذ والتلميذات على مقاعد الدراسة. كتاب ودفتران لكلّ موضوع، دفتر للصفّ ودفتر للوظائف البيتيّة. جميعها تقريبًا مجلّدة، لكن الفروقات بينها بادية: بعضها دقيق متقن، وبعضها مهلهل، وأخرى فضفاضة، وأخيرة يشكو الكتاب من ضيقها. لكن الأكثر تعاسة في المشهد كتاب منزوع الغلاف تمامًا، وقد يكون ذلك من الجهتين الأماميّة والخلفيّة، وبعض صفحاته الداخلية منزوعة أيضًا. أما أطراف صفحاته فكانت مطويّة بشكل عشوائيّ، على نحو جعلني أرأف بحال الكتاب أو الدفتر. ولك أن تتخيّل/ي كيف اعتاد التلميذ/ة أن يدخل/تدخل الكتاب أو الدفتر في حقيبته/ا، وكيف يخرجه/تخرجه منها، وكيف تعامل/ت معه خلال عمل الوظائف وعامّة. ويجعلك كلّ هذا تذهب/ين في مخيلتك إلى المعارك التي نجا الكتاب منها!
بدأت محلات القرطاسيّة تظهر في البلدة في منتصف السبعينيات، وظهرت أوراق خاصّة لتجليد الكتب، وأشرطة لاصقة، ولاحقًا “المدبسة”. كنت قد انتقلت إلى المرحلة الإعدادية وقتئذٍ، وأذكر أنّ والدتي استخدمت هذه الأوراق أيضًا كفرش لأرفف خزائن المطبخ، عبارة عن “شراشف” ورقيّة، تُستبدل بين فترة وأخرى، قد تقصر وقد تطول تبعًا لنوع الأواني والمواد التي توضع على الرفّ.

أمّا التحوّل الأبرز فجاء في المرحلة الثانويّة، أواخر السبعينيات. لم يعد تجليد الكتب المدرسيّة إلزاميًّا؛ فالمعلمون لم يُلقوا تعليمات بهذا الخصوص، والطلاب والطالبات بدورهم لم يرَوْا ضرورة له. أعطى هذا الاختلاف الصغير شعورًا ب”إنّا كْبار”، وبأنّنا أصبحنا مسؤولين بما يكفي كي لا نتلف كتابنا غير المغلّف. وكان جزءًا من الإحساس بالنضج ومن مناخ تربويّ مختلف في مراحل التعليم المختلفة. وللأمانة، بقيتْ آثار المرحلة الابتدائية، ولعلّها الذائقة المتكوّنة خلالها، فاستمررت بتجليد كتبي وقتها. وبقي الوضع على حاله خلال ثمانينيات القرن العشرين.
في مرحلة لاحقة، امتدّت بين النصف الثاني من تسعينيات الألفيّة الثانية ومنتصف العقد الثاني من الألفية الثالثة، عشتُ تجربة تجليد الكتب بصفتي أمًّا لتلميذ وتلميذات. كانت الأغلفة الورقيّة في هذه المرحلة التاريخيّة تباع في محلات الأدوات القرطاسية كجزء مكمّل لا غنى عنه للكتب المدرسية. لسنوات كنت أختار لابني وابنتي الأوليْن ما أستلطفه من أوراق التجليد، وأجهّز أغلفة كتبهما بالطقوس نفسها التي خبرتها تلميذةً: جلسة مع الأبناء والبنات على بلاط نظيف وفيه برودة، في الشهر الأشد حرًّا من السنة،ّ قُبَيْل “واحد تسعة” – (1/9). ذلك رغم آلام الظهر التي تتسبّبها طبيعة الجلسة وما تتطلبه من انكفاء إلى الأمام وقتًا طويلًا، بحسب عدد الأبناء والبنات في المدارس وعدد كتبهم/نّ، ورغم وفرة الطاولات البيتيّة. هكذا انتقل الطقس إلى جيل آخر.
حين التحقتْ ابنتي الثانية بالمدرسة وازداد عدد الكتب، وازدادت مسؤولياتي وأدواري الأكاديميّة والأسريّة، تولّت ابنتي الكبرى، وكانت في المرحلة الإعداديّة، مسؤولية التجليد. تعلّمتْها بالمراقبة خلال جلسات التجليد معي سنوات كافية، وعند توليها المهمّة زوّدتها بإرشادات توضيحيّة ورافقتها بتطبيق عمليّ. لكنّها بدورها فعّلتْ ملَكاتها في الأعمال اليدويّة التي أحبّتها، ودقّتها في التفصيل والتنفيذ، وذوقها، فتولّت بداية كلّ سنة تجليد كتب أخيها وأختيْها الصغيرتين بدّقة وذوق أرضياني، وأحيانًا وزّعت العمل على يومين أو أكثر، فالمهمة متعبة. وطرأ تحوّل حتّى على المفردات المستعملة في توصيف الممارسة والطقس. فهي بمعجميّة ابنتي، وأختيْها في أعقابها، “فعاليّة” التجليد، و”ورشة”.

تزامنت الوالديّة منذ منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة، مع تصاعد ثقافة الاستهلاك وازدهار المراكز التجاريّة في المدن اليهوديّة القريبة، الأمر الذي وسّع خيارات التسوّق لتجهيزات افتتاح السنة الدراسيّة برفقة الأبناء والبنات. وتباينت إتاحة الخيارات بين الأسر تبعًا لحالتها الماديّة، بما فيها امتلاك سيارة خصوصيّة، وظروف أسريّة. تراوحت مشترياتنا حينها بين “الأماني”، محلّ القرطاسية في الحارة، وبين كرافيتس، متجر القرطاسية في المجمع التجاري في إحدى المدينتين اليهوديتيْن القريبتين. وتولّى مرافقة بناتنا والدهن. مرة بالسنة.

ومع أنني عشت التجربة عن كثب في هذه المرحلة بصفتي أمًّا، إلّا أنني تحضيرًا لكتابة هذا الجزء، عدتُ إلى بناتي برسائل نصّية، وطلبت أن يكتبن ما لديهن من ذكريات حول التجليد. فجاءت ذكرياتهن جميلة حميمة تذيب فؤادي، وزوّدْنني بتفاصيل وهت من ذاكرتي بحكم الزمن، كاسم الشخصية المفضلة التي اخترنها لتجليدات كتبهن.

من أجل الطفولة والمراهقة، وبالأحرى لغرض التسويق، عملتْ شبكات القرطاسية المختلفة على تجهيز أوراق للتجليد تحمل صور شخصيّات خياليّة أو واقعيّة وموتيفات من عالم برامج الكرتون والصور المتحركة ومسلسلات الأطفال والناشئة (سوبرمان، سبايدرمان، باربي، شيكيتيتاس الإسبانية وغيرها). وكان تنوّعها أكبر في المتاجر اليهودية. وقد شكّل هذا معيارًا حازمًا للمسموح والممنوع بالنسبة لي، وحدّد لبناتي إمكانيّات الاختتيار: لا شخصيّات واقعيّة على أغلفة كتبنا، ولا هندام منافيًا لمفاهيمنا. يمكن اختيار شخصيّة كرتونيّة؛ ووقع اختيار صغيرتيّ على “الدّب بواه”، الشخصيّة الخياليّة، واتفقتا على لونين مختلفين.

منذ كبر أبني وبناتي ومع تقدّم السنوات، ابتعدتْ صلتي بأجيال الابتدائية، ولم أعد أواكب الظاهرة كما كنت. والحقيقة، كما أوضحت، أنّ هذا النصّ لا يستند إلى بحث بالمعنى التقليديّ، بل إلى نوع آخر من الكتابة ومواد أخرى. ومع ذلك، اهتممت بمتابعة التوجّهات المستحدثة بخصوص تجليد الكتب المدرسيّة.

تكشف التوجّهات التربويّة المستحدثة تحوّلات في التجليد أو عدمه، وفي نوعيّته ومواصفاته، وفي المنطق من ورائه. ثمّة توجّه، هو الأقوى، يُبقي على ضرورة تجليد الكتب للمحافظة عليها بوصفها مقتنًى شخصيًّا وعائليًّا، كما أوضحنا. ويضاف إلى ذلك، في حال استعارة الكتب المدرسيّة من دوائر خدمات الإعارة، الحفاظ عليها وإعادتها بعد الاستعمال كما كانت عند استلامها. ولا علم لي بوجود خدمات لإعارة الكتب المدرسيّة في البلدات العربيّة.

لكنّ التوجّه المستحدث لا يكتفي بضرورة التجليد، بل يحدّد مواصفاته أيضًا، وفي مقدّمتها أن تكون مادة التجليد شفّافة، بحيث تتيح للتلميذ/ة رؤية غلاف الكتاب الأماميّ والخلفيّ بكل تفاصيلهما: الرسومات، والعنوان، واسم المؤلف/ة، ومكان النشر، والناشر، وسنة النشر. وتتوفّر تفاصيل النشر الكاملة عادةً في الغلاف الداخليّ، بما فيها اسم المترجم/ة إذا كان الكتاب مترجمًا. فغلاف الكتاب، وفق هذا الفهم، جزء لا يتجزأ من الكتاب نفسه، ويحوي معلومات تشكّل عتبة الدخول إليه، وإلى المعرفة عنه وفيه. وقد طُلب من كل طالب إضافة اسمه، وصفه، ومدرسته على ملصق مخصّص لذلك – “طبعات”، يجري تغييرها عند انتقالها للأخ/ت التالي/ة، في حال لم يتغير المنهاج المدرسيّ.

