حان الوقت أن نعيد للمعلّم هيبته ومكانته
زهير دعيم
تاريخ النشر: 21/08/26 | 19:55
مع اقتراب بدء السنة الدراسية الجديدة ، حان الوقت أن نتوقّف قليلًا ، وأن نسأل أنفسنا : أين ذهبت هيبة المعلّم ؟
وأين ذهبت تلك المكانة التي كان يحتلّها في قلوب تلاميذه
وأهاليهم ؟
المعلّم يا سادة ليس موظفًا يقف أمام مجموعة من الأطفال ليشرح لهم درسًا وينصرف ، وليس ناقلًا للمعلومات فحَسَب ؛ إنّه مربٍّ وصاحب رسالة ، وقد يكون في كثير من الأحيان أبًا ثانيًا ، أو أمًّا ثانية يترك\ تتركُ في نفوس طلّابه أثرًا قد يبقى معهم طوال العمر.
ولعلّ أجمل ما يعبّر عن مكانة المعلّم أنّ تلاميذ السيد المسيح دعوه ” يا معلّم ” .
فالتعليم كان ولا يزال رسالة سامية ، ومحرابًا يقف فيه الإنسان أمام مسؤولية عظيمة : أن يصنع إنسانًا قبل أن يصنع طالبًا متفوّقًا .
وأنا الذي عشت في مهنة التعليم ما يقارب أربعة من العقود ، أستطيع أن أقول إنّني لم أرتعش يومًا من مدير أو مفتّش ، ولم يكن خوفي من دفتر ملاحظات أو تقرير إداريّ ؛ كان خوفي الأكبر من ضميري . كنت أعرف أنّني حين أغلق باب الصّف ، لا يراني المدير ولا المفتّش ، ولا حتى الوزير… ولكن يراني الله الفاحص القلوب.
ومن هنا كانت هيبة المعلّم عندي نابعة من مسؤوليته ، لا من سلطته ومن احترامه لطلابه ، ولا من خوفهم منه.
نحن بحاجة اليوم إلى أن نعيد للمعلّم مكانته ، لا لكي يتسلّط على تلاميذه ، بل لكي يستطيع أن يربّيهم .
نحتاج إلى معلّم يستطيع أن يقول للطالب : هذا خطأ ، دون أن يخشى شكوى ، وإلى معلّمة تستطيع أن تضع حدودًا للسلوك دون أن تجد نفسها في مواجهة مع الأهل .
فالمدرسة ليست مكانًا لتعليم الرياضيات واللغات والعلوم فقط . المدرسة قبل كل شيء، مدرسة للحياة ؛ فيها يتعلّم الطفل الصدق ، والاحترام والانضباط والتعاون وتحمل المسؤولية ، واحترام الكبير ومساعدة الضعيف.
وهنا يأتي دورنا نحن الأهل…..
من المؤلم أن يذهب بعض الأهل ليشتكوا المعلّم في مركز الشُّرطة ، أو يذهبوا إلى المدرسة ليحاسبوا المعلّم لأنّه نبّه ابنهم ، أو لأنّه طلب منه الالتزام ، أو لأنّه وضع له حدًا لسلوك غير مقبول.
إنّ حماية الطفل لا تكون دائمًا بالوقوف إلى جانبه في كل موقف ، بل أحيانًا تكون بتعليمه أنّ معلّمه يستحق الاحترام ، وأنّ عليه أن يسمع نصيحته ويلتزم بتوجيهاته.
حقيقة لا يجوز أن نهدم أمام أبنائنا صورة المعلّم ثم نطلب من المعلّم أن يربّي أبناءنا.
علّموا أولادكم أن يحترموا المعلّم والمعلّمة ، وعلّموهم أن يصغوا إليهما ، وأن يعرفوا أنّ الطاعة والانضباط ليستا ضعفًا ، بل هما جزءٌ من بناء الشخصية .
وفي المقابل ، على المعلّم أن يتذكّر دائمًا أنّ الهيبة الحقيقية لا تُفرض بالصراخ ولا بالعقاب ولا بالخوف ، وإنما تُبنى بالعدل ، والمحبة والحكمة والقدوة الحسنة. فالمعلّم الذي يحترم طلابه ، سيجد احترامهم يعود إليه مضاعفًا.
فلنُعد للمعلّم هيبته ، وللمدرسة رسالتها وللتربية مكانتها.
ولنقل لأبنائنا مع بداية عام دراسي جديد:
احترموا معلّمكم لأنّه يحمل رسالة .
أطيعوا معلّمكم لأنّه يريد لكم الخير .
أحبّوا معلّمكم لأنّه يزرع فيكم ما قد يرافقكم طوال العمر .
وأخيرًا … حان الوقت أن نعيد للمعلّم هيبته ومكانته ؛ لا هيبة الخوف ، بل هيبة الرسالة ، ولا مكانة السلطة ، بل مكانة الإنسان الذي يقف كل صباح في محراب العلم والتربية ، ليضيء شمعة في قلب طفل قد يصبح غدًا طبيبًا أو مهندسًا أو كاتبًا أو معلّمًا… أو ببساطة إنسانًا صالحًا.
وما أعظمها من رسالة!
