ماذا بقي من الإنسان الذي بناه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؟

الدكتورة فاطمة أبو واصل إغبارية

تاريخ النشر: 24/08/26 | 21:00

في كل عام يعود إلينا ذكر مولد النبي محمد صلوات الله. وسلامه عليه فتتجدد الكلمات، وتتكرر العبارات، وتُستعاد صفحات من السيرة. نقرأ عن نسبه، وطفولته، وبعثته، وأخلاقه، ورحمته، وجهاده، وما أحدثه في تاريخ البشرية.

لكن ثمة سؤالًا آخر، ربما يكون أكثر إلحاحًا من كل ما قيل:

ماذا بقي من الإنسان الذي بناه سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم ؟

فالمشكلة ليست في أن السيرة لم تُروَ، ولا في أن فضائل النبي صلى الله عليه وسلم لم تُذكر؛ فقد حفظت الأمة سيرته، ونقلت سنته، واعتنت بشمائله عناية لا تكاد تضاهيها عناية أمة بسيرة نبيها. وإنما السؤال: هل انتقلت القيم التي حملتها الرسالة من الكتب إلى الإنسان، ومن الذاكرة إلى السلوك، ومن الاحتفاء إلى الحياة؟

إن مولد النبي صلوات الله وسلامه عليه ليس مناسبة لاستحضار الماضي فحسب، بل فرصة لإعادة النظر في الحاضر.

من الإنسان الذي كان إلى الإنسان الذي ينبغي أن يكون
حين جاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم برسالته، لم يكن التغيير الذي أحدثه مجرد انتقال في بعض العادات أو إصلاح في بعض السلوكيات؛ بل كان بناءً جديدًا للإنسان على أساس التوحيد والكرامة والمسؤولية.

لقد أعاد الإسلام ترتيب العلاقة بين الإنسان وربه، وبين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان والآخر. فلم تعد قيمة الإنسان قائمة على نسبه أو ماله أو قوته، وإنما على ما يحمله من تقوى ومسؤولية وعمل صالح.

ومن هنا كان بناء الإنسان سابقًا على بناء المجتمع.
فالرسالة لا تستطيع أن تصنع حضارة بإنسان مهزوم من الداخل، ولا أن تقيم عدلًا بإنسان يستعمل القوة لمصلحته، ولا أن تجعل العلم سبيلًا إلى الإصلاح إذا انفصل العلم عن الأخلاق.

ولهذا فإن السؤال عن النبي صلى الله عليه وسلم لا ينبغي أن ينتهي عند: ماذا قال؟ وماذا فعل؟ بل ينبغي أن يمتد إلى سؤال أكثر عمقًا:

أي إنسان أراد أن يصنع؟

لم يبنِ تابعًا… بل بنى إنسانًا مسؤولًا

من أبرز ما تكشفه السيرة النبوية أن الإنسان في التصور الإسلامي ليس كائنًا بلا مسؤولية ينتظر من يقوده في كل شيء.

لقد ربّى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على تحمل المسؤولية، وعلى الصدق، والأمانة، والشجاعة، والصبر، والرحمة، وعلى إدراك أن الإيمان ليس كلمات تُقال، بل حقيقة تظهر آثارها في العمل.

ومن هنا نفهم أن الاقتداء بالنبي صلوات الله وسلامه عليه لا يعني استحضار صورته في الذاكرة فقط، وإنما استحضار منهجه في التعامل مع الحياة.

فقد يكون الإنسان كثير الحديث عن أخلاق النبي صالى الله عليه وسلم ، ولكنه يظلم من حوله.

وقد يتحدث طويلًا عن رحمته صلوات الله وسلامه عليه ، لكنه يعجز عن الرحمة في بيته.

وقد يكثر من الصلاة والسلام عليه، ثم يجعل الكلمة وسيلة للإيذاء والتشهير والاحتقار.

وهنا تظهر المسافة بين معرفة السيرة والعيش بقيم السيرة.

من العصبية إلى الأخوة الإنسانية
كان المجتمع الذي بعث فيه النبي صلى الله عليه وسلم يعيش انقسامات عميقة، وكانت العصبية والانتماءات الضيقة من القوى المؤثرة في العلاقات بين الناس.

فجاء الإسلام ليعيد بناء الإنسان على معيار مختلف.

لم تعد القبيلة هي القيمة العليا، ولا اللون، ولا المال، ولا القوة، وإنما أصبح الإنسان مسؤولًا أمام الله عن عمله، وأصبح التفاضل مرتبطًا بالتقوى.

وهذه ليست قضية تاريخية انتهت بانتهاء العصر النبوي.

فالعصبية يمكن أن تتغير أشكالها، لكنها لا تختفي بسهولة.

قد تكون عصبية للقبيلة، أو للعائلة، أو للجماعة، أو للمنطقة، أو للغة، أو للفكر، بل قد تتحول في عصرنا إلى عصبية رقمية يمارسها الإنسان خلف شاشة، فيمنح نفسه الحق في إهانة الآخرين لمجرد اختلافهم معه.

وهنا يعود السؤال النبوي إلى حاضرنا:
هل تجاوزنا العصبية، أم أننا أعَدْنا إنتاجها بأسماء جديدة؟

الرحمة ليست ضعفًا

من أكثر المعاني حضورًا في شخصية النبي صلى الله عليه وسلم الرحمة.

والرحمة في المنظور النبوي ليست حالة عاطفية عابرة، بل خلق ينعكس على الإنسان في موقفه من الضعيف، والمحتاج، والمخطئ، والقريب، والغريب.

