الفَرْقُ بينَ الوَحيِ وتأويلِ البشرِ
الباحث: الدكتور رافع حلبي – دالية الكرمل.
تاريخ النشر: 27/08/26 | 10:16
يُشكِّلُ التَّمييزُ بينَ الوَحْيِ الإلهيِّ وتأويلِ الإنسانِ للنَّصِّ الدِّينيِّ إحدى أكثرِ القضايا المنهجيَّةِ حساسيَّةً في دراسةِ الدِّينِ وعلاقتِه بالإنسانِ والمجتمعِ، ذلكَ أنَّ الخلطَ بينَ ما هوَ إلهيٌّ وما هوَ بشريٌّ لا يقفُ عندَ حدودِ الخطأِ في الفهمِ، وإنَّما قد يتحوَّلُ إلى مصدرٍ لإنتاجِ سلطةٍ معرفيَّةٍ مغلقةٍ تدَّعي امتلاكَ الحقيقةِ المطلقةِ، ثمَّ تنسبُ إلى الوَحْيِ ما هوَ في حقيقتِه نتاجُ عقلٍ بشريٍّ محكومٍ بحدودِ الزّمانِ والمكانِ والثّقافةِ والمصلحةِ والسّياقِ التّاريخيِّ، ومن هنا تبرزُ ضرورةُ التّمييزِ بينَ النَّصِّ الإلهيِّ من حيثُ مصدرُه، وبينَ الفهمِ البشريِّ من حيثُ طبيعتُه، فالوَحْيُ، في التّصوُّرِ الدِّينيِّ، مصدرُه اللهُ تعالى، ومن ثمَّ فإنَّ نسبتَه إلى البشرِ أو مساواتَه بإنتاجِ العقلِ الإنسانيِّ تُفرغُ مفهومَ الوَحْيِ من دلالتِه التّأسيسيَّةِ، أمَّا الفهمُ والتّفسيرُ والتّأويلُ والاستنباطُ، فهيَ أفعالٌ معرفيَّةٌ بشريَّةٌ، يقومُ بها الإنسانُ بما يمتلكُه من أدواتٍ لغويَّةٍ وعقليَّةٍ وسياقيَّةٍ، ولذلكَ تظلُّ قابلةً للمراجعةِ والنّقدِ والتّصحيحِ وإعادةِ القراءةِ، وهنا تتجلَّى قاعدةٌ معرفيَّةٌ بالغةُ الأهميَّةِ: قداسةُ الوَحْيِ لا تستلزمُ قداسةَ كلِّ قراءةٍ بشريَّةٍ له، لأنَّ قداسةَ المصدرِ شيءٌ، وقدرةَ الإنسانِ على إدراكِ جميعِ دلالاتِ المصدرِ شيءٌ آخرُ، والخلطُ بينَ الأمرينِ هوَ الّذي يجعلُ بعضَ القراءاتِ التّاريخيَّةِ تبدو وكأنَّها أحكامٌ إلهيَّةٌ نهائيَّةٌ، مع أنَّها في حقيقتِها اجتهاداتٌ بشريَّةٌ تشكَّلت داخلَ ظروفٍ معرفيَّةٍ واجتماعيَّةٍ وتاريخيَّةٍ محدَّدةٍ، ولعلَّ القرآنَ نفسَه يؤسِّسُ لمبدأِ التّثبُّتِ المعرفيِّ وعدمِ اتِّباعِ ما لا يقومُ عليهِ علمٌ، فيقولُ سُبْحانَهُ تعالى:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِۦ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36].
فالآيةُ لا تضعُ الإنسانَ أمامَ مسؤوليَّةِ الإيمانِ فحسب، وإنَّما أمامَ مسؤوليَّةِ المعرفةِ ذاتِها، إذ تجعلُ السَّمعَ والبصرَ والفؤادَ موضعَ مساءلةٍ، بما يعني أنَّ الإنسانَ لا يُعفى من مسؤوليَّةِ الطريقةِ الّتي يتلقَّى بها المعلومةَ، ولا من الكيفيَّةِ الّتي يبني بها اعتقادَه، ولا من النّتائجِ الّتي يرتِّبُها على فهمِهِ وتأويلِهِ، ويزدادُ هذا المعنى وضوحًا في قولهِ سُبْحانًهُ تعالى:
﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِۦ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83].
واللافتُ في هذه الآيةِ أنَّها تُقرِّرُ وجودَ فعلِ الاستنباطِ بوصفِه نشاطًا معرفيًّا يقومُ بهِ أهلُ الاختصاصِ، وهوَ ما يؤكِّدُ أنَّ الانتقالَ من المُعطى إلى دلالتِه ليسَ انتقالًا آليًّا أو آنيًّا، بل هوَ فعلٌ يحتاجُ إلى علمٍ وفهمٍ وتمحيصٍ وقدرةٍ على إدراكِ الملابساتِ والدّلالاتِ، ومن هنا فإنَّ التّفسيرَ والتّأويلَ لا ينبغي أن يُفهما بوصفِهما امتلاكًا للنَّصِّ، وإنَّما بوصفِهما محاولةً إنسانيَّةً لفهمِ دلالاتِه ضمنَ حدودِ الطّاقةِ البشريَّةِ، إنَّ الخطورةَ الحقيقيَّةَ تبدأُ حينَ يُمحى هذا الحدُّ الفاصلُ بينَ الوَحْيِ وتأويلِه، فعندما يقولُ الإنسانُ: «هذا هوَ مرادُ اللهِ تعالى»، في موضعٍ لا يملكُ فيهِ إلا اجتهادَه الخاصَّ، فإنَّه قد ينقلُ رأيَه من دائرةِ الاجتهادِ إلى دائرةِ القداسةِ، ويمنحُ تفسيرَه سلطةً لا يملكُها في الأصلِ، وعندَها لا يعودُ الاختلافُ في التّفسيرِ اختلافًا معرفيًّا مشروعًا، بل يتحوَّلُ إلى صراعٍ بينَ من يزعمُ امتلاكَ الحقيقةِ ومن يُتَّهَمُ بالخروجِ عنها.
