من يكتب اليوم التالي لفلسطين؟
بقلم رانية مرجية
تاريخ النشر: 23/08/26 | 22:33
ليس السؤال الأصعب اليوم: من سيدير غزة؟
السؤال الأصعب هو: من يكتب اليوم التالي لفلسطين؟
قد يبدو السؤالان متشابهين، لكن بينهما مسافة سياسية وإنسانية واسعة. فإدارة غزة تتعلق بالحكم والإعمار والأمن والمؤسسات. أما كتابة اليوم التالي لفلسطين، فتعني شيئاً أكبر: من يحدد شكل الأرض؟ ومن يرسم حدود القرار؟ ومن يقرر إن كانت غزة ستعود إلى مشروع وطني فلسطيني واحد، أم تتحول إلى ملف منفصل عن الضفة والقدس؟
في هذا السؤال تكمن المعركة التي ربما لا تحظى بالقدر الكافي من الانتباه.
فبينما تتجه أنظار العالم إلى غزة، لا تتوقف الوقائع في الضفة والقدس عن التغير. الاستيطان يتقدم، والجغرافيا تضيق، والقدس تواجه ضغوطاً متصاعدة، فيما يتواصل النقاش حول مستقبل القطاع ومن سيديره وكيف ستتم إعادة إعمار ما دمرته الحرب.
كأن فلسطين تقف أمام مسارين في الوقت نفسه: مسار يحاول إعادة بناء ما هدمته الحرب، ومسار آخر يحاول إعادة تعريف المكان نفسه.
وهنا ينبغي أن نسأل بصراحة:
هل نحن أمام إعادة إعمار غزة فقط، أم أمام إعادة رسم لفلسطين؟
في غزة، إعادة الإعمار ضرورة إنسانية لا تحتمل التأجيل. لكن إعادة بناء البيوت والمدارس والمستشفيات والشوارع لا يمكن فصلها عن سؤال أكبر: من سيعيد بناء المؤسسات؟ من سيضمن وحدة القرار؟ ومن سيمنع أن تتحول غزة، بعد كل ما دفعته، إلى كيان منفصل سياسياً عن بقية فلسطين؟
فإعادة الإعمار ليست إسمنتاً وحديداً فقط.
إنها اقتصاد ومؤسسات وأمن وتعليم وحياة سياسية.
ولهذا فإن من يضع تصوراً لإعمار غزة يضع، بصورة أو بأخرى، تصوراً لجزء من مستقبل فلسطين.
وهنا تصبح التأكيدات الفلسطينية والمصرية على وحدة الأراضي الفلسطينية ذات دلالة تتجاوز اللغة الدبلوماسية. فغزة، وفق هذا التصور، ليست قضية إنسانية منفصلة، والضفة ليست ملفاً أمنياً منفصلاً، والقدس ليست قضية يمكن تأجيلها إلى أن تنتهي كل الأزمات.
فلسطين ليست مجموعة ملفات.
غزة ليست جزيرة.
والضفة ليست مساحة انتظار.
والقدس ليست صورة نرفعها في المناسبات ثم نغيب عنها حين تبدأ الوقائع بتغيير ملامحها.
المشكلة أن التعامل مع القضية الفلسطينية على شكل ملفات منفصلة قد يبدو أسهل سياسياً، لكنه أخطر وطنياً.
فحين تصبح غزة ملفاً، والضفة ملفاً، والقدس ملفاً، يصبح من السهل في النهاية أن تضيع فلسطين بين الملفات.
وهنا تقع مسؤولية الفلسطينيين قبل غيرهم.
ليس المطلوب أن يتفق الفلسطينيون على كل شيء.
الوحدة الوطنية لا تعني أن يتشابه الفلسطينيون في السياسة؛ تعني ألا يتحول اختلافهم إلى فرصة لغيرهم كي يقرروا شكل وطنهم.
وهذه ربما هي المعادلة الأصعب والأكثر إلحاحاً.
فالخلاف السياسي يمكن حله بالحوار، وبالانتخابات، وبإصلاح المؤسسات، وبإعادة بناء الثقة بين المواطن والقيادة. أما خسارة الأرض أو تكريس الانقسام الجغرافي، فليست مشكلة يمكن إصلاحها بقرار سياسي سريع.
لقد طال الانقسام الفلسطيني أكثر مما ينبغي.
ولم يعد السؤال من كان على حق في بدايته، بل: من سيدفع ثمن استمراره؟
الفلسطيني العادي هو الذي يدفع.
يدفع في غزة حين يفقد منزله وأمانه.
ويدفع في الضفة حين تصبح أرضه مهددة.
ويدفع في القدس حين يشعر أن مدينته تُعاد صياغتها من حوله.
وفي كل مرة يتعمق فيها الانقسام، يصبح الفلسطيني أقل قدرة على مواجهة واقع أكبر منه.
لهذا فإن تجديد الشرعية الفلسطينية ليس ترفاً سياسياً، والإصلاح ليس مطلباً شكلياً، والانتخابات ليست مجرد موعد على جدول سياسي.
إنها فرصة لاستعادة علاقة فقدت الكثير من الثقة بين المواطن ومؤسساته.
لكن الشرعية وحدها لا تكفي.
نحن بحاجة إلى مشروع سياسي واضح يقول للفلسطيني أين تتجه قضيته، لا مجرد مؤسسات تدير تفاصيل حياته اليومية.
العالم يستطيع أن يقدم المال والخطط والوسطاء.
يمكنه أن يساعد في الإعمار، وأن يقترح ترتيبات أمنية، وأن يدعم المؤسسات.
لكن العالم لا يستطيع أن يكون بديلاً عن الفلسطيني في تحديد مستقبله.
الدور العربي والدولي يصبح أكثر قيمة عندما يساعد الفلسطينيين على استعادة قرارهم، لا عندما يتحول، ولو بحسن النية، إلى وصاية عليهم.
وهذا لا يعني رفض الدعم الخارجي.
بل يعني أن يكون الدعم جسراً إلى القرار الفلسطيني، لا بديلاً عنه.
لأن الخطر الحقيقي في المرحلة المقبلة ليس فقط أن تتأخر إعادة إعمار غزة.
الخطر أن تنجح ترتيبات ما بعد الحرب في فصل ما لا ينبغي فصله: غزة عن الضفة، والضفة عن القدس، وإعادة الإعمار عن المشروع السياسي، والسلطة عن الشرعية الشعبية.
وفي الوقت الذي يُناقش فيه مستقبل غزة، تستمر على الأرض مشاريع وسياسات تهدد إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة وقابلة للحياة.
وهنا يصبح السؤال أكثر إيلاماً:
كيف نتحدث عن دولة فلسطينية بينما يجري تغيير شروط قيامها على الأرض؟
وكيف نتحدث عن «اليوم التالي» إذا كان هناك من يعمل، في الوقت نفسه، على تغيير شكل هذا اليوم قبل أن يصل؟
لهذا فإن المعركة السياسية القادمة لن تكون فقط حول من يدير غزة.
ستكون حول من يملك حق تعريف فلسطين.
هل هي غزة والضفة والقدس ضمن مشروع وطني واحد؟
أم مجموعة مساحات منفصلة، لكل منها ترتيباتها وحساباتها؟
بالنسبة إلى الفلسطيني، الإجابة ليست معقدة كما تبدو في غرف السياسة.
البيت الذي تهدم في غزة، والأرض التي تصادر في الضفة، والبيت المقدسي المهدد، ليست ثلاث قضايا مختلفة.
إنها أجزاء من حياة واحدة.
وهذا ما يجب ألا ننساه وسط كل الخرائط والمفاوضات والخطط.
فلسطين بالنسبة إلى أهلها ليست ملفاً تفاوضياً.
هي البيت.
وهي الذاكرة.
وهي الأرض التي يريد أب أن يورثها لابنه، لا خريطة تتغير كلما تغيرت موازين القوة.
ومن هنا، فإن «اليوم التالي» يجب ألا يبدأ بسؤال: من يحكم غزة؟
بل بسؤال أعمق:
كيف يستعيد الفلسطينيون قدرتهم على حكم مستقبلهم؟
الإجابة لن تكون سهلة.
ستحتاج إلى وحدة وطنية حقيقية، ومؤسسات أكثر فاعلية وشرعية، وانتخابات نزيهة، ورؤية سياسية تتجاوز إدارة الانقسام إلى إنهائه، وتمسك واضح بوحدة الأرض الفلسطينية.
لكن البديل أخطر.
البديل أن تتحول كارثة الحرب إلى فرصة لإعادة هندسة القضية الفلسطينية بعيداً عن أصحابها.
أن تُبنى غزة، لكن من دون أن تعود إلى فلسطين.
أن تبقى الضفة، لكن من دون أن تبقى متصلة في المعنى والجغرافيا بالمشروع الوطني.
أن تبقى القدس في الخطاب، بينما تتغير الوقائع من حولها.
هذا هو السيناريو الذي يجب ألا نسمح له بأن يصبح أمراً واقعاً.
فغزة تحتاج إلى أن تُبنى.
والضفة تحتاج إلى أن تُحمى.
والقدس تحتاج إلى أن تبقى في قلب المشروع الوطني.
وفلسطين كلها تحتاج قبل ذلك إلى أن تستعيد بوصلتها.
لقد دفع الفلسطينيون من دمهم وبيوتهم وأعمارهم ما يكفي.
ولذلك لا ينبغي أن يكون «اليوم التالي» مجرد يوم لإحصاء الخسائر وإعادة بناء الحجر.
ينبغي أن يكون بداية لاستعادة المعنى.
معنى أن الفلسطينيين شعب واحد.
وأن اختلافهم السياسي لا يبرر تفكيك وطنهم.
وأن الدعم الدولي لا يعني الوصاية.
وأن إعادة الإعمار ليست بديلاً عن الحل السياسي.
وأن السلام الحقيقي لا يمكن أن يقوم على إدارة الفلسطينيين بدلاً من تمكينهم.
قد يستطيع الآخرون أن يقترحوا شكل اليوم التالي.
وقد يستطيعون أن يمولوه أو يفاوضوا عليه أو يضعوا خرائطه.
لكن فلسطين لا ينبغي أن تُكتب من دون الفلسطينيين.
هذه ليست مسألة غزة وحدها.
إنها مسألة فلسطين كلها.
ومن حق شعب دفع هذا الثمن كله أن يكون هو من يكتب الصفحة التالية من تاريخه.