وفي عالمنا المعاصر، الذي أصبح فيه الإنسان قادرًا على إيذاء غيره بكلمة تصل إلى آلاف الأشخاص في لحظة واحدة، تصبح الرحمة أكثر ضرورة لا أقل.

لقد أتاحت التقنية للإنسان قوة غير مسبوقة في النشر والتأثير، لكنها لم تمنحه بالضرورة حكمة استخدام هذه القوة.

وهنا نحتاج إلى استعادة سؤال أخلاقي عميق:

قبل أن أسأل: هل أستطيع أن أقول؟ هل ينبغي أن أقول؟

فليس كل ما نستطيع نشره يستحق أن يُنشر، وليس كل ما نعرفه يحق لنا أن نحوله إلى أداة لإيذاء الآخرين.

وهذه واحدة من المساحات التي يمكن أن تتحول فيها السيرة النبوية من معرفة تاريخية إلى بوصلة أخلاقية في العصر الرقمي.

العلم الذي يبني الإنسان
لم تكن الرسالة المحمدية مشروع جهل أو انغلاق، بل فتحت للعلم والمعرفة والتفكر آفاقًا واسعة، وربطت المعرفة بالمسؤولية.

لكن المعرفة وحدها لا تكفي.

فالإنسان قد يمتلك علمًا واسعًا، ثم يستخدمه في الظلم.

وقد يمتلك قدرة تقنية هائلة، ثم يوظفها في التضليل.

وقد يمتلك لغة قوية، ثم يستخدمها في تحطيم الآخرين.

لذلك فإن القضية ليست: كم نعرف؟

بل أيضًا:

ماذا نصنع بما نعرف؟

وهذا السؤال بالغ الأهمية في عصر الذكاء الاصطناعي؛ إذ أصبحت البشرية تمتلك أدوات معرفية وتقنية تتجاوز ما كان متاحًا للأجيال السابقة، وأصبح الخطر ليس في نقص المعلومات فقط، وإنما في انفصال القدرة عن المسؤولية.

ومن هنا يمكن أن يكون الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم في عصرنا هو أن نعيد وصل المعرفة بالأخلاق، والقدرة بالمسؤولية، والقوة بالرحمة.

ماذا بقي إذن؟
=========
بقي الكثير، ما دامت سنة النبي صلوات الله وسلامه عليه محفوظة، وسيرته مدروسة، وصلاته عليه حاضرة في قلوب المؤمنين وألسنتهم.
لكن السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا بقي في الكتب؟

بل:

ماذا بقي فينا؟

هل بقي الصدق حين أصبح الكذب أكثر سهولة؟

هل بقيت الأمانة حين أصبح الوصول إلى المعلومة أسرع من القدرة على التحقق منها؟

هل بقيت الرحمة حين أصبح الحكم على الآخرين يتم في ثوانٍ؟

هل بقي العدل حين يكون الإنسان عادلًا مع من يحب، وقاسيًا مع من يختلف معه؟

هل بقي التواضع حين منحتنا المنصات الرقمية مساحة واسعة لعرض ذواتنا؟

هل بقيت المسؤولية حين يستطيع الإنسان أن يؤذي شخصًا لا يعرفه بكلمة واحدة؟

هذه الأسئلة لا تنتقص من محبتنا للنبي صلى الله عليه وسلم ، بل ربما تكون من أكثر الأسئلة صدقًا في التعبير عن تلك المحبة.

المولد الذي لا ينتهي بانتهاء اليوم
-============
قد ينتهي يوم المولد، وتنتهي المنشورات والعبارات والاحتفالات، لكن أثر الرسالة لا ينبغي أن ينتهي.
فالاحتفاء الحقيقي ليس أن نضيف مناسبة إلى التقويم، وإنما أن نضيف خلقًا إلى حياتنا.

أن يصبح الصدق ممارسة. والرحمة سلوكًا. والعدل موقفًا.
والعلم مسؤولية. والاختلاف أدبًا. والقوة أمانة. واللغة بناءً لا هدمًا.

عندها فقط تتحول السيرة من صفحات نقرأها إلى قيم نعيشها.

كلمة أخيرة

لم يأتِ نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ليبقى في الذاكرة وحدها، بل جاء برسالة هداية باقية، قال الله تعالى:

﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين﴾.

ولهذا فإن أجمل ما يمكن أن نسأله في ذكرى مولده صلوات الله وسلامه عليه ليس: كم كتبنا عنه؟

بل:

كم غيّر فينا؟

فربما كان أعظم وفاء لسيرته أن نعيد اكتشاف الإنسان الذي أرادت الرسالة أن تبنيه: إنسانًا موحدًا، صادقًا، أمينًا، رحيمًا، عادلًا، مسؤولًا، يحفظ كرامة الإنسان، ويجعل من علمه وعمله وأخلاقه طريقًا إلى الخير.

وحين نبحث عن ذلك الإنسان في أنفسنا، تصبح ذكرى المولد أكثر من ذكرى.

تصبح دعوة إلى أن يولد فينا من جديد الإنسان الذي أراد سيدنا محمد صلوات الله وسلامه عليه أن يبنيه.

وهنا لا يعود السؤال: ماذا بقي من الإنسان الذي بناه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ؟

بل يصبح السؤال الذي ينبغي أن نحمله معنا بعد انتهاء المناسبة:

ماذا سنُبقي نحن من هذا الإنسان في العالم الذي نعيش فيه؟

كل ذكرى لمولد نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم وانتم بخير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة