بين الذاكرةِ والمسار: همسةٌ إلى أبناءِ الهمّ الواحد
بقلم: فخري هوّاش
تاريخ النشر: 26/08/26 | 8:20
ليس هذا الحديثُ تقريعًا، ولا عتابًا يُراد به شقّ الصفّ أو النيلُ من أحد، بل هي همسةٌ في آذانِ بني جلدتنا، ممن يجمعنا وإياهم سقفُ الذاكرةِ الجمعية الواحدة، ووجعُ الحاضر، وحيرةُ المستقبل.
إنَّ الوقوفَ أمام الذات ومراجعة المسار السياسي بوعيٍ وتجرد، هما أسمى مراتب المسؤولية الأخلاقية والتاريخية. وحين نرفع شعار “حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا”، فإننا ننطلق من حرصٍ محض على الكرامةِ الجامعة، وعلى البوصلة التي يجب ألا تضلّ الطريق.
إن السؤال المفصليّ الذي نضعه اليوم أمام كلّ من منح صوته لمنصور عباس ولمشروعه النهجي، لا يتوقف عند تقييمِ منافع خدمة هنا أو ميزانية هناك، بل يتصل بالهوية والموقع التاريخي:
أولًا: الهوية الوطنية أم المواطنة الخدمية؟
هل اختار هذا النهج لجماهيرنا هوية “المواطن المطالب بالحقوق المدنية” على حساب “المواطن الأصيل صاحب القضية”؟ إن اختزال التواجد العربي في قواعد اللعبة بصفة “زبون” يطالب بالمشاريع، قد يمنح مكاسب آنية ومحدودة، لكنه يهدد بتجريد المجتمع من بعده الجماعي والوطني الراسخ.
ثانيًا: معادلة التأثير والتنازلات
لقد بُني النهج السياسي للقائمة الموحدة على فكرة “التأثير من داخل اللعبة”. وهنا يحقّ لكل منا أن يسأل بشفافية: ما هو الثمن الذي دُفع مقابل هذا التأثير؟ وهل أدى الصمت أو التراجع في الملفات المفصلية (كقضايا الأرض والمسكن والكرامة الوطنية) إلى إضعاف الموقف العام للجماهير العربية؟
ثالثًا: السقف السياسي والكرامة الجامعة
إن أخطر ما ينجم عن هذا المسار هو إعادة تعريف “السقف الممكن” للعرب داخل الدولة؛ فبدلًا من فرض الأجندة كقوة سياسية يحسب لها ألف حساب تحافظ على ثوابتها، تم القبول بفتات الميزانيات شريطة عدم تجاوز خطوط سياسية تُحددها المؤسسة الحاكمة.
رابعًا: النسيج الداخلي والمصير المشترك
لقد أسهم هذا الانزلاق في تعميق الانقسام الداخلي وتغذية الخطاب الذي يفضل المنافع الذاتية أو الفئوية الضيقة على الحسابات الوطنية الجامعة، مما أضعف حالة التضامن الكلي والعمل المشترك بين أبناء الشعب الواحد.
ختامًا.. المحاسبة والمسؤولية
المحاسبة هنا ليست موجهة لشخص، بل هي مراجعة شاملة لخياراتنا جميعًا:
● هل نريد أن نكون رقمًا عاديًا في معادلة سياسية تُدار بشرط سلبنا هويتنا ومواقفنا التاريخية؟
● أم أن حقوقنا اليومية والخدمية يجب ألا تُفصل بأي حال عن كرامتنا الوطنية والوجودية؟
إن مراجعة البوصلة ليست ضعفًا بل هي شجاعة، ورسالة واضحة بأن الصوت العربي ليس شيكًا على بياض، وأن أي مساس بالهوية الجامعة لقاء مكاسب وهمية هو رهانٌ تمسّ خسارتُه الأجيال القادمة بأسرها.
