كُنْ مع ذاتِكَ… ولا تَسمحْ لأحدٍ أن يُطفئَ نورَك…
د. رافع حلبي دالية الكرمل
تاريخ النشر: 25/08/26 | 20:05
بعضُ النّاسِ لا يريدونَ لكَ أن تُفكِّرَ، ولا أن تُبدعَ، ولا أن تكونَ كما أرادَ اللهُ لكَ أن تكونَ، لأنّهم يظنّونَ، وللأسفِ، أنّ الفكرَ والإبداعَ والحياةَ امتيازاتٌ حُصِرتْ فيهم، وأنّ للآخرينَ أن يعيشوا في المساحةِ التي يرسمونَها لهم، وأن يفكّروا بالعقلِ الذي يسمحونَ لهم أن يفكّروا به. وهؤلاءِ لا يزعجُهم أن تختلفَ عنهم فحسب، بل يزعجُهم أن تكونَ مستقلًّا في فكركَ، حرًّا في إرادتكَ، واثقًا بذاتكَ، قادرًا على أن ترى الحياةَ بعينيكَ لا بأعينِهم.
إنَّ الإنسانَ الذي يكتشفُ قيمةَ عقلِهِ، ويؤمنُ بقدرتِهِ على التعلُّمِ والإبداعِ، ويعرفُ أنّ بينَه وبينَ خالقِهِ صلةً لا تحتاجُ إلى وصايةِ أحدٍ، يصبحُ عصيًّا على أن يكونَ تابعًا أو نسخةً من غيرِهِ. فالرُّوحُ التي تتعلّقُ باللهِ لا تحتاجُ إلى وسيطٍ يحتكرُ عليها طريقَها إلى خالقِها، والعقلُ الذي أكرمَهُ اللهُ بنعمةِ التفكيرِ لا يجوزُ أن يتحوّلَ إلى مساحةٍ مستأجرةٍ في عقلِ الآخرينَ.
لقد وهبَ اللهُ تعالى لكلِّ إنسانٍ سرًّا من أسرارِ التكوينِ، ومنحَهُ قدراتٍ ومواهبَ واستعداداتٍ تختلفُ من إنسانٍ إلى آخرَ؛ وليسَ من العدلِ أن نحاولَ أن نُخضعَ هذه الاختلافاتِ لقالبٍ واحدٍ، أو أن نُقنعَ إنسانًا بأنّ قيمتَهُ لا تكونُ إلّا إذا أصبحَ صورةً عن غيرِهِ.
فكنْ أنتَ.
كُنْ مع ذاتِكَ، ومع عقلِكَ، ومع العلمِ، ومع الفكرِ السليمِ، ومع العملِ الصالحِ. لا تجعلْ أحدًا يصادرُ حقَّكَ في أن تسألَ، أو تتعلّمَ، أو تبحثَ، أو تبدعَ، أو تختارَ طريقَكَ في الحياةِ ما دمتَ لا تظلمُ أحدًا ولا تعتدي على حقِّ أحدٍ.
فوجودُنا في هذه الحياةِ ليسَ عبثًا، ووجودُ الإنسانِ على هذه الأرضِ ليسَ وجودًا بلا غايةٍ؛ لقد أكرمَنا اللهُ بنعمٍ لا تُحصى، ومنحَنا العقلَ والإرادةَ والقدرةَ على الاختيارِ والعملِ والعطاءِ، وجعلَ لكلِّ واحدٍ منّا مسؤوليةً في هذه الحياةِ، فلنحمدِ اللهَ على ما أعطانا، ولنعرفْ قيمةَ ما بينَ أيدينا، ولْنَقنعْ بما نملكُ من غيرِ أن نقتلَ طموحَنا؛ فالقناعةُ ليستْ استسلامًا للواقعِ، وإنّما هي أن تعرفَ قيمةَ ما عندكَ، ثم تنطلقَ منهُ نحوَ ما تطمحُ إليهِ.
اطمحْ، ولكن لا تطمعْ.
احلمْ، ولكن لا تظلمْ.
تقدّمْ، ولكن لا تدفعْ الآخرينَ إلى الخلفِ.
اصعدْ، ولكن لا تجعلْ صعودَكَ على حسابِ إنسانٍ آخرَ، فليسَ عظيمًا أن تصلَ وحدَكَ، وإنّما العظمةُ أن تصلَ وأنتَ قد أخذتَ بيدِ إنسانٍ آخرَ نحوَ النورِ، وإذا أردتَ أن تبلغَ شيئًا من السعادةِ، فلا تحاولْ أن تغيّرَ الناسَ جميعًا ليصبحوا كما تريدُ أنتَ؛ أحبِبْهم كما هم، واحترمْ اختلافَهم، واتركْ لكلِّ إنسانٍ مساحةً يعيشُ فيها إنسانيّتَهُ. فليسَ مطلوبًا من الناسِ أن يكونوا نسخًا متطابقةً منّا، وإنّما المطلوبُ أن نتعلّمَ كيفَ نعيشُ اختلافَنا بكرامةٍ، ونختلفُ دونَ أن نتحوّلَ إلى أعداءَ، وإن استطعتَ أن تُضحّي من أجلِ إنسانٍ يحتاجُ إليكَ، فضحِّ. وإن استطعتَ أن تساعدَ إنسانًا، فساعدْهُ. وإن استطعتَ أن تفتحَ أمامَهُ بابًا من أبوابِ المعرفةِ أو الأملِ أو الخيرِ، فلا تغلقْهُ في وجهِهِ.
اخدموا بعضَكم بعضًا، ولا تكونوا عائقًا في طريقِ بعضِكم بعضًا.
فالحياةُ أقصرُ من أن نُهدرَها في مراقبةِ الآخرينَ، وأجملُ من أن نحوّلَها إلى منافسةٍ مَرَضيّةٍ على المكانةِ والظهورِ. وما يرفعُ الإنسانَ حقًّا ليسَ أن يُسقطَ غيرَهُ، بل أن يساعدَهُ على الوقوفِ.
وتذكّروا دائمًا أنَّ اللهَ تعالى يرى ما لا يراهُ الناسُ، ويعلمُ ما تخفيهِ الصدورُ، وهو الرقيبُ والحسيبُ والمعينُ، فلا تجعلوا رضا الناسِ غايتَكم، ولا تجعلوا الخوفَ من أحكامِهم سجنًا لعقولِكم، ولا تسمحوا لأحدٍ أن يقنعَكم بأنَّ نورَكم يجبُ أن ينطفئَ كي يظلَّ نورُهُ وحدَهُ ظاهرًا.
السّماءُ واسعةٌ، ونورُ اللهِ أوسعُ، والعقولُ حين تتحرّرُ من الخوفِ قادرةٌ على أن تصنعَ ما يتجاوزُ حدودَ الممكنِ.
كونوا مع اللهِ، وكونوا مع العقلِ، وكونوا مع العلمِ، وكونوا مع الإنسانِ، وكونوا مع الخيرِ حيثُ كان، واعلموا أنّ أجملَ ما يمكنُ للإنسانِ أن يتركَهُ خلفَهُ ليسَ ما امتلكَهُ، بل ما أعطاهُ؛ وليسَ عددَ الذينَ خافوا منهُ، بل عددَ الذينَ شعروا بالأمانِ بقربِهِ؛ وليسَ مقدارَ ما أخذَهُ من الحياةِ، بل مقدارَ ما أضافَهُ إليها.
امضوا في طريقِكم بقلوبٍ مطمئنّةٍ، وعقولٍ حرّةٍ، وأيادٍ ممدودةٍ للخيرِ، واجعلوا علاقتَكم باللهِ مصدرَ قوّتِكم، لا سببًا لوصايةِ بعضِكم على بعضٍ، فاللهُ تعالى وهبَ الإنسانَ عقلًا ليُفكّرَ، وروحًا ليَرتقيَ، وإرادةً ليختارَ، ويدًا ليَعملَ، وقلبًا ليَرحمَ، فلا تُفرّطوا في شيءٍ من هذه النِّعَمِ.
