أربعون درجة… ولكن في أي جسد؟ عن اللامساواة في التعرّض للحرارة والقدرة على الاحتماء منها

رانية عقل | فنانة وناشطة بيئية، تعمل في تطوير القيادة البيئية والمجتمعية

تاريخ النشر: 20/08/26 | 10:26

تقول نشرة الطقس إن الحرارة اليوم أربعون درجة. رقم واحد يظهر على الشاشة، كأنه يصف يومًا واحدًا عاشه الجميع. لكن طفلًا يعود إلى بيته عبر شارع تحميه أشجار ناضجة ليس كالطفل الذي يقطع المسافة نفسها بمحاذاة الإسفلت والجدران الإسمنتية بلا ظل. وامرأة مسنّة تقضي الظهيرة في بيت يحتفظ بالحرارة حتى ساعات الليل ليست كأسرة تستطيع إبقاء منزلها باردًا. وعامل يقف فوق سقالة مكشوفة للشمس لا يعيش الأربعين درجة نفسها التي يعيشها موظف يجلس أمام حاسوبه في غرفة مكيّفة.
في نشرة الطقس عاش هؤلاء جميعًا درجة الحرارة نفسها، لكن أجسادهم لم تعش الحرارة نفسها.
ربما تكون هذه نقطة البداية لفهم جانب ما زال غائبًا نسبيًا عن حديثنا العام حول موجات الحر. فنحن نسأل عادة إلى أي درجة سترتفع الحرارة، ومتى تبلغ الموجة ذروتها، ومتى تنتهي. أما السؤال الأعمق فهو: كم بلغت الحرارة، ومن يتعرض لها، وأين، وبأي قدرة على الاحتماء منها؟
بين درجة الحرارة التي تقيسها محطة الأرصاد والحرارة التي تصل فعليًا إلى جسد الإنسان توجد منظومة كاملة: الظل، والرطوبة، والرياح، والإشعاع الشمسي، ومواد البناء، ونوعية المسكن، وطبيعة العمل، والعمر، والحالة الصحية، والدخل، والوصول إلى الماء والطاقة والتبريد والرعاية الصحية. حتى المؤشرات المناخية لا تستطيع وحدها وصف كل الحمل الحراري الذي يتعرض له الجسد.
من هنا يظهر فرق أساسي: حرارة الأرصاد لا تساوي بالضرورة التعرّض الحراري الفعلي، والتعرّض نفسه لا يعني الخطر الصحي نفسه.
هذه الفكرة ليست محلية. الأدلة العالمية تكشف أن آثار التطرف المناخي لا تتوزع بالتساوي بين الناس، ولا حتى بين الأجيال. ففي دراسة عالمية نُشرت في مجلة «Nature» عام 2025، قدّر الباحثون أن 52% من مواليد عام 2020 سيختبرون خلال حياتهم تعرضًا غير مسبوق لموجات الحر حتى في مسار يحصر الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية. وإذا وصل الاحترار إلى 3.5 درجات، ترتفع النسبة إلى 92%. كما وجد الباحثون أن احتمالات هذا التعرض أعلى لدى الفئات ذات الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية المرتفعة.
بهذا المعنى، تصبح أزمة المناخ أيضًا قضية عدالة بين الأجيال. فالطفل الذي يولد اليوم لا يرث منا بيتًا وتعليمًا وموارد فقط، وإنما يرث أيضًا مناخًا سيعيش داخله عشرات السنوات. وقد يحمل جيل ساهم أقل في صناعة الأزمة جزءًا أكبر من عبئها التراكمي.
العمر ليس المتغير الوحيد. كانت دراسة من عمّان أحد الخيوط التي دفعت إلى التعمق في هذا السؤال. حلّل الباحثون 184,166 حالة وفاة خلال تسعة عشر عامًا، بين 2000 و2018، ووجدوا أن نسبة الوفيات المنسوبة إلى الحرارة بلغت نحو 2.59% لدى الإناث، مقابل 1.17% لدى الذكور.
هذه النتيجة لا تعني أن كل امرأة أكثر هشاشة أمام الحرارة من كل رجل، ولا يجوز نقل رقم من عمّان ووضعه فوق النساء في كفر قرع أو الناصرة أو رام الله. ما تفعله الدراسة هو أنها تضع أمامنا سؤالًا لا يجوز إسقاطه: ماذا يحدث عندما يتقاطع الجندر مع العمر والدخل والصحة وطبيعة العمل والمسؤوليات المنزلية ونوعية المسكن؟
بحثنا عن إجابات محلية مماثلة، ولم نجد حتى الآن تحليلًا يمنحنا الإجابة بالوضوح نفسه. وهنا يصبح ما لا نعرفه مهمًا أيضًا. غياب الدليل على الفارق ليس دليلًا على غياب الفارق، لكنه لا يمنحنا الحق في اختراعه.
وإذا كان العمر والجندر والحالة الصحية تؤثر في استجابة الجسد للحرارة، فإن هذه الاستجابة لا تحدث في الفراغ، وإنما في شارع وبيت وحي ومدينة.
تأخذنا الأدلة هنا إلى شفاعمرو. ففي عام 2025 نُشرت في مجلة «Sustainable Cities and Society» دراسة تناولت الهشاشة أمام الحرارة في المدينة بمنهج مختلط وتشاركي. ومن نتائجها اللافتة أن التعرض للحرارة كان متقاربًا نسبيًا بين أحياء شفاعمرو، فيما اختلفت الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية والتعرضات المهنية بينها. كما وصف السكان الحرارة بوصفها ضغطًا حاضرًا في الحياة اليومية يؤثر في الصحة والرفاه والوضع المالي.
هذه النتيجة تعقّد الفكرة السهلة عن اللامساواة الحرارية. ليس ضروريًا أن تبدأ الفجوة دائمًا بفارق كبير في درجة الحرارة. قد يتعرض شخصان لحرارة متقاربة، لكن ما يأتي بعد الحرارة مختلف: العمل، والدخل، والصحة، والمسكن، وشبكة الدعم، والقدرة على التكيف.
ومن هنا يصبح حتى تعبير «المجتمع العربي» أوسع من أن يفسر وحده ما يحدث. فكفر قرع ليست رهط، وطيبة ليست شفاعمرو، وأم الفحم ليست مدينة ساحلية أو بلدة صحراوية. لكل مكان جغرافيته، ونسيجه العمراني، وموارده، وقدرة سلطته المحلية.
في كفر قرع مثلًا، تكشف خطة الاستعداد لتغير المناخ لعام 2030 عن محاولة لرسم الخطر محليًا، لا الاكتفاء بتوقعات إقليمية عامة. تتضمن الخطة خرائط لحرارة سطح الأرض، والمناطق الساخنة نهارًا وليلًا، والحساسية للجزر الحرارية، وتضع تبريد البلدة وزيادة التظليل ضمن محاور العمل، إلى جانب الفيضانات والحرائق والفئات الحساسة. وتشير أيضًا إلى الفقر الطاقي بوصفه عاملًا قد يحد من استخدام التكييف لدى ذوي الإمكانات الاقتصادية المحدودة، وإلى صعوبة رسم توزيع مكاني دقيق لبعض متلقي خدمات الرفاه بسبب طريقة تصنيف البيانات البلدية.

هنا لا يعود «صمت البيانات» فكرة نظرية بعيدة. قد يظهر داخل السلطة المحلية نفسها عندما تريد معرفة أين يوجد الأشخاص الأكثر حاجة إلى الحماية، ولا تستطيع تحديدهم مكانيًا بما يكفي.
لهذا لا يكفي أن نسأل إن كان العرب أكثر تعرضًا من اليهود. ينبغي أن نسأل أيضًا كيف تتوزع الهشاشة داخل المجتمع العربي نفسه، ثم كيف تتقاطع القومية مع الجغرافيا والدخل والعمران والبنية التحتية وقوة المؤسسة المحلية.
حتى العلاقة بين ضعف السلطة المحلية والاستعداد المناخي ليست بسيطة كما قد نتوقع. فقد وجد تقرير مراقب الدولة الصادر عام 2026 أن 154 من أصل 257 سلطة محلية، أي نحو 60%، لم تكن قد أعدت خطة محلية للتكيف مع تغير المناخ. وكانت الميزانيات والقوى العاملة من أبرز العوائق التي ذكرتها السلطات.
هذه ليست مشكلة تخص البلدات العربية وحدها، كما أن وجود الخطة لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على تنفيذها. فبين إدراك الخطر وحماية الإنسان توجد سلسلة كاملة تبدأ بالمعرفة، ثم التشخيص، والتخطيط، والتمويل، والتنفيذ، والصيانة، وصولًا إلى قياس الأثر.
قد تمتلك بلدية خطة ولا تمتلك التمويل. وقد تحصل على التمويل ولا تمتلك الكادر. وقد تزرع الأشجار ولا تملك ميزانية لريها وصيانتها. وقد تنفذ مشروعًا كاملًا، ثم لا يعود أحد بعد سنوات ليسأل إن كان الشارع أصبح أبرد فعلًا، وإن كان أثر المشروع قد وصل إلى الأشخاص الأكثر تعرضًا.
عند هذه النقطة تظهر الشجرة بطريقة مختلفة. ليست الشجرة زينة حضرية فقط، وإنما أصل مناخي وقائي. فالظل يغير تجربة المشي والانتظار واللعب في الفضاء العام، خصوصًا للأطفال وكبار السن ومن يعتمدون على المشي أو المواصلات العامة.
وتكشف بيانات وطنية أوردها تقرير مراقب الدولة حجم المشكلة. فقد كانت 37.5% من الشوارع التي شملها القياس بلا ظل، و54% ذات تظليل قليل جدًا، فيما لم تتجاوز الشوارع ذات التظليل الجزئي 7.6%.
حتى هذه الأرقام تحتاج إلى قراءة نقدية. فما الذي نعدّه ظلًا؟ وفي أي ساعة نقيسه؟ وهل مصدره الأشجار أم المباني أم المظلات؟ بهذا المعنى، تبدأ العدالة حتى قبل زراعة الشجرة، من القدرة على معرفة أين ينقص الظل أصلًا، ثم القدرة على زراعته وصيانته وقياس أثره.
ومن الشارع نصل إلى البيت.
قد يبدو المكيف في إسرائيل وسيلة حماية متاحة على نطاق واسع. وتشير بيانات مسح نفقات الأسر لعام 2021 إلى أن 95.6% من الأسر تمتلك مكيفًا، وتبقى النسبة عند نحو 90% حتى في الخُمس الأدنى من حيث الدخل.
غير أن هذا الرقم، بدل أن يغلق السؤال، يفتحه. فامتلاك المكيف لا يخبرنا كم ساعة تستطيع الأسرة تشغيله، ولا إن كانت تبرد غرفة واحدة أم المنزل كله، ولا عن كفاءة الجهاز أو جودة العزل أو مقدار ما تمثله فاتورة الكهرباء من دخل الأسرة.
لدينا، بعبارة أخرى، بيانات أفضل عن امتلاك جهاز التبريد مما لدينا عن مقدار التبريد الذي يصل فعلًا إلى الإنسان. وهذا الفرق بين وجود وسيلة للحماية وبين القدرة الفعلية على استخدامها يستحق في حد ذاته بحثًا محليًا أدق.
ثم يأتي مكان ثالث للتعرض: العمل. عامل البناء أو الزراعة أو الطرق لا يستطيع الاستجابة للتحذير المناخي بالطريقة نفسها التي يستطيع بها موظف يعمل داخل مبنى مكيّف. كما أن درجة حرارة الهواء وحدها لا تصف الحمل الذي يتعرض له جسده، فالإشعاع الشمسي المباشر والمنعكس، والرطوبة والرياح، وشدة الجهد الجسدي وفترات الراحة، كلها تدخل في المعادلة.
هنا يتحول السؤال من الطقس إلى العدالة في شروط العمل: من يملك حق الابتعاد عن الحر عندما يصبح الحر نفسه خطرًا مهنيًا؟
في النهاية، تلتقي هذه المسارات كلها في الجسد.
في تحليل لثماني موجات حر شهدتها إسرائيل بين عامي 2012 و2020، رُصدت 363 وفاة زائدة، وكان 88.5% من هذا العبء المرصود بين من تجاوزوا السبعين. تكشف هذه النتيجة بوضوح شدة هشاشة كبار السن أمام موجات الحر، لكنها تفتح في الوقت نفسه أسئلة أخرى: هل توزع العبء بالطريقة نفسها بين البلدات؟ وبين العرب واليهود؟ وبين المركز والأطراف؟ وبين النساء والرجال؟ وبين أنماط السكن والمهن المختلفة؟
التحليل المنشور لا يتيح كل هذه التقاطعات. وهنا يصبح صمت البيانات جزءًا من القضية، لا لأنه يثبت وجود تفاوت، وإنما لأنه يكشف حدود ما يستطيع النظام رؤيته.
هناك صمت من نوع آخر أيضًا. فالحرارة قد تسهم في تدهور مرض قلبي أو كلوي أو تنفسي، بينما يُسجل السبب السريري للوفاة باسم المرض نفسه. هذا لا يجعل السجل الطبي خاطئًا، لكنه يعني أن قياس العبء الصحي للحرارة يحتاج إلى أدوات وبائية، مثل تحليل الوفيات الزائدة والسلاسل الزمنية، لا إلى عدّ شهادات الوفاة التي تحمل كلمة «حرارة» فقط.
قد يكون أثر المناخ حاضرًا في الجسد من دون أن يظهر اسمه في السطر الأخير من السجل الطبي.
وعندما ننتقل إلى الضفة الغربية، ينبغي أن تتغير الأداة التحليلية نفسها. فالمياه والطاقة والبنية التحتية والحركة والوصول إلى الخدمات الصحية تدخل هنا بتركيبات مختلفة.
وجدت دراسة مكانية منشورة عام 2025 أن نحو 42% من سكان الضفة الغربية يعيشون في مناطق صُنفت ذات تعرض مناخي مرتفع إلى مرتفع جدًا. ومن المهم ألا نحمل الرقم أكثر مما يحتمل، فهو مؤشر للتعرض المناخي المكاني وفق منهج الدراسة، وليس دليلًا على أن 42% من السكان أصيبوا بمرض مرتبط بالمناخ.
وفي العام نفسه، أظهرت دراسة لباحثين في معهد الصحة العامة والمجتمعية بجامعة بيرزيت أن البيانات الروتينية والأبحاث التي تربط المناخ بالصحة ما تزال محدودة، إلى جانب فجوات في التنفيذ والتدريب والتمويل داخل النظام الصحي.
أما غزة، فلا يصح اختزالها في فقرة باعتبارها «الحالة الأشد». تشابك السكن والمياه والطاقة والبنية الصحية والحركة والواقع الإنساني والسياسي يجعل العلاقة بين الحرارة والحماية هناك ملفًا يحتاج إلى بحث مستقل. وفي البحث الجاد، أحيانًا يكون الاعتراف بما لم نبحثه بعد أكثر نزاهة من ملء الفراغ بما نتوقع أنه صحيح.
بعد كل ذلك، يصبح من الصعب الإجابة عن سؤال «من الأكثر تضررًا؟» بقائمة مرتبة. ليست النساء دائمًا أولًا، ثم المسنون، ثم الفقراء، ثم العمال، ثم العرب. الهشاشة لا تعمل بهذه الطريقة.
قد يجتمع العمر والمرض المزمن والعمل الخارجي والمسكن الضعيف والدخل المحدود في جسد واحد، بينما يمتلك شخص آخر بعض عوامل الهشاشة نفسها، لكنه يعيش في شارع مظلل، وبيت أفضل عزلًا، وله شبكة دعم وقدرة أكبر على الوصول إلى الرعاية.
العدالة الحرارية ليست هوية واحدة. إنها نتيجة التقاء ثلاثة أسئلة: كم نتعرض؟ ما مدى حساسيتنا لهذا التعرض؟ وكم نملك من القدرة على التكيف والحماية؟
لهذا ربما لم تعد المشكلة في الأربعين درجة نفسها. المشكلة في كل ما يوجد بين الشمس والجسد: الشارع والشجرة، البيت والعمل، الماء والكهرباء، الدخل والبلدية، المستشفى والسياسة العامة.
وفي هذه المسافة تحديدًا توجد أيضًا إمكانية الفعل. فجزء مهم من الخطر الذي صنعته هذه البنى يمكن تغييره.
لذلك لا تكفي النصائح التي نقولها للناس في يوم الحر: اشربوا الماء، تجنبوا الشمس، وابحثوا عن الظل. علينا أن نسأل لماذا لا يوجد الظل أصلًا، ولماذا نعرف عدد المكيفات أكثر مما نعرف حرارة غرف النوم، ولماذا نصدر تحذيرًا واحدًا لمنطقة كاملة بينما تختلف قدرة الناس على تنفيذ النصيحة التي يحملها ذلك التحذير، ولماذا ننتظر حتى يصل أثر الحرارة إلى غرفة الطوارئ كي نبدأ في رؤيته.
في موجة الحر القادمة، ربما لا يكفي أن ننظر إلى شاشة الهاتف ونسأل: كم بلغت الحرارة؟
علينا أن نسأل أيضًا على مَن وقعت هذه الحرارة، وفي أي عمر وجسد، وفي أي شارع وبيت وبلدة، وأثناء أي عمل، وبأي دخل، وبأي وصول إلى الماء والطاقة والصحة، وبأي قدرة فردية ومؤسسية على الاحتماء.
فالحرارة قد تكون رقمًا واحدًا في نشرة الطقس، لكنها لا تصبح حياة واحدة حين تصل إلى الناس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة