ملاحظات أولية حول إنتخابات مصيرية في اسرائيل

جواد بولس

تاريخ النشر: 21/08/26 | 10:44

أعلنت الأحزاب العربية الثلاثة، مساء الأربعاء الفائت، اتفاقها المبدئي على إقامة “القائمة المشتركة” الثلاثية التي ستضم: الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، وحزب التجمع الوطني الديمقراطي، والحركة العربية للتغيير؛ وبهذا الإعلان يسدل الستار عن أحد الفصول الباهتة في مسيرة العمل السياسي الحزبي بين المواطنين العرب داخل إسرائيل، لا سيما وأن النتيجة التي توصلوا اليها، بعد أسابيع من المناكفات غير المسؤولة، كانت متوقعة. بيد أن قيادة “الحركة العربية للتغيير” التي ادّعت أن قرار “لجنة الوفاق” لم ينصفها، حاولت استنفاد جميع هوامش المناورات الممكنة لتحسين مواقع مقاعد الحركة ضمن القائمة، إلى أن لم يعد أمامها خيار إلا أن تقبل بما اقترح عليهم ضمن القائمة الثلاثية، أو لا يكونوا مرشحين في الانتخابات المقبلة بالمرة.

سأكتب فيما يلي ست ملاحظات أولية حول انتخابات قد تكون بالنسبة لمستقبل الدولة ومستقبلنا، نحن المواطنين العرب، مصيرية.

أولا: لا يمكن فصل التداعيات التي رافقت محاولات الأحزاب العربية لتركيب القائمة المشتركة عن المشهد السياسي الذي يلازمنا في السنوات الأخيرة. ولكن ما حصل، منذ حلّت الكنيست الحالية وتحدّد موعد الانتخابات المقبلة، يعكس بشكل واضح ما تبقى من الهويات الحقيقية لكل حزب من الأحزاب الأربعة، وما تبقى كذلك من قوتهم التاريخية. لم أكن من بين المراهنين على فرص نجاح “وثيقة اعادة تشكيل القائمة المشتركة” التي وقعها رؤساء الأحزاب الأربعة، وبضمنهم د. منصور عباس نيابة عن الحركة الاسلامية أمام أعين آلاف المواطنين والعالم. فبعد انتهاء مظاهرة سخنين وانفضاض الناس، كتبتُ مستشعرا ماذا سيحدث: “لقد كانت الشرارة التي أطلقتها مدينة سخنين لحظة تكثيف لغضب شعبي متراكم دفين لم تعد صدور الناس في مجتمعنا كله قادرة على تحمله والموت ذلا وخوفًا تحت وطأته. في سخنين لم تكسر الجموع حاجز الخوف تماما، كما خُيّل للبعض من باب التلهف والتمني وتحت تأثير نشوة رومانسية؛ لقد اندفعت الناس الى “ساحات البلد” في محاولة أخيرة ويائسة لاستعادة “الهيبة والقلعة” وحضرت قيادات الأحزاب كأسرى لمشهد صاغته إرادة الناس العفوية. سارت الأحداث بسرعة غير محسوبة وبلحظات فرح وطنية، لامست حد السذاجة، حوصر قادة الأحزاب الأربعة وأجبروا على اعلان وحدتهم ضمن إطار القائمة المشتركة”. لقد كانت لحظة أوفوريا عابرة وحسب إلى أن دقت ساعة العمل وبانت الحقيقة.

ثانيا: لقد رسم قادة الحركة الاسلامية بتدريجية مدروسة خط انسحابهم مما وقعوا عليه والتزموا فيه على الملأ، وحققوا ما أرادوه وهو خوض الانتخابات بقائمة منفصلة. سيأتي يوم ويضطر فيه المحللون والمؤرخون لدراسة كيف أنجزت الحركة الاسلامية مخططها، خلال السنين الفائتة من دون أن يلتفتوا لمشروعها في الوقت المناسب وهي تكتسب “شرعية” شعبية واسعة ومن خصومها / شركائها السياسيين، كذلك. منذ اعلان موعد الانتخابات الحالية حاولت الأحزاب الأربعة التوصل الى اتفاق رباعي، لكن الحركة الاسلامية آثرت اللعب وحدها، كما كانت تخطط. ثم حاولت الأحزاب الثلاثة أن تتفق على ترتيب مقاعد القائمة الثلاثية ولم تنجح، فنقلونا الى مرحلة “لجنة الوفاق” التي لم يقبل د. أحمد الطيبي قرارها. لقد استغلت الحركة الاسلامية الجنوبية انفلات الفوضى الحزبية وتصدرت وما زالت تتصدر، حتى هذه اللحظات، الفضاءات السياسية بشعارات وظفت من خلالها حالة الخوف المستشري بين المواطنين، وبديماغوغية احترافية تبث خطابا تحيل وفقه المسؤولية عن كوارثهم وما يعانونه، على عواتق الأحزاب العربية التي اتهمتها الحركة بالتمسك بموقفها الرافض للانضمام للحكومة بحجة التأثير عليها من الداخل، كما يدعي قادة الحركة.

لقد شعرت الحركة الاسلامية، قبل مظاهرة سخنين وبعدها، بأن الفضاءات السائدة تشكل حاضنة لخطابها الذرائعي ودفيئات جاهزة للإنبات وللنمو، خاصة بعد أن اغترب خطابا الجبهة الديمقراطية وحزب التجمع عن المجتمع وفقدا قوتيهما التاريخية.

لا أعرف كيف ستواجه القائمة المشتركة خطاب الحركة الاسلامية خاصة إذا نجحت بضم الضابط اليهودي سيچالوفيتش لصفوفها، وشخصية مسيحية لاكتمال العرض والمخطط. قد يكون ما يشاع في هذه المسألة مجرد فذلكة دعائية مدروسة يرعاها حرفيون يعملون من أجل نجاح القائمة الحاسم، فسواء انضم اليهودي والمسيحي أم لا ، ستستفيد القائمة في الحالتين من مجرد اطلاق الفكرة.

ما تفعله الحركة الاسلامية في هذه الجولة هو استكمال لبداية مشروعها المعلن منذ سنين، والذي شددت عليه في انتخابات عام 2021 عندما حاولت فرض شروطها، المشابهة لشروطها الحالية، وبقيت خارج القائمة المشتركة. لم تخفِ الحركة الاسلامية يومًا نواياها، بل تحدّت جميع الأحزاب واثقة بقوتها وبضعفهم فكتبتُ حينها : “ما كانت الحركة الإسلامية لتُقدم لو كان في هذه الأحزاب حياة” وقلت: “إنها بداية حقبة سياسية اجتماعية جديدة تدخلها الحركة الاسلامية وهي بكامل استعدادها وعتادها وتأهبها، ولها في الستر حلفاء، بينما تقف ازاءها سائر الأحزاب والحركات السياسية العربية وهي ضعيفة وغير مستعدة للمواجهة، لا بأجسادها المتهالكة ولا بإمكانياتها المتواضعة ولا بأطروحاتها المتآكلة. إنهم ما كانوا لينجحوا لو وقف أمامهم خصم مقتدر وجاهز، ولو لم تكتس المنابت في الشوارع وفي الحارات، خلال السنين الماضية، بالأخضر إلى جانب الأزرق والأبيض بعد أن بهت الأحمران.” أما اليوم فإن الآتي أخطر.

ثالثا: تحظى جولة الانتخابات الاسرائيلية المقبلة باهتمام دولي واضح. ويبدو أن اهتمام أنظمة المنطقة بنتائجها، خاصة الأنظمة العربية، يبلغ حالة غير مسبوقة، وتوقعاتها أن يشارك فيها المواطنون العرب بكل قوتهم وأن يتصرف قادة الأحزاب العربية إزاءها “بمسؤولية” كبرى وألا ينجروا وراء مصالحهم الضيقة أو نجومياتهم العابرة. سوف نسمع، كلما اقترب يوم الانتخابات، عن تدخلات أجنبية متزايدة وعن دور أجهزة بعض الأنظمة وخزائنها المتعاظم، وبعضها قد بدأ بتنفيذ مهامه بقوة؛ وللحديث في قضية المال السياسي بقية.

رابعا: تبدي المؤسسة الاسرائيلية والأحزاب اليهودية اهتماما بالغا بالناخبين العرب وأحزابهم؛ وتعوّل بعض تلك الأوساط المعادية لحكومة نتنياهو على رفع نسبة التصويت بين المواطنين العرب وبعضهم يحمّلون الناخب العربي مسؤولية اسقاط الحكومة. في المقابل، يحاول وسيحاول معسكر نتنياهو وحلفاؤه تحجيم قوة العرب الانتخابية وعرقلة مشاركتهم أو مشاركة بعض ممثليهم فيها، والمعارك حول هذه المسألة قادمة لا محالة. ومن جهة ثانية يحاول وكلاء الحكومة وأحزابها وعملاؤهم اجتذاب المصوتين العرب بشتى الأساليب والمغريات ومن بينها رش الوعود الكاذبة وازالة مؤقتة لأسباب خوفهم الذي يجلب النقمة على الحكومة وتخفيف عوامل الغضب مثل تجميد بعض عمليات هدم البيوت وما نلمسه في الأسابيع الأخيرة من ضبط مفاجىء لمنسوب الجرائم المنفذة في البلدات العربية.

خامسا: سوف يسجل مرة أخرى فشل القائمة المشتركة بضم قوى يهودية معارضة لسياسة حكومة نتنياهو الحربية وممارساتها الفاشية في سجل قصورها التاريخي الخطير. قد تكون حركة “كلنا معا” وحزبها “لكلنا مكان” أكبر وأهم هذه المجموعات، وسيبقى موقف الجبهة الديمقراطية تحديدا منها مثارا للجدل وللدهشة وبرهانا على تنازل الجبهة عن أحد أهم مبادئها وهو العمل على ايجاد واقناع شركاء يهود في المعركة ضد الفاشية.

سادسا: سيبقى التحدي الأكبر أمام القائمة المشتركة هو قدرتها على نحت خطاب مقنع للمواطنين وعرض برنامج عمل حقيقي يتجاوب مع مشاعر الخوف واليأس السائدين بينهم، وهو خوف ذو رأسين: الخوف من تفشي العنف والجريمة والخوف من سياسة حكومة لن ترحم البشر ولا لقمة عيشهم ولا الحجر ولا الشجر . ففي واقع يسيطر عليه الخوف ويتفشى فيه اليأس تتيقظ غرائز الشعب وتصحو مجسات شعورهم ويصبح الخائف والتائه والجائع بحاجة الى شيخ يقربه الى رب يحميه من البلايا، ومن لا يريد شيخا فسيلجأ الى تقية تطمئنه ويدخل “جنتهم” الموعودة. سيدخلها وحاله كمن “أتته بحائن رجلاه”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة