أبو سعود الأسدي: قيثارة الجليل وشاهد النكبة الشفاهي
بقلم: فخري هوّاش
تاريخ النشر: 24/08/26 | 8:43
في تاريخ الشعر الشعبي الفلسطيني، يقف الشاعر محمد أبو سعود الأسدي (ابن قرية دير الأسد الجليلية) كأحد أبرز قامات “الحدادي” والزجل والقول المرتجل، الذين لم يتخذوا من الكلمة مجرد أداة للتسلية أو الطرب، بل جعلوا منها وثيقة تاريخية حية، وسجلاً إنسانياً يحفظ جغرافية الأرض وهويتها من الاندثار.
النشأة والمولد
نشأ الشاعر أبو سعود الأسدي في أحضان قرية دير الأسد الشامخة على سفوح جبال الشاغور في الجليل الأعلى. ترعرع في بيئة قروية جليلية أصيلة تزخر بالموروث الشفاهي، والقصص الملحمية، والمناسبات الاجتماعية التي كانت ميداناً حياً للمساجلات الشعرية.
تأثر الأسدي بطبيعة أرضه وبالموروث الغنائي الشامي والفلسطيني؛ فصقل موهبته الفطرية في الميادين والموالد والأعراس، ليتحول مع الوقت إلى حكواتي وشاعر شعب، يمتلك قدرة فائقة على ارتجال المعاني ورصف القوافي بلغة بيضاء تجمع بين جزالة الفصحى وبساطة وعمق اللهجة المحكية.
الفن الشعبي والنبرة الزجلية
تميز فن أبو سعود الأسدي بالعديد من الخصائص التي جعلت منه علامة فارقة في الشعر الشعبي:
● إتقان ألوان القول: أجاد ألوان الزجل المتنوعة من “المعنّى”، و”المثمن”، و”الشروقي”، و”الحدادي”؛ وهو اللون الذي يعتمد على النفس الطويل والقافية المركبة والمرونة الإيقاعية.
● الذاكرة الجغرافية الفولاذية: تميز بقدرته العجيبة على استحضار أسماء القرى، والأودية، والجبال، وعائلات المنطقة في أبيات متناسقة دون اختلال في المعنى أو الوزن.
● التوثيق الاجتماعي: لم يقتصر شعره على الغزل أو الفخر التقليدي، بل رصد تفاصيل الحياة اليومية، ككرم الضيافة، ومواسم الحصاد، والعلاقات الاجتماعية بين أهالي القرى الجليلية.
قصيدة “يا عين ابكي” (1969).. معلقة الأرض والوطن الشاهدة على العصر
تُعدّ قصيدة “يا عين ابكي” (المؤرخة في دير الأسد عام 1969) الملحمة الأبرز في مسيرته، والأيقونة الوطنية التي اختزلت مأساة النكبة وما تلاها من تحولات جغرافية وسياسية. ونظراً لبنيتها الفنية الفريدة وجسارتها التوثيقية، تتبوأ هذه القصيدة موقعاً استثنائياً كـ “معلقة الأرض والإنسانية ومعلقة الوطن”؛ فهي تستهل بالبكاء على الأطلال كالمعلقات الكلاسيكية، ثم تتدرج إلى الأحبة والقرى وساكنيها وصولاً إلى تراب الأرض والختام الإيماني الشامل.
تتجلى أبعاد هذه القصيدة المعلقة في أربعة محاور توثيقية رئيسية:
● المسح الجغرافي الشامل: استعراض عشرات القرى والمدن (عكا، صفد، ترشيحا، الكويكات، عمقة، صفورية، حطين، إلخ) لحفظ أسمائها في الذاكرة الجمعية.
● الربط التاريخي: استحضار تاريخ عكا الصامد ضد الغزاة (مثل حملات ريكاردوس قلب الأسد وأحمد باشا الجزار) للمقارنة بين أمجاد الماضي وواقع النكبة.
● رصد أدق تفاصيل النكبة: التوثيق الميداني للدمار (مثل الإشارة لقصف ترشيحا: ترشيحا طارت عليها ثلاث طيارات / ما تم فيها حجر راكب على الثاني).
● البعد الإنساني والإيماني: البكاء على اللجوء وفقدان الأحبة والرفاق، وختام القصيدة بنبرة تسليم بالقدر ورجاء المغفرة.
قراءة في عمق الأيقونة: المعلقة المعاصرة
لم تكن “يا عين ابكي” مجرد مرثية بكائية، بل كانت معلقة وطنية بامتياز؛ ففي زمنٍ تلا عام 1948 وشهد محواً وتغييراً لأسماء معالم الأرض، جاءت قصيدة شاعرنا الأسدي لتثبت المسميات الأصلية للوديان والجبال والقرى المهجرة.
إن استخدامه للغة “الحدادي” الموزونة ومزجها بأسماء الأماكن جعل من السهل حفظ القصيدة وتداولها شفاهاً بين الأجيال، لتصبح وثيقة تاريخية تحفظ الهوية وتلخص تجربة وطنٍ في قصيدة تليق بأن تُعلّق في أفئدة الأجيال وذاكرة التاريخ.
خاتمة: في شرعية الوصف ورسوخ المعنى
قد يقول البعض إنني بالغتُ حين وصفتُ زجلية الشاعر بـ “معلقة الوطن”، لكن العين الثاقبة التي تلامس القصيدة ذهنياً وجمالياً — من حيث المبنى والمعنى — تجد فيها:
● في المبنى: هندسةً شعرية متماسكة، تستهل البكاء على الأطلال بلغة “الحدادي” الموزونة، وتنساب بنفسٍ طويل يربط الديار بالساكنين، ويبني صرحاً زجلياً يعيد لعرش القول المرتجل هيبته وأصالته.
● في المعنى: تحمل القصيدة معاني وجدانية وتاريخية حية، لا تتوقف عند رثاء الحجر، بل تُحيي ذاكرة الأرض، وتُثبت مسميات القرى والوديان، وتنسج من آهات النكبة ميثاق وفاءٍ إنساني يمتد من تراب الجليل إلى أقصى حدود الذاكرة الجمعية.
إنها ليست مجرد أبياتٍ تُقال في المناسبات، بل هي سجلّ كينونة ووثيقة وجود؛ ولهذا تحديداً، لم تكن “معلقة الوطن” مجرد مجازٍ عابر، بل كانت التسمية الأصدق لقصيدةٍ عُلّقت في أفئدة الناس وظلت حية على ألسنتهم وتستحق ان تعلق جدارية في كل صرح وطني ثقافي.
*نسخة للقصيدة

