حينَ يُصبِحُ التَّحريضُ مِقياسًا للرُّجولةِ الهَزيلةِ عِندَ المُتَطرِّفينَ دينيًّا
رافع حلبي
تاريخ النشر: 21/08/26 | 8:04
رَدٌّ قُرآنيٌّ وأخلاقيٌّ على خِطابِ التَّحريضِ والكراهيةِ والمُقاطعةِ ضِدَّ الموحِّدينَ بني معروفٍ الدُّروزِ في السويداء.
الباحثُ الدكتورُ الشّيخُ رافعُ حلبي – داليةُ الكرمل
فكّرتُ طويلًا قبلَ أن أكتبَ هذا الرّدَّ، وتردّدتُ: هل أجيبُ هذا الّذي خرجَ بخطابٍ تحريضيٍّ، أم أتركُ كلامَه يسقطُ تحتَ وطأةِ تناقضاتِه، لأنّ بعضَ الخطاباتِ لا تحتاجُ إلى ردٍّ بقدرِ ما تحتاجُ إلى أن تُترَكَ أمامَ النّاسِ ليكتشفوا بأنفسِهم مقدارَ ما فيها من خللٍ في الفهمِ، واضطرابٍ في الاستدلالِ، وانحرافٍ عن القيمِ الّتي يدّعي صاحبُها أنّه يتحدّثُ باسمِها؟
ثمّ قلتُ لنفسي: إنّ الصّمتَ أمامَ التّحريضِ قد يُساءُ فهمُه، وقد يظنُّ بعضُ النّاسِ أنّه عجزٌ عن الرّدِّ، أو قبولٌ بما قيل، أو خوفٌ من مواجهةِ خطابٍ يرفعُ اسمَ الدّينِ في وجهِ الإنسانِ، لذلكَ قرّرتُ أن أجيبَ، ولكنّني لن أجيبَ بالكراهيةِ الّتي أُطلِقَت في وجهي، ووجه إخوتي وأهلي في السويداء الحرة الأبية، ولن أستبدلَ خطابَ التّحريضِ بخطابِ تحريضٍ آخر، ولن أواجهَ التّعصّبَ بتعصّبٍ مماثلٍ، لأنّني إذا فعلتُ ذلكَ أكونُ قد وقعتُ في الفخِّ نفسِه الّذي أنتقدُه، سأجيبُ بالقرآن، وسأضعُ الخطابَ أمامَ النّصِّ الّذي يدّعي الانتسابَ إليه، وسأسألُ سؤالًا بسيطًا لا يحتاجُ إلى كثيرِ جدلٍ:
إذا كان القرآنُ هو المرجعَ، فأينَ في القرآنِ رخصةٌ للتّحريضِ على جماعةٍ كاملةٍ؟ وأينَ فيه إذنٌ بمحاسبةِ الإنسانِ على مجرّدِ انتمائِه؟ وأينَ فيه تفويضٌ بإدانةِ الأبرياءِ بجريرةِ غيرِهم؟ وأينَ فيه أمرٌ بتحويلِ الاختلافِ الدّينيِّ أو المذهبيِّ إلى كراهيةٍ عنصرية جماعيّةٍ وقطيعةٍ وعدوانٍ؟ هنا تبدأُ المسألةُ، وهنا تنتهي.
أوّلًا: حينَ يُختَطَفُ القرآنُ لخِدمةِ الكراهيةِ.
ليس أخطرَ على الدّينِ من أن يتحوّلَ النّصُّ المقدّسُ من مصدرٍ للهدايةِ والرّحمةِ والعدلِ إلى أداةٍ لتبريرِ الكراهيةِ والقطيعةِ والتّحريضِ على جماعةٍ من النّاسِ، وليس أشدَّ إساءةً إلى القرآنِ الكريمِ من أن يُرفَعَ اسمُ اللهِ تعالى لإنتاجِ ما نهى اللهُ تعالى عنه، وأن يُرفَعَ شعارُ الدّينِ في مواجهةِ قيمٍ قرآنيّةٍ صريحةٍ تجعلُ العدلَ والكرامةَ والرّحمةَ وحفظَ الإنسانِ أصولًا لا يجوزُ العبثُ بها، إنّ أيَّ خطابٍ دينيٍّ يدعو إلى الاعتداءِ على الموحِّدينَ بني معروفٍ الدّروز، أو إلى مقاطعتِهم جماعيًّا، أو إلى تحميلِ جماعةٍ كاملةٍ مسؤوليةَ أفعالِ أفرادٍ منها، لا يحتاجُ في الرّدِّ عليه إلى خصومةٍ مذهبيّةٍ، ولا إلى انفعالٍ طائفيٍّ مضادٍّ، لأنّ القرآنَ نفسَه كافٍ لإقامةِ الحجّةِ عليه، والسؤالُ الّذي ينبغي أن يُطرَحَ بوضوحٍ أمامَ صاحبِ الخطابِ وأمامَ كلِّ من يسمعُه هو:
أيُّ قرآنٍ هذا الّذي يُستدلُّ به على الكراهيةِ الجماعيّةِ، بينما يقولُ اللهُ سُبحانَهُ تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: 8].