كذلك تتيح التجليدات الشفّافة للتلميذ/ة التمييز بين الكتب بسهولة، وهو ما أعادني إلى معاناة جيلنا حين كانت الأغلفة تحجب ملامح الكتب، فيختلط علينا الأمر، فيحضر أحدنا/إحدانا كتابًا غير المقصود. يضع هذا الفهم المستحدث التلميذ/ة في المحور، فيسهّل عليه/ا التعرّف إلى كتابه/ا ويحميه/ا من مواقف محرجة.

وثمّة توجّه مستحدث يذهب أبعد من ذلك، فيدعو إلى التوقّف عن تجليد الكتب المدرسيّة. علاوة على الراحة التي توفّرها هذه التعليمات للأمهات والآباء، وللأخ أو الأخت الكبرى اللذين قد تقع عليهما مهمّة التجليد، فإنها تتيح للتلميذ/ة علاقة مباشرة بكتابه/ا: ملمسه، ورائحته، وتفاصيله الأخرى، وتلقي عليه/ا مسؤولية أكبر للحفاظ عليه.

تكشف هذه التحوّلات عن فهم تربويّ وبيداغوجيّ جديد لعلاقة التلميذ/ة بالكتاب. فالصورة أو اللوحة التي تتصدّر الغلاف، والمعلومات الببليوغرافيّة من عنوان واسم المؤلف/ة والمترجم/ة إن وجد/ت ومكان الصدور والجهة الناشرة وسنة الصدور ورقم الطبعة، ليست تفاصيل هامشيّة، بل عتبة للمعرفة بالكتاب، والدخول إليه، والتعامل معه. وهي تفاصيل ينبغي أن يوليها الأهل والمعلمات والمعلمون انتباهًا في حضرة التلميذات والتلاميذ منذ سنوات الدراسة الأولى، كي لا تباغتهنّ/م في السنة الأولى من الجامعة.

اللافت أنّ اللغة التي تستخدمها الجهات التي تحدّد التوجّهات التربويّة المستحدثة مختلفة، وإن بقيت الفكرة أو الهدف. فاللغة، كما التوجّهات التربويّة، متجدّدة هي الأخرى. ولذا نجد “الاستدامة” مصطلحًا حاضرًا في التعبير عن ضرورة الحفاظ على الكتاب، وهو ما عبّرنا عنه بلغة السبعينيات بالتدوير العفويّ، أو بانتقال الكتاب بين مستخدمين/ات كثر.

بيدَ أنّ أكثر ما أقلقني في أحاديثي ذات الصلة مساء أمس هو الإزاحة التي طرأت على الكتاب في مرحلة التعليم الثانويّ. ليس فقط أنّ التجليد غيرُ وارد بالكامل لأننا “بطّلنا صغار”، والمعلمات والمعلمون لا يرون هذا من وظيفتهم/نّ، بل إنّ الكتاب ليس موجودًا على مقعد الدراسة، ولا في حقيبة الطالب/ة. ونظرًا لارتباط جهاز تعليم العرب ببعض التجديدات التي تطرأ في جهاز التعليم العبري، فإن الأمر مقلق أكثر. إذ في الجهاز العبري، وتحسبًا لثقل وزن حقيبة التلميذ/ة تبقى الكتب في الصف. وفي عهد التكنولوجيا يُستعاض عنها بالتابلت وغيرها. وقد يكون الوضع نفسه في المدارس العربية في العقد الأخير، وإن هو تأخّر الوصول إليها، فهو في طريقه إلى هناك. وفي جزئيّة مختلفة ذات صلة، تشتري بعض الأمهات الشابات خدمات التجليد، بالاعلان عن حاجتهن بتأجير أخرى للقيام بذلك.

ختامًا، تُراوح المعطيات التي حاولت طرحها بين مركزيّة الكتاب وإزاحته. وهو سؤال أوسع وأعمق. لكنّ استمرار تجليد الكتب في المرحلة الابتدائيّة، مع التجديدات التي استُحدثت فيه، يكشف عن طقس اجتماعيّ له أبعاده الثقافيّة والاقتصاديّة والتربويّة، وعن ممارسة عائليّة ذات أبعاد قيميّة عالية، كما يكشف عن موقع للكتاب لا يُنازعه عليه اختراع آخر. ولعلّي أمنّي النفس بذلك.

سنة دراسيّة موفّقة،

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة