بأيِّ حبرٍ تكتبنا؟
بقلم : فخري هوّاش
تاريخ النشر: 18/08/26 | 6:38
يا أيُّها التاريخ،
بأيِّ حبرٍ تكتبنا؟
أبحبرِ الغزاة،
حين يمحون اسمَ المكان،
ويخطّون فوق الخريطة:
هنا
لم يكن أحد؟
أم بحبرِ التراب،
ذلك الذي لا ينسى
خطوةَ المطرود،
ولا ظلَّ شجرةٍ
أمالتْ رأسَها
حين مرَّ الرحيل؟
يا أيُّها التاريخ،
قل لي:
متى صار الفلسطينيُّ
أخاً للهنديِّ الأحمر؟
أفي لونِ الدم؟
أم في عربةٍ
مضتْ بهما إلى المنفى؟
أم في صباحٍ
استيقظا فيه
فلم يجدا الوطن
إلا معلّقاً
في خيطِ الذاكرة؟
أخوانِ في المنفى،
وفي اقتلاعِ الاسم،
وفي يدٍ غريبةٍ
تقول للأرض:
انسِي.
وتقول للجدِّ:
لم يكن هنا.
وللنهر:
غيّر مجراك.
وللشجرة:
اخفضي ظلكِ
كي لا يدلَّ علينا أحد.
لكنَّ الذاكرة
ليست ورقةً
في دفتر الغالبين.
إنها جذرٌ
يمضي إلى عتمةِ التراب،
كلما اقتلعوا شجرةً
أورقَ في القلب
غابٌ آخر.
يا أيُّها التاريخ،
لا تجعلِ المنفى
نسخةً من منفى،
ولا تجعلِ الجرح
جوازَ سفرٍ
إلى تشابه الضحايا.
فالفلسطينيُّ
ليس هنديّاً أحمر،
والهنديُّ الأحمر
ليس فلسطينياً آخر.
بينهما
محيطٌ،
وقرونٌ من الرماد،
لكنَّ الجرحَ
يعرفُ الجرحَ
ولو اختلفتْ
أسماءُ الجهات.
يعرفُ اليدَ
حين تمتدُّ إلى البيت،
والخريطةَ
حين تضيقُ بأهلها،
واللغةَ
حين تُنتزعُ من فمِ المكان.
أما الجلاد،
فلا يكفيه
أن يلبسَ ثوبَ الضحية،
فالثوبُ لا يغيّر
يدَ صاحبِه.
والبيتُ الذي هُدم
لا تنكره الحكاية،
ولا الطريقُ
يا أيُّها التاريخ،
اكتبنا كما كنا:
شعبين
فرّق بينهما المحيط،
وجمعهما المنفى.
اكتبْ
أنَّ الترابَ
لا ينسى أسماءَ الذين
مرّوا عليه حفاةً،
ولا يسلّم مفاتيحَ الذاكرة
لمن جاء متأخراً
ومحا آثارَ الأقدام.
واكتبْ:
أنَّ الذاكرة،
حين تنجو
من مقصلةِ النسيان،
لا تعودُ ماضياً؛
تصيرُ وطناً
يجس نبض الطريق .
وأنَّ من يمحو
اسمَ الضحية
عن الخريطة
قد يربحُ الخريطة…
لكنّه
لن يمحو الاسم
من التراب.
ففي التراب
جذرٌ
لا ينسى الطريقَ إلى الماء،
ولا ينسى
اسمَ البيت.
وكلما قالوا له:
اقتلع نفسك
تجذر وأقامَ للروح
بيتًا من غبار الراحلين.