هذه الآيةُ ليست نصًّا هامشيًّا في القرآنِ الكريمِ، وليست توجيهًا أخلاقيًّا يمكنُ تجاوزهُ حينَ يغضبُ الإنسانُ، بل هي قاعدةٌ قرآنيّةٌ في غايةِ الوضوحِ، لا يجوزُ للكراهيةِ أن تُسقِطَ العدلَ، فالقرآنُ لا يقولُ: اعدلوا مع من تحبّونَ فقط، ولا يقولُ: اعدلوا مع جماعتِكم واتركوا العدلَ حينَ تختلفونَ مع غيرِكم، بل يضعُ الإنسانَ أمامَ امتحانٍ أخلاقيٍّ أشدَّ عمقًا: أن يبقى عادلًا حتّى حينَ يكرهُ قومًا أو يختلفُ معهم، وهنا تحديدًا يسقطُ منطقُ التّحريضِ، لأنّ الإنسانَ الّذي يجعلُ كراهيتَه سببًا لظلمِ الآخرِ لا يخرجُ عن روحِ القرآنِ فحسب، بل يصطدمُ بنصٍّ قرآنيٍّ صريحٍ يأمرُه بعكسِ ذلكَ.
ثانيًا: القرآنُ الكريمُ لا يعرفُ الجريمةَ الجماعيّةَ.
من أخطرِ ما يمكنُ أن ينتجَه الخطابُ التّحريضيُّ أن تُلغى المسؤوليّةُ الفرديّةُ، وأن يُدانَ الإنسانُ بسببِ هويّتِه أو انتمائِه أو طائفتِه، لا بسببِ فعلٍ ثبتَ أنّه ارتكبَه، وهذا يتناقضُ بصورةٍ مباشرةٍ مع أصلٍ قرآنيٍّ بالغِ الوضوحِ:
﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ ۚ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الأنعام: 164].
إنّ هذا المبدأَ يتكرّرُ في القرآنِ الكريمِ بصيغٍ متعدّدةٍ، منها قولُه تعالى:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الإسراء: 15].
وقولُه تعالى:
﴿وَمَنْ يَتَزَكَّ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ۖ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ [فاطر: 18].
وقولُه تعالى:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الزُّمَر: 7].
وقولُه تعالى:
﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النّجم: 38-39].
فبأيِّ منطقٍ قرآنيٍّ يُطالَبُ إنسانٌ بمقاطعةِ إنسانٍ آخرَ لمجرّدِ انتمائِه إلى جماعةٍ معيّنةٍ؟
وبأيِّ شرعٍ يُحاسَبُ مجتمعٌ كاملٌ على فعلِ فردٍ؟
وأيُّ عدالةٍ هذه الّتي تُدانُ فيها الهويّةُ قبلَ الفعلِ، ويُحكَمُ على الإنسانِ قبلَ أن يُعرَفَ موقفُه أو عملُه؟
إنّ القرآنَ الكريمَ يرفضُ هذا المنطقَ من جذورِه، لأنّ المسؤوليّةَ في المنظورِ القرآنيِّ مسؤوليّةٌ فرديّةٌ أخلاقيّةٌ، وليست عقوبةً جماعيّةً تُوزَّعُ على أساسِ النّسبِ أو الطّائفةِ أو العرقِ أو الانتماءِ، ومن هنا فإنّ المقاطعةَ الجماعيّةَ الّتي تُبنى على الانتماءِ لا يمكنُ أن تُقدَّمَ باعتبارِها عدلًا قرآنيًّا، لأنّ القرآنَ لا يجعلُ الإنسانَ مسؤولًا عن ذنبِ غيرِه.
ثالثًا: الاختلافُ بينَ البشرِ ليسَ مبرّرًا للعدوانِ.
إنّ القرآنَ الكريمَ لا ينظرُ إلى التّنوّعِ الإنسانيِّ بوصفِه خطأً ينبغي محوُه، بل يقدّمُه باعتبارِه جزءًا من واقعِ الخلقِ الإنسانيِّ، يقولُ اللهُ تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13].
تأمّلوا دقّةَ التّعبيرِ القرآنيِّ:
﴿لِتَعَارَفُوا﴾، لم يقلْ: لتتنازعوا، ولم يقلْ: لتتكبّروا، ولم يقلْ: لتستعبدوا بعضَكم بعضًا، ولم يقلْ: لتستبيحوا المختلفَ عنكم، إنّما قال: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾، وهذا يعني أنّ التّنوّعَ لا يُلغى بالقوّةِ، وإنّما يُدارُ بالمعرفةِ والتّعارفِ والاعترافِ بالإنسانِ، والأهمُّ من ذلكَ أنّ القرآنَ لا يجعلُ الانتماءَ الاجتماعيَّ أو القوميَّ أو الجماعيَّ معيارًا نهائيًّا للكرامةِ الإنسانيّةِ، بل ينقلُ معيارَ التّفاضلِ إلى المجالِ الأخلاقيِّ:
﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
فكيف يتحوّلُ الانتماءُ إلى جماعةٍ إلى مبرّرٍ لإهدارِ الكرامةِ؟
وكيف يتحوّلُ الاختلافُ إلى سببٍ للمقاطعةِ؟
وكيف يتحوّلُ الخلافُ إلى رخصةٍ للاعتداءِ؟
إنّ تحويلَ الاختلافِ الإنسانيِّ إلى وقودٍ للكراهيةِ ليس دفاعًا عن القرآنِ، بل انقلابٌ على فلسفتِه في الاجتماعِ الإنسانيِّ.
رابعًا: حتّى القتالُ في القرآنِ ليسَ تفويضًا مفتوحًا للعدوانِ.
هنا ينبغي أن نكونَ أكثرَ وضوحًا، لأنّ بعضَ الخطاباتِ المتطرّفةِ تتعاملُ مع الآياتِ القرآنيّةِ بمنهجِ الاقتطاعِ، فتأخذُ لفظًا من سياقِه، ثمّ تنقلُه إلى سياقٍ آخرَ، وكأنّ القرآنَ الكريمَ مجموعةٌ من الجملِ المنفصلةِ الّتي يستطيعُ كلُّ إنسانٍ أن ينتقيَ منها ما يوافقُ غضبَه، والقرآنُ لا يُقرأُ بهذه الطّريقةِ، يقولُ اللهُ سُبحانَهُ تعالى:
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190].
تأمّلوا هذا النّصَّ القرآنيَّ بدقّةٍ، هناكَ ذكرٌ للقتالِ، ولكن إلى جانبِه مباشرةً يأتي القيدُ الأخلاقيُّ: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾، فإذا كان القرآنُ، في سياقِ القتالِ، يضعُ حدًّا واضحًا كنورِ الشّمسِ، يمنعُ الاعتداءَ، فكيف يجوزُ أن يتحوّلَ الاختلافُ المذهبيُّ أو الدّينيُّ إلى رخصةٍ للاعتداءِ على الأبرياءِ؟
إنّ قراءةَ القرآنِ قراءةً انتقائيّةً تقتطعُ آيةً وتدفنُ عشراتِ الآياتِ الّتي تضبطُ معناها بالعدلِ والتّقوى والرّحمةِ ليست قراءةً أمينةً للنّصِّ، فالقرآنُ الكريمُ لا يُجزَّأُ بحسبَ الهوى، ولا يجوزُ للإنسانِ أن يأخذَ من كتابِ اللهِ ما يوافقُ غضبَه، ثمّ يتركَ ما يقيّدُ هذا الغضبَ بالعدلِ، ومن يفعلْ ذلكَ لا يكونُ قد جعلَ القرآنَ حاكمًا على نفسِه، بل جعلَ نفسَه حاكمًا على القرآنِ، وهذا هو أصلُ الخللِ الفكري الّذي يؤثر في التّصرّفات.
خامسًا: «لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ» ليستْ عبارةً هامشيّةً.
يقولُ اللهُ سُبحانهُ تعالى:
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 256].
إنّ الإيمانَ في جوهرِه فعلُ ضميرٍ وعقلٍ وقلبٍ، ولا يمكنُ أن يتحوّلَ إلى إيمانٍ حقيقيٍّ إذا أُنتِجَ بالقسرِ والإرهابِ والإكراهِ، ويقولُ سُبحانَهُ تعالى:
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا ۚ أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 99].
فإذا كان رسولُ اللهِ ﷺ نفسُه لا يُؤمَرُ بإكراهِ النّاسِ على الإيمانِ، فمن أينَ جاءت سلطةُ الإنسانِ على أن يُكرهَ الآخرينَ على مواقفَ اجتماعيّةٍ أو مذهبيّةٍ، أو أن يأمرَ بمقاطعتِهم لمجرّدِ اختلافِهم؟
إنّ الدّينَ الّذي يحتاجُ إلى الكراهيةِ لكي يُدافعَ عن نفسِه، وإلى القطيعةِ لكي يُثبتَ وجودَه، وإلى التّحريضِ لكي يُقنعَ أتباعَه، قد ابتعدَ عن جوهرِ الرّسالةِ الّتي يدّعي الدّفاعَ عنها.
سادسًا: مَن يُحرِّضُ على الكراهيةِ باسمِ القرآنِ يسيءُ إلى القرآنِ قبلَ غيرِه.
نحنُ لا نقولُ هذا الكلامَ دفاعًا عن طائفةٍ ضدَّ طائفةٍ، ولا نريدُ أن نستبدلَ خطابَ الكراهيةِ بخطابِ كراهيةٍ مضادٍّ، وإنما نقولُ شيئًا أبسطَ وأعمقَ، اتركوا القرآنَ يتحدّث.
اتركوا القرآنَ يقول: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾.
واتركوه يقول: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾.
واتركوه يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾.
واتركوه يقول: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾.
واتركوه يقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
ثمّ اسألوا أنفسَكم بصدقٍ: أينَ في هذه الآياتِ رخصةٌ للت~حريضِ على جماعةٍ كاملةٍ؟
وأينَ فيها إذنٌ بالمقاطعةِ الجماعيّةِ؟
وأينَ فيها تفويضٌ بمعاقبةِ إنسانٍ على فعلِ غيرِه؟
وأينَ فيها إذنٌ بإهدارِ كرامةِ الإنسانِ لمجرّدِ اختلافِه؟
وأينَ فيها إباحةٌ لسرقةِ أموالِ الأبرياءِ أو الاعتداءِ على ممتلكاتِهم؟
وأينَ فيها رخصةٌ لسبيِ النّساءِ أو قتلِ الأطفالِ أو الاعتداءِ على المدنيّينَ الأبرياءِ؟
لن يجدَ الباحثُ المنصفُ في هذه الآياتِ تلكَ الرّخصةَ الّتي يحاولُ بعضُ المتطرّفينَ أن يصنعوها من خلالِ قراءاتٍ مجتزأةٍ للنّصِّ، لأنّ القرآنَ أكبرُ من أن يتحوّلَ إلى منشورٍ طائفيٍّ، وأعظمُ من أن يكونَ أداةً لتدميرِ المجتمعاتِ، وأرفعُ من أن يُستخدَمَ وقودًا للكراهيةِ والعُنفِ.
سابعًا: الفتوى اجتهادٌ بشريٌّ، وليستْ قرآنًا.
وهنا نصلُ إلى نقطةٍ بالغةِ الأهمّيّةِ، إنّ الفتوى، مهما كان صاحبُها، ليستْ قرآنًا، وصاحبُ العمامةِ ليسَ معصومًا، والقاضي ليسَ نبيًّا، والشّيخُ ليسَ وحيًا، والإنسانُ الّذي يتصدّرُ للحديثِ باسمِ الدّينِ لا يتحوّلُ بمجرّدِ جلوسِه على المنبرِ إلى لسانٍ إلهيٍّ معصومٍ من الخطأ، وهذه الحقيقةُ لا تنتقصُ من مكانةِ العلماءِ الصادقينَ، بل تحمي مكانةَ العلمِ من أن يتحوّلَ إلى سلطةٍ مطلقةٍ، فالفتوى اجتهادٌ بشريٌّ، والاجتهادُ البشريُّ يحتملُ الصوابَ والخطأَ، أمّا القرآنُ الكريمُ فهو النّصُّ الإلهيُّ الّذي ينبغي أن تُعرَضَ عليه الاجتهاداتُ، لا أن يُخضَعَ هو لأهواءِ أصحابِها، وهنا تكمنُ الكارثةُ حينَ يصبحُ بعضُ النّاسِ أكثرَ تقديسًا للفتوى من تقديسِهم للنّصِّ الّذي يزعمونَ أنّهم يستنبطونَ منه،
فيُقالُ لهم: قال اللهُ تعالى، فيتركونَ كلامَ اللهِ، ثمّ يُقالُ لهم: قال الشّيخُ، فيسارعونَ إلى التّصديقِ دونَ سؤالٍ أو تدبّرٍ، وهذا قلبٌ خطيرٌ للأولويّاتِ، فالسؤالُ الّذي يجبُ أن يظلَّ حاضرًا:
هل الفتوى منسجمةٌ مع القرآنِ، أم أنّ القرآنَ جرى توظيفُه لتبريرِ الفتوى؟
والفرقُ بينَ الأمرينِ عظيمٌ.
ثامنًا: إلى مَن أصدرَ هذه الفتوى أو روَّجَ لها.
أقولُ بكلِّ صراحةٍ، ومن غيرِ خوفٍ أو وجلٍ: إنّ المنبرَ الدّينيَّ ليسَ منصّةً لإطلاقِ الغضبِ الطّائفيِّ، والعمامةُ ليستْ تفويضًا مفتوحًا بالكلامِ عن اللهِ سُبحانَهُ تعالى، والفتوى ليستْ رخصةً لإدانةِ النّاسِ جماعيًّا، ومن يتصدّرُ للكلامِ باسمِ القرآنِ الكَريمِ ينبغي أن يكونَ أوّلَ النّاسِ التزامًا بالقرآنِ، إن دَعَوْتَ إلى العدلِ، فأنتَ أقربُ إلى القرآنِ، وإن دعوتَ إلى الرّحمةِ، فأنتَ أقربُ إلى القرآنِ، وإن دعوتَ إلى حفظِ الإنسانِ، فأنتَ أقربُ إلى القرآنِ، وإن دَعَوْتَ إلى منعِ الظّلمِ، فأنتَ أقربُ إلى القرآنِ.
أمّا أن تدعوَ إلى كراهيةِ جماعةٍ كاملةٍ، أو إلى الاعتداءِ على أبنائها، أو إلى مقاطعتِهم لمجرّدِ انتمائِهم، ثمّ تبحثَ بعدَ ذلكَ عن آيةٍ تبرّرُ موقفَك، فهذه ليستْ قراءةً للقرآنِ، بل إخضاعٌ للقرآنِ للهوى، والفرقُ بينَ الأمرينِ لا يدركُه من جعلَ نفسَه فوقَ النّصِّ، ولكن يدركُه كلُّ إنسانٍ يقرأُ القرآنَ بعقلٍ وضميرٍ.
تاسعًا: الرّسولُ ﷺ رسالةُ رحمةٍ لا رايةُ كراهيةٍ.
إنّ احترامَ رسولِ اللهِ ﷺ لا يكونُ بالشّعاراتِ وحدَها، ولا بكثرةِ الألفاظِ الّتي ترفعُ اسمَه، ثمّ تُناقضُ القيمَ الّتي جاءَ بها، يقولُ اللهُ تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
تأمّلوا: ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾، فإذا قُدِّمَت صورةُ الرّسولِ ﷺ إلى الإنسانِ المعاصرِ باعتبارِه رسولَ خصومةٍ دائمةٍ، وكراهيةٍ مطلقةٍ، وعداءٍ للإنسانِ المختلفِ، فإنّ ذلكَ لا يسيءُ إلى المختلفِ وحدَه، بل يسيءُ إلى صورةِ الإسلامِ نفسِها، والدّفاعُ عن رسولِ اللهِ ﷺ لا يكونُ بتشويهِ رسالتِه، ونصرةُ الإسلامِ لا تكونُ بمخالفةِ قيمِه، والقرآنُ لا يُنصَرُ بمخالفةِ القرآنِ، هذه معادلةٌ بسيطةٌ ينبغي أن يفهمَها كلُّ من يتصدّرُ للكلامِ باسمِ الدّينِ.
عاشرًا: إلى الموحِّدينَ بني معروفٍ الدُّروزِ.
إنّ الموحِّدينَ بني معروفٍ ليسوا كتلةً بشريّةً واحدةً بلا أفرادٍ، وليسوا مسؤولينَ جماعيًّا عن فعلِ أيِّ شخصٍ منهم، وكما لا نقبلُ أن يُدانَ إنسانٌ لأنّه ينتمي إلى طائفةٍ معيّنةٍ، فإنّنا لا نقبلُ أن تُدانَ طائفةٌ كاملةٌ بجريرةِ فردٍ منها، نحنُ لا نطالبُ أحدًا بأن يُحبَّنا، ولا نطالبُ أحدًا بأن يوافقَنا في الرّأيِ أو المعتقدِ، ولا نطلبُ من أحدٍ أن يتخلّى عن قناعاتِه،
ولا نريدُ تحويلَ الاختلافِ إلى تطابقٍ قسريٍّ، إنّما نطلبُ شيئًا واحدًا: العدل.
العدلُ ليسَ مِنّةً من أحدٍ على أحدٍ، والعدلُ ليسَ هديّةً تمنحُها جماعةٌ لجماعةٍ، والعدلُ ليسَ امتيازًا دينيًّا أو مذهبيًّا، إنّه أمرٌ إلهيٌّ عظيمٌ:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النّحل: 90].
حادي عشر: لا تجعلوا القرآنَ خصمًا للإنسان.
إنّ أخطرَ ما يمكنُ أن يحدثَ للدّينِ هو أن يُوضَعَ القرآنُ في مواجهةِ الإنسانِ، فالقرآنُ جاءَ ليهدي الإنسانَ، لا ليُستخدَمَ لسحقِه، وجاءَ ليقيمَ العدلَ، لا ليبرّرَ الظّلمَ، وجاءَ ليهدي الضّميرَ، لا ليُعطّلَ الضّميرَ، وجاءَ ليحرّرَ الإنسانَ من عبوديّةِ الهوى، لا ليحوّلَه إلى تابعٍ أعمى لفتوى بشريّةٍ، ولهذا فإنّ من أخطرِ صورِ الانحرافِ الدّينيِّ أن يُقالَ للإنسانِ: اقبلْ الظلمَ لأنّنا نتحدّثُ باسمِ اللهِ تعالى، فاللهُ تعالى لا يحتاجُ إلى ظلمِ عبادهِ لكي ينتصرَ دينُه، ولا يحتاجُ إلى الكراهيةِ لكي تثبتَ الحقيقةُ، ولا يحتاجُ إلى قتلِ المختلفِ لكي ينتصرَ الإيمانُ، الحقيقةُ لا تصبحُ أقوى بقتلِ صاحبِ الرّأيِ الآخرِ، والدينُ لا يصبحُ أصدقَ بإرهابِ المختلفِ، والإسلامُ لا ينتصرُ حينَ يتحوّلُ بعضُ أتباعِه إلى دعاةِ كراهيةٍ.
