لو عُدتُ إلى الشَّباب لاخترتُ أنْ أكونَ معلّمًا

زهير دعيم

تاريخ النشر: 28/08/26 | 18:34

لو عاد بي الزمن إلى الوراء، وسألني أحدهم : أيَّ مهنةٍ تختار؟ لما ترددتُ لحظةً واحدة ، ولأجبتُ من أعماق القلب : أريد أن أكون معلّمًا…
نعم لو عُدتُ إلى الشباب ، لاخترتُ التعليم مرةً أخرى ، بكلّ ما فيه من تعبٍ ومسؤولية ، وبكل ما يُخبّئه من أفراحٍ لا يعرفها إلا من عاش بين الأطفال والشباب ، وحمَلَ رسالة التربية والتعليم في قلبه قبل أن يحملها في يده.
لقد أمضيتُ ما يقرب من أربعة عقود في رحاب المدرسة ، معلّمًا ومتعلّمًا من تلاميذي في الوقت نفسه . وكنتُ كلما دخلتُ الصف أشعر أنني أمام أمانةٍ كبيرة ، لا أمام مجموعةٍ من المقاعد والكتب والدفاتر.
كنتُ أمام قلوبٍ صغيرة تتفتح ، وعقولٍ تبحث عن النور ، وأرواحٍ تحتاج إلى كلمةٍ طيبة ، وإلى يدٍ تربّت عليها ، وإلى معلّمٍ يؤمن بها.
وهناك تعلّمتُ أن العطاء ليس للحجر، بل للبشر . فالحجر قد تبني به جدارًا ، أما الإنسان فتبني به حياةً كاملة . قد تنسى الأجيال كثيرًا من الدروس والقواعد ، لكنها لا تنسى معلّمًا أحبّها ؛ وأنا أشعر بها وأحسّها كلّما قابلني شابٌّ او صبية كان تلميذًا لي ، فراح يُذكّرني بالعطاء ويسرد لي ذكريات جميلة ما زالت تُكوكب في خياله .
زرعتُ كما زرع غيري من المعلّمين ، ما استطعتُ من محبة السماء في القلوب ، ومن الأخلاق والقيم والتربية قبل الحروف .
كنتُ أؤمن أن مهمتنا لا تنتهي عند تعليم القراءة والكتابة والحساب ، فالمعلّم الحقيقيّ لا يصنع طالبًا متفوّقًا في الامتحان فحسب ، بل يسعى إلى صناعة إنسانٍ صالحٍ يعرف الخير، ويحترم الآخر، ويحبّ وطنه ، ويمدّ يده للمحتاج ، ويعرف أن العلم بلا أخلاق قد يتحوّل إلى معرفةٍ باردة لا تنفع صاحبها ولا مجتمعه .
وليس غريبًا أن يُدعى الربُّ يسوع المسيح بالمعلّم . فقد دخل القلوب قبل أن يدخل الكتب ، وعلّم بالمحبة قبل الكلمات ، وبالقدوة قبل الموعظة . ولذلك ظلّ لقب ” المعلّم” من أجمل الألقاب التي ارتبطت به .
وإذا كان يسوع هو المعلّم الأروع ، فإنَّ كل معلّمٍ صادق إنما يحمل شيئًا من نور هذه الرسالة العظيمة حين يعلّم بمحبة ، ويُهذّب بحكمة ، ويزرع الخير في النفوس.
ومع اقتراب سنةٍ دراسية جديدة في بلادنا ، أتمنى أن نتوقف قليلًا لنسأل أنفسنا : هل أعطينا المعلّم حقّه ؟ وهل قدّرنا هذه المهنة كما تستحق؟!!
إن التعليم ليس مهنةً عابرةً تُؤدّى من أجل الراتب ثم تنتهي بانتهاء ساعات الدوام ؛ إنها رسالةٌ مقدسة ومسؤوليةٌ تجاه أجيالٍ ستصنع غدنا ، ولذلك فإنَّ المعلّم الذي يعشق مهنته ويخلص لها يستحق منا الاحترام والتقدير، لأنه لا يعلّم أبناءنا فقط بل يشارك في رسم ملامح المستقبل .
واليوم وأنا معلّمٌ متقاعد، أستطيع أن أقولها بكل فخر وطمأنينة : لم أندم يومًا أنني اخترت التعليم.
بل لو عاد بي العمر، وعاد بي الشباب، وعادت أمامي الطرق كلها مفتوحة ، لاخترتُ الطريق نفسه…
طريق المدرسة ، وطريق الطباشير وطريق التلاميذ ، وطريق العطاء.
فبعض المهن تمنحك راتبًا ، وبعضها تمنحك مكانة ، أما التعليم فيمنحك شيئًا أثمن من ذلك كله ؛ يمنحك فرصةً لأن تترك أثرًا في إنسان وأن تزرعَ في قلبه شيئًا قد يبقى معه طوال العمر .
وهل هناك أجمل من أن يعيش الإنسان… ليزرع …. ليزرعَ في تُربة النفوس ؟!!
فطوبى لكلِّ معلم باقٍ في الميدان يحمل الأمانة ، وتحية إجلال وإكبار لكلّ معلّمٍ متقاعد ما زال دفء التعليم ينبض في حنايا روحه . وكل عام وأنت بألف خير ، معلّمًا وخادمًا أمينًا للحقيقة والإنسان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة