نموت ونموت .. ولكن دوماً نعود
يوسف جمّال - عرعرة
تاريخ النشر: 23/08/26 | 22:32
أنا وأنت يا بلادي
نموت ونحيا
ونبقى
نموت ونموت
ونبقى
وفي كلِ مرة نحيا من جديد
ونبقى
في حياتنا الأولى أحيينا الأرض الحبلى
فولدت بيادر قمح
وكروم زيتون
وعناقيد عنب
وتشققات يديّ أبي
وجرة أمي
*************
نحن هنا منذ الإنسان الأوّل
عاصرنا الروم والتاتار
وحرب الفجار
نلقِّط التين والمُرّار
ونتدفأ على لهيب الجمار
وحفرنا الحروف على جدران الكهوف
وبنينا السناسل على منحدرات
جبل الزيتون
وعاصرنا الروم والتاتار
وساكني أحواض الأنهار
***********
وفي موتنا ..
تحوّلنا الى تراب
وقصائد رثاء
وأصوات دفوف السائرين
في الجنازات
صفوف صفوف .. صفوف
و ذكريات ومقابر
منسيّة على الرفوف
تنتظر
عودة الربيع من جديد
فتنبت أزاهير البابونج
على السقوف
وتلد دالياتنا القطوف
*****
عندما تجفِّ لواعج حبّنا
تتسامى
فتتحوَّل الى غيمات
تسقط مطراً يحيي الكائنات
و تسقي هديل الحمامات
ومرح الطفلات
وتحلم مع مزمار المزاريب
في الليالي المظلمات
و وترقص على ربابة الريح
المنسحبة الى هجيع أواخر الليلات
*********
في كلِّ ميلاد لنا
نضحك مع الريح الملاعبة
لسنابل القمح
ونلمّع حبّات الندى المشِّعة من
عيون النرجس
ونقف على أعالي جبال السامرة
لنستقبل عودة الشمس من غربتها
ونداعب بياض أزهار الخوصلان
على جبل الكرمل
ويتسلَّل نشيد البلابل من
وراء دائرة الحرمان
والهجران
*******
عندما تهاجمنا ألام الجروح
وجيوش نزفات الدم
نداويها بإخضرار أوراق الزعتر
وبالشعاع الحزين الذي يطلُّ
من قمم الجليل في تشرين
وبحفنة من تراب الروحة
في موسم الصبر و التين
ولمعة من ذاكرة أريحا محفورة
على ألواح السنين
ورمس من أطلال بيسان
لا تقبل الرثاء ولا الأنين
********
وعندما ننام لا ننام
عيوننا تبقى شاخصة الى السماء
تراقب تغريبة النجوم
في كونها العتيم
تنتظر قدوم الفرح
الى ليلنا الطويل
يرافقنا سراج أمي
وغربالها العتيق
في رحلتنا الى مهاجع القلق
وغربة الاغتراب
وغباش السَّراب
*******
وعندما نبكي .. لا نبكي
تجفَّفت الدموع من زمان
تتطايرت كَرِمال الكثبان
تحجَّرت كنزفات البركان
تشققت كحقل عطشان
تلاشت كسراب النسيّان
**********
عندما نجوع .. لا نجوع
نختفي وراء أسوار الضلوع
ونأكل من أوراق الزيتون المقطوع
فيخرج من دمنا الغفاري
ويصرخ بصوت مسموع :
إخرجوا من سباتكم والبسوا الدروع
وحرِّروا النجوع من آلام الجوع
وأعيدوا الزمان المقطوع
*********
عندما نحلم .. لا نحلم
فقد هاجرت أحلامنا الى أعالي البحار
الى آخر الأبعاد
خارج الأجرام السماوية
تسوح في طريق التبّانات
خارج دائرة صدى الصوت
تبحث عنّي وعنكِ
في خرس ضحيج الصمت
على منصّات المنابر
وأروقة المنظمات
***************
عندما نمارس صنع
الحياة في الأرحام
نمارسها كلعبة من ألعاب الموت
نزرع البذر ونخاف من
خروجها الى الحياة
نخاف أن تُقتل قبل إزهارها
أن لا ترى بريق الربيع في
عيون الأطفال
أن لا تلعب تحت زخّات المطر
في نيسان
أن لا تنشد نشيد العلم بالألوان
أن لا تسير في جنازات الصبيان
الراحلين الى الموت في نيسان
***************
نحن في عرض دائم للألعاب البهلوانية
نسير على حِبال
منصوبة في الفضاء
السماء فوقنا والأرض تحتنا
أنتقدَّم الى الأمام
أنرجع الى الوراء
أنسقط فلا نجد حضن التراب
أنطير فلا نجد ضوء النجوم
ماذا سيفعل جمهور المشاهدين
هل سيصفق لسقوطنا
إذا سقطنا
أم سيفرح لصمودنا أذا صمدنا
أم يبقى صامتاَ كالأموات أذا متنا
*************
نأكل .. لا نأكل
كيف نأكل وأسنانا تتشبث بالتراب
وأظافرنا تتمسَّك بعتبة البيت
وفي أفواهنا نصال الحراب
كيف نأكل وقد غادرنا الجوع
و الطعام أصبح أوهام
وبطوننا تخترقها السهام
وقطعت دروب العكّوب والخرّوب
وأغلقت الدروب
**********
هكذا نحن منذ الأزل
نغيب
ولكننا دوماً نعود
الى عشقنا الأزلي
لنعيش فوق التراب
وندفن تحت التراب
ونعود من تحت التراب
لنحيا من جديد
***********