ثاني عشر: السّويداءُ والدمُ السّوريُّ لا يحتاجانِ إلى فتاوى جديدةٍ، بل إلى عدالةٍ ومحاسبةٍ.
لقد شهدتِ السّاحةُ السّوريّةُ، ولا سيّما في السّويداءِ، أحداثًا داميةً خلّفت جراحًا عميقةً في نفوسِ المدنيّينَ، وترافقت مع رواياتٍ وشهاداتٍ واتهاماتٍ متبادلةٍ بشأنِ قتلِ مدنيّينَ، واعتداءاتٍ على منشآتٍ وأملاكٍ، وانتهاكاتٍ أخرى، وهذه الوقائعُ، مهما اختلفت الرّواياتُ حولَ تفاصيلِها، لا يجوزُ أن تتحوّلَ إلى وقودٍ إضافيٍّ للكراهيةِ الطّائفيّةِ، بل المطلوبُ هو التّحقيقُ، والتّوثيقُ، والمحاسبةُ، وملاحقةُ كلِّ من تثبتُ مسؤوليّتُه، أيًّا كانَ انتماؤُه، فإذا كان شخصٌ قد ارتكبَ جريمةً، فليُحاسَبْ على جريمتِه، وإذا ثبتَت مسؤوليّةُ جماعةٍ عن انتهاكاتٍ، فلتُحدَّدِ المسؤوليّةُ بالأدلّةِ القاطعَة، أمّا أن تُنقَلَ الجريمةُ من مستوى الفاعلِ إلى مستوى الهويّةِ، وأن يُقالَ إنّ جماعةً بأكملِها مسؤولةٌ عن فعلِ أفرادٍ منها، فذلكَ ظلمٌ لا يمكنُ أن يُبنى عليه عدلٌ.
إنّ دماءَ الضّحايا لا تحتاجُ إلى ثأرٍ أعمى، إنّها تحتاجُ إلى حقيقةٍ وعدالةٍ، والعدالةُ الّتي لا تميّزُ بينَ ضحيّةٍ وضحيّةٍ هي وحدَها القادرةُ على أن تُنقذَ المجتمعاتِ من دوّامةِ الانتقامِ.
ثالث عشر: من يُصدرُ خطابَ «الجهادِ» في وجهِ المختلفِ عليه أن يتذكّرَ مسؤوليّةَ الكلمةِ.
إنّ أخطرَ ما يمكنُ أن يفعلهَ رجلُ الدّينِ أن يحوّلَ الكلمةَ إلى رصاصةٍ، والمنبرَ إلى غرفةِ عمليّاتٍ، والفتوى إلى أداةِ تعبئةٍ للكراهيةِ، فالكلمةُ قد تُهدّئُ فتمنعُ دمًا، وقد تُشعلُ فتتسبّبُ في دمٍ، ولهذا فإنّ مسؤوليّةَ صاحبِ المنبرِ ليستْ أقلَّ من مسؤوليّةِ صاحبِ السّلاحِ، لأنّ السّلاحَ لا يتحرّكُ أحيانًا إلّا بعدَ أن تُمهّدَ له كلمةٌ، وتُشرعنَ له فتوى، وتُعبّئَ له جماعةٌ، ويُقنعَ بها عقلٌ بأنّ قتلَ الآخرِ عبادةٌ، وهنا تتحوّلُ الكارثةُ من جريمةٍ فرديّةٍ إلى جريمةٍ في الوعيِ، ومن هنا نقولُ بوضوحٍ:
– لا تمنحوا الكراهيةَ لباسَ القداسةِ.
– لا تمنحوا الانتقامَ اسمَ الشّريعةِ.
– ولا تمنحوا التّعصّبَ اسمَ الغيرةِ على الدّينِ.
ولا تمنحوا القتلَ اسمَ الجهادِ دونَ علمٍ وفقهٍ وسياقٍ وعدالةٍ ورَحمةٍ وضوابطَ شرعيّةٍ وأخلاقيّةٍ، فليسَ كلُّ ما يُقالُ باسمِ الدّينِ دينًا حقيقيًا حنيفًا.
رابع عشر: نحنُ لا نَردُّ التّحريضَ بالتّحريضِ.
نحنُ، الموحِّدينَ بني معروفٍ، لا نخافُ من خطابِ الكراهيةِ، لأنّنا لا نريدُ أن نكونَ أسرى له:
– نحنُ لا نواجهُ التّحريضَ بتحريضٍ آخرَ.
– ولا نواجهُ الكراهيةَ بكراهيةٍ مماثلةٍ.
– ولا نواجهُ الظلمَ بظلمٍ جديدٍ.
– نحنُ نواجهُ ذلكَ بالعدلِ.
– ونواجهُه بالحجّةِ، وبالوعيِ، وبالقرآنِ.
لأنّنا نؤمنُ بأنّ الحقيقةَ لا تحتاجُ إلى الصّراخِ لكي تكونَ حقيقةً، فإنّنا نضعُ خطابَ التّحريضِ أمامَ النّصِّ القرآنيِّ، ونتركُ للقارئِ أن يحكمَ، وهنا يبقى السؤالُ مفتوحًا أمامَ كلِّ ضميرٍ حيٍّ:
إذا كان اللهُ تعالى قد أمرَ بالعدلِ حتّى مع من نكرهُ، ونهى عن الاعتداءِ، وأسقطَ المسؤوليّةَ الجماعيّةَ، وأقرَّ التّنوّعَ الإنسانيَّ، ورفضَ الإكراهَ.
فبأيِّ قرآنٍ تُستباحُ كرامةُ الإنسانِ؟
خامس عشر: ليستِ المشكلةُ في القرآنِ الكريم، وإنّما في القراءةِ الّتي تُخالفُ القرآنَ.
لقد أثبتَ التّاريخُ أنّ المشكلةَ الكبرى ليستْ دائمًا في النّصوصِ المقدّسةِ، وإنّما في بعضِ القراءاتِ البشريّةِ الّتي تنتزعُ النّصَّ من سياقِه، ثمّ تجعلُه تابعًا للصّراعِ السّياسيِّ أو الطّائفيِّ أو الاجتماعيِّ، فالإنسانُ قد يدخلُ إلى القرآنِ وفي يدِه موقفٌ مسبقٌ، ثمّ يبحثُ عن آيةٍ تؤيّدُه، وهنا لا يعودُ يقرأُ القرآنَ، بل يجعلُ القرآنَ يقرأُه هوى نفسِه، والفرقُ هائلٌ بينَ أن يقولَ الإنسانُ:
ماذا يريدُ اللهُ منّي؟
وأن يقولَ:
كيف أجعلُ كلامَ اللهِ يؤيّدُ ما أريدُ أنا؟
السُؤالُ الأوّلُ: بحثٌ عن الهدايةِ، والثّاني توظيفٌ للنّصِّ.
السُؤالُ الأوّلُ عبوديّةٌ للهِ تعالى، والثّاني عبوديّةٌ للهوى.
ولهذا فإنّ أخطرَ ما يواجهُ الخطابَ الدّينيَّ المعاصرَ ليسَ وجودَ النّصِّ، وإنّما تحويلُ النّصِّ إلى أداةٍ لتقديسِ الأهواءِ البشريّةِ التي تسيئ للمجتمعات بأكملها.
الخاتمةُ.
دعوا القرآنَ ينتصرُ على الكراهيةِ، نحنُ لا ندافعُ عن طائفةٍ ضدَّ طائفةٍ، إنّنا ندافعُ عن الإنسانِ حينَ يُستخدَمُ الدّينُ ذريعةً للنّيلِ منه، وندافعُ عن القرآنِ حينَ يُختطَفُ اسمُه لتَبْريرِ الكراهيةِ، وندافعُ عن الإسلامِ حينَ يحاولُ بعضُ المتطرّفينَ تقديمَه للنّاسِ باعتبارهُ دينَ خصومةٍ دائمةٍ وعداءٍ مستمرٍّ، وندافعُ عن رسولِ اللهِ ﷺ حينَ نرفضُ أن تُشوَّهَ رسالتُه الرّحيمةُ بخطابٍ يجعلُ البشرَ أعداءَ لبعضِهم بعضًا.
إنّنا لا نريدُ من أحدٍ أن يحبَّنا، ولا نطلبُ من أحدٍ أن يوافقَنا، ولا نريدُ أن نلغي اختلافَنا، نريدُ فقط أن نعيشَ الاختلافَ بكرامةٍ، ونَعيشُ بِسلامٍ وأمانٍ، وأنْ يكونَ الحوارُ بالحجّةِ، والخلافُ بالعلمِ، والخصومةُ بالأخلاقِ، والمحاسبةُ بالقانونِ، والدّينُ رحمةً لا سوطًا.
– فإذا كان بيننا اختلافٌ، فلنختلفْ بأخلاقٍ.
– وإذا كان بيننا نقاشٌ، فلنتناقشْ بعلمٍ.
– وإذا كان بيننا خلافٌ، فليكنْ بالحجّةِ والبرهانِ.
أمّا أن يتحوّلَ الخلافُ إلى تحريضٍ، والتّحريضُ إلى مقاطعةٍ، والمقاطعةُ إلى كراهيةٍ، والكراهيةُ إلى اعتداءٍ، ثمّ يُقالَ للنّاسِ: هذا هو الدّينُ، فهنا يجبُ أن نقفَ جميعًا ونقولَ بوضوحٍ لا لبسَ فيه:
لا.
هذا ليسَ عدلَ القرآنِ الكريم.
وهذا ليسَ رحمةَ الرّسالةِ.
وهذا ليسَ أخلاقَ النّبيِّ ﷺ.
وهذا ليسَ طريقَ الإنسانِ الّذي كرّمه اللهُ تعالى.
فالقرآنُ الكريم، أكبرُ من أن يكونَ وقودًا لصراعٍ طائفيٍّ.
والإسلامُ أرفعُ من أن يتحوّلَ إلى أداةٍ لتوزيعِ الكراهيةِ.
ورسالةُ محمّدٍ ﷺ، أسمى من أن تُختصرَ في خطابٍ يفرّقُ بينَ البشرِ ويحرّضُ بعضَهم على بعضٍ.
والفتوى البشريّةُ، مهما كانَ صاحبُها، تبقى اجتهادًا بشريًّا لا يعلو على كتابِ اللهِ تعالى.
ومن أرادَ أن يدافعَ عن القرآنِ، فليبدأْ بالقرآنِ.
ومن أرادَ نصرةَ الإسلامِ، فليُقِمِ العدلَ الّذي أمرَ به الإسلامُ.
ومن أرادَ احترامَ رسولِ اللهِ ﷺ، فليحفظِ القيمَ الّتي جاءَ بها.
ومن أرادَ أن يختلفَ معنا كطائفة الموحدين بني معروف الدروز، فليختلفْ.
ومن أرادَ أن ينتقدَنا، فلينتقدْ.
ومن أرادَ أن يحاججَنا، فليأتِ بالحجّةِ.
ولكن لا تجعلوا الانتماءَ جريمةً، ولا تجعلوا الاختلافَ ذنبًا، ولا تجعلوا الإنسانَ مسؤولًا عن غيرِه، ولا تجعلوا القرآنَ خصمًا للإنسانِ والبَشريَّةِ.
اتركوا القرآنَ يتحدّث:
– اتركوه يقول:
﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾.
– واتركوه يقول:
﴿وَلَا تَعْتَدُوا﴾.
– واتركوه يقول:
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾.
– واتركوه يقول:
﴿لِتَعَارَفُوا﴾.
– واتركوه يقول:
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾.
ثمّ ليقفْ كلُّ إنسانٍ أمامَ ضميرِه، ويسألْ نفسَه هذه الأسئلة كواجب روحانيٍّ مَسؤول:
– هل أنا أدافعُ عن القرآنِ الكريم، أم أستخدمُ القرآنَ للدّفاعِ عن غضبي؟
– هل أنا أنصرُ الإسلامَ، أم أسيءُ إلى الإسلامِ باسمِ الإسلامِ؟
– هل أنا أطلبُ العدلَ، أم أبحثُ عن مبرّرٍ لظلمِ الآخرِ؟
– هل أنا أريدُ هدايةَ الإنسانِ، أم أريدُ إخضاعَه؟
هنا فقط تظهرُ الحقيقةُ، فمن يُشوّهُ صورةَ القرآنِ الكريم باسمِ القرآنِ، ويزرعُ الكراهيةَ باسمِ الإسلامِ، ويستدعي اسمَ الرّسولِ ﷺ لتبريرِ ظلمِه في قَهْرِ وتعْذيبِ الإنسان، لا يكونُ قد انتصرَ للدّينِ، بل يكونُ قد أسهمَ، من حيثُ يدري أو لا يدري، في تشويهِ صورةِ الدّينِ الّذي يدّعي الدّفاعَ عنه.
نحنُ طائفة الموحدين بني معروف الدُّروز، لا نريدُ أن ننتصرَ على أحدٍ، نريدُ أن ينتصرَ العدلُ على الظلمِ، والرّحمة على الضميرِ الفسادِ، والإنسانُ على الكراهيةِ، والعقلُ على التّعصّبِ، والحقُّ على الباطلِ، والعَطاء على البُخلِ، والقرآنُ على الّذين يختطفونَه لخدمةِ أهوائهم.
في النّهايةِ، لا يبقى للإنسانِ إلّا عملُه، ولا يبقى للخطابِ إلّا أثرُه، ولا تبقى للفتوى إلّا مسؤوليّةُ من أطلقَها، ولا تبقى للكلمةِ إلّا شهادةُ التّاريخِ عليها، أمّا اللهُ تعالى، فهو أعلمُ بالسّرائرِ، وأعلمُ بالظّالمِ والمظلومِ، وأعلمُ بمن قالَ الحقَّ ومن اتّخذَ الدّينَ ستارًا لهواه.
وقد قالَ سبحانهُ وتعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النّحل: 90] – صدق الله العظيم.
فليكنِ العدلُ هو كلمتَنا.
ولتكنِ الرّحمةُ طريقَنا.
وليكنِ القرآنُ مرجعَنا.
وليكنِ الإنسانُ غايتَنا.
ولْيَسقطِ التّحريضُ، مهما ارتدى من ثيابِ الدّينِ، أمامَ كلمةِ اللهِ الّتي لا تُحابي أحدًا:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ – صدق الله العظيم.
