أزمة معلّمين وفائض طاقات: لماذا نبحث في الخارج والحلّ في الداخل؟
منال مصطفى/ طمرة
تاريخ النشر: 21/08/26 | 19:46
توطئة:
على غرار ما نشرته وزارة التربية مؤخّرًا حول برنامج جديد يشجّع معلّمين يهودًا من الولايات المتّحدة وكندا على الهجرة إلى إسرائيل والاندماج في جهاز التعليم، باعتبار ذلك أحد الحلول لمواجهة النقص في المعلّمين في المدارس اليهوديّة.
تثير هذه المبادرات الأخيرة لوزارة التربية والتعليم الرامية إلى تشجيع معلّمين من الولايات المتحدة وكندا على الهجرة لسدّ النقص في المدارس الإسرائيليّة، تثير مفارقة هيكليّة تستحقّ مراجعة نقديّة واعية؛ إذ كيف يمكن لدولة أن تشكو من نقص حادّ في الكوادر التعليميّة في الوسط اليهوديّ، بينما يقبع آلاف الخرّيجين والمعلّمين العرب المؤهّلين في دائرة البطالة أو العمل الجزئيّ بسبب فائض المعلّمين في الوسط العربي؟
إنّ مسألة استيراد الكفاءات من الخارج، وإن بدت حلاًّ سهلًا لوهلة الأولى أو محاولة لضخّ دماء جديدة، تتجاهل تكلفة باهظة وفجوة تربويّة حقيقيّة. فالمعلّم القادم من منظومة غربيّة يحتاج إلى سنوات للتكيّف مع ثقافة غرفة التدريس المحليّة، وفهم سيكولوجيّة الطالب الإسرائيليّ، واستيعاب منظومة الامتحانات والمناهج، ناهيك عن حاجز اللغة والعلاقة المركّبة بين الأهل والمدرسة. في المقابل، نجد الكادر العربيّ المحليّ يمتلك إدراكاً عميقًا لواقع المجتمع، وقدرة تواصل متقدّمة، واستعدادًا مهنيًّا عاليًا، يحتاج فقط إلى جسر انتقال مهنيّ منظّم.
مكامن القوّة المهنيّة: أين يكمن الحلّ الفعليّ؟
لا تقتصر المسألة على مجرّد “سدّ شواغر”، بل تمتدّ إلى طبيعة التخصّصات التي يحتاجها الجهاز التعليميّ، فالتخصّص في العلوم الدقيقة والرياضيّات، إذ تخرّج الجامعات والكليّات سنويًّا مئات الكفاءات العربيّة في مجالات الرياضيّات، الفيزياء، الكيمياء وعلم الأحياء، وهي تحديدًا التخصّصات التي تعاني المدارس العبريّة من شحّ مزمن في معلّميها.
تدريس اللغتيْن الإنجليزيّة والعربيّة: وهنا يمتلك العديد من المعلّمين العرب إتقانًا ممتازًا لتدريس الإنجليزيّة، فضلاً عن تدريس اللغة العربيّة كلغة ثانية في المدارس العبريّة، وهو مجال يعاني من ضعف المناهج ونقص المعلّمين المتخصّصين لغويًّا وتربويًّا.
الجدوى الاقتصاديّة والاستدامة: استثمار الميزانيّات المخصّصة لاستيعاب القادمين الجدد في برامج تأهيل وتكييف محليّ للمعلّمين العرب يعدّ خيارًا أكثر استدامة وأقلّ تكلفة على خزينة الدولة، مع ضمان بقاء واستقرار المعلّم في جهازه التدريسيّ على المدى الطويل.
خارطة طريق لدمج مهنيّ ناجح:
لتحويل هذا التحدّي إلى فرصة، تحتاج وزارة التربية إلى تبنّي استراتيجيّة تكامليّة واضحة المعالم: مسار تأهيل ثنائيّ اللغة والمنهاج: إطلاق برامج استكمال مكثّفة للمعلّمين العرب تركّز على المنهاج العبريّ المحدث، والمصطلحات الأكاديميّة التخصّصيّة، وآليّات التقييم المعتمدة.
برامج مرافقة (Mentoring) مدرسيّة: توفير مرشدين مهنيّين داخل المدارس العبريّة لمرافقة المعلّم العربيّ في سنته الأولى لضمان اندماجه السلس في الطاقم التدريسيّ.
تهيئة البيئة المدرسيّة والمجتمعيّة: العمل مع إدارات المدارس ولجان الأهالي لتفكيك الأحكام المسبقة، وترسيخ ثقافة تقييم المعلّم بناءً على كفاءته وعطائه الأكاديميّ والتربويّ فقط.
إزالة العوائق البيروقراطيّة: تبسيط آليّات الانتقال والتعيين بين الألوية التعليميّة وإلغاء التعقيدات الإداريّة التي تحول دون تقدم المعلّم العربيّ للوظائف الشاغرة في المدارس العبريّة.
إنّ وجود المعلّم العربيّ داخل غرفة المعلّمين والصفوف العبريّة لا يحلّ أزمة نقص المعلّمين فحسب، بل يشكّل رافعة تربويّة وإنسانيّة لبناء شراكة قائمة على الاحترام والتعدديّة، وتفكيك الحواجز النمطيّة عبر اللقاء اليوميّ الطبيعيّ بين الطالب والمعلّم.
إذا كان الهدف الحقيقيّ هو رفع جودة التعليم وبناء منظومة تربويّة مستقرّة، فإنّ المنطق يقتضي أن نستثمر في الطاقات والكفاءات التي تعيش هنا بالفعل، بدلاً من البحث عن حلول مكلفة ومؤقّتة من خارج الحدود. الحلّ لا يكمن في الاستيراد، بل في إتاحة الفرصة العادلة لمن هم على أهبّة الاستعداد للعطاء.