هذا الخلطُ هوَ أحدُ المداخلِ الّتي يمكنُ أن يتسرَّبَ منها التَّطرُّفُ إلى المجالِ الدِّينيِّ، إذ إنَّ المتطرِّفَ لا يحتاجُ دائمًا إلى اختراعِ نصٍّ جديدٍ، بل قد يكتفي باقتطاعِ نصٍّ صحيحٍ من سياقِه، ثمَّ تحميلِه دلالةً لا يحتملُها، ثمَّ تقديمِ تلك الدّلالةِ بوصفِها حقيقةً إلهيَّةً لا تقبلُ النّقاشَ، وهنا لا تكونُ المشكلةُ في الوَحْيِ، وإنَّما في المسافةِ الّتي تفصلُ الوَحْيَ عن القراءةِ الّتي أُسقطت عليهِ، ومن ثمَّ، فإنَّ نقدَ التَّأويلِ البشريِّ لا يعني بحالٍ من الأحوالِ نقدَ الوَحْيِ أو الانتقاصَ من مكانتِه؛ بل إنَّه، على العكسِ من ذلكَ، دفاعٌ عن الوَحْيِ ضدَّ اختطافِه بواسطةِ قراءاتٍ بشريَّةٍ تدَّعي التّحدُّثَ باسمِه، فكلَّما أصرَّ الإنسانُ على مساواةِ تفسيرِه بالنَّصِّ، ازدادَ خطرُ تحويلِ الدِّينِ من رسالةٍ مفتوحةٍ على الهدايةِ والقِيَمِ إلى منظومةٍ مغلقةٍ تُنتجُ اليقينَ القسريَّ وتُقصي المخالفَ، ومن هنا فإنَّ التَّأويلَ لا ينبغي أن يُرفضَ، وإنَّما ينبغي أن يُضبطَ، لأنَّ غيابَ التَّأويلِ ليسَ حلًّا، كما أنَّ إطلاقَه بلا ضوابطَ ليسَ حلًّا كذلكَ، المطلوبُ هوَ تأويلٌ يعترفُ بحدودِه، ويحتكمُ إلى اللغةِ والسّياقِ والمقاصدِ، ويُراعي وحدةَ النَّصِّ وتكاملَه، ولا يجعلُ من الجزءِ المعزولِ كلًّا مكتفيًا بذاتِه، ولا من القراءةِ التّاريخيَّةِ حقيقةً أبديَّةً، ولا من الاجتهادِ البشريِّ وحيًا إلهيًّا، وبذلكَ يصبحُ الفصلُ بينَ الوَحْيِ وتأويلِ البشرِ ضرورةً معرفيَّةً وأخلاقيَّةً في آنٍ واحدٍ، فهوَ من النّاحيةِ المعرفيَّةِ يحمي الحقيقةَ من أن تُختزلَ في قراءةٍ واحدةٍ، ومن النّاحيةِ الأخلاقيَّةِ يحولُ دونَ استخدامِ المقدَّسِ لتبريرِ إقصاءِ الإنسانِ أو امتهانِ كرامتِه أو ممارسةِ العنفِ ضدَّه، فالإنسانُ حينَ يؤوِّلُ النَّصَّ لا يصبحُ مالكًا للوَحْيِ، بل يصبحُ مسؤولًا عن قراءتِه، وعن النّتائجِ الّتي يترتَّبُ عليها فهمُه.
عليهِ، فإنَّ القاعدةَ الّتي ينطلقُ منها هذا المطلبُ هيَ أنَّ الوَحْيَ إلهيُّ المصدرِ، أمَّا فهمُه فبشريُّ الوسيلةِ، والوَحْيُ ثابتٌ في مصدرِه، أمَّا التَّأويلُ فمتغيِّرٌ في أدواتِه ونتائجِه، والوَحْيُ لا يُسألُ عن محدوديَّةِ الإنسانِ، أمَّا الإنسانُ فيُسألُ عن أمانةِ قراءتِه للوَحْيِ، ومن هذه القاعدةِ تحديدًا يمكنُ الانتقالُ إلى دراسةِ الكيفيَّةِ الّتي يتحوَّلُ بها التَّأويلُ، حينَ يفقدُ ضوابطَه العلميَّةَ والأخلاقيَّةَ، من وسيلةٍ لفهمِ النَّصِّ إلى وسيلةٍ لاختطافِه، ومن اجتهادٍ مشروعٍ إلى سلطةٍ تُصادرُ الاختلافَ، ومن قراءةٍ بشريَّةٍ محدودةٍ إلى خطابٍ يدَّعي أنَّهُ يمثِّلُ الإرادةَ الإلهيَّةَ بصورةٍ نهائيَّةٍ، وهنا تحديدًا تبدأُ المسافةُ الفاصلةُ بينَ التَّفسيرِ الذي يفتحُ آفاقَ الهدايةِ، والتَّأويلِ الذي يمكنُ أن يتحوَّلَ إلى أداةٍ لإنتاجِ التَّطرُّفِ واغتيالِ القِيَمِ الإنسانيَّةِ.