بعد أن نجت

رانية مرجية

تاريخ النشر: 11/08/26 | 11:08

قبل عشر سنوات، كانت في الأربعين.
كان ذلك العمر الذي لا يبدو فيه الموت احتمالًا قريبًا، بل فكرة بعيدة تخص الآخرين. العمر الذي تبدأ فيه المرأة، بعد سنوات من الركض بين البيت والأبناء والعمل والحياة، في النظر إلى ما تبقى من أحلامها بشيء من الهدوء.
ثم جاء المرض.
لم يستأذن.

دخل حياتها بكلمة واحدة، ثقيلة بما يكفي لتعيد ترتيب كل شيء:

السرطان.

في لحظة واحدة، لم يعد المستقبل مساحة مفتوحة، بل سؤالًا.

ولم تعد تفكر في نفسها وحدها.

كانت أمًا لثلاثة أبناء.

والأم حين تمرض لا تخاف على جسدها فقط. تخاف على التفاصيل التي بنتها بيديها، وعلى البيت الذي اعتاد أن يجدها في مكانها، وعلى أبناء ما زالوا يرون في وجودها شيئًا من ثبات العالم.

بدأت رحلة العلاج.

مستشفيات.

مواعيد.

انتظار.

ألم.

أيام تتشابه حتى يبدو مرورها إنجازًا.

وفي وسط ذلك كله، كان هناك شيء بسيط وعنيد عليها أن تفعله:

أن تستمر.

ربما لم تكن تفكر في عشر سنوات.

ربما لم تكن تفكر حتى في السنة القادمة.

كان يكفيها الغد.

فقط الغد.

ثم جاء الغد.

وبعده غد آخر.

ومرت الأيام، وتراجعت وطأة المرض، حتى جاء اليوم الذي استطاعت فيه أن تنظر إلى كلمة «السرطان» بوصفها شيئًا حدث، لا شيئًا يحدث.

لقد شُفيت.

وانتهت المعركة.

وعادت إلى الحياة.

لكن الذين يقتربون من الموت لا يعودون تمامًا إلى الحياة نفسها.

يبقى شيء ما قد تغيّر في نظرتهم إليها.

الصباح الذي كان عاديًا يصبح نعمة.

جلسة عائلية لا حدث فيها تصبح حدثًا.

ضحكة الأبناء تمرّ في القلب قبل أن تمرّ في البيت.

ويصبح مجرد أن يمضي اليوم بلا خبر سيئ سببًا كافيًا للشكر.

عاشت.

ليس يومًا أو شهرًا.

عاشت عشر سنوات.

كبر أبناؤها.

تبدلت ملامح البيت.

وتقدمت هي في العمر.

ومع مرور الوقت، ربما بدا المرض كأنه صفحة أُغلقت منذ زمن.

لكن بعض الصفحات، حتى حين نغلقها، تظل مختبئة داخل الكتاب.

وقبل عام واحد فقط، وصلت إلى واحدة من تلك اللحظات التي تجعل الإنسان يلتفت إلى الطريق الذي قطعه، ولو للحظة:

رأت ابنتها عروسًا.

كانت هناك، في اللحظة التي ربما لم تكن تضمن، وهي في الأربعين، أنها ستعيش لتراها.

ابنتها التي كانت يومًا طفلة، صارت امرأة.

وقفت أمامها بثوب الزفاف.

وفي مكان ما من قلب الأم، لا بد أن شيئًا قال:

لقد وصلت.

هذه الجملة وحدها تختصر عشر سنوات.

عشر سنوات بين الخوف والطمأنينة.

بين احتمال الغياب ونعمة الحضور.

بين امرأة لم تكن تعرف إن كانت ستصل إلى المستقبل، وامرأة تقف الآن أمام ابنتها وهي تبدأ مستقبلها.

لقد وصلت.

ثم جاء الرحيل.

فجأة.

من دون مقدمات طويلة.

من دون مرض يعيد عقارب الساعة إلى الوراء.

من دون أن يقول لأحد إن النهاية اقتربت.

لم يعد السرطان هو العنوان.

لم تعد المستشفيات جزءًا من يومها.

لم تعد تلك المرأة التي تنتظر نتيجة فحص أو خبرًا عن جسدها.

لقد نجت.

وهذه هي المفارقة التي تجعل الحكاية موجعة إلى هذا الحد:

لقد نجت من المرض، ثم رحلت بعد عشر سنوات.

كان عمرها خمسين عامًا.

فقط خمسون.

أمًا لثلاثة أبناء.

امرأة عبرت بابًا ظن الجميع أن الموت يقف خلفه، ثم عادت منه إلى الحياة، وعاشت فيها عقدًا كاملًا.

ولعلنا، نحن الذين ننظر إلى الحكاية من الخارج، نقع في خطأ إنساني قديم:

نظن أن النجاة نهاية الخطر.

نظن أن من عبر المرض قد حصل، بطريقة ما، على حق إضافي في الحياة.

كأن الحياة تقول:

لقد تحملت ما يكفي، خذ سنواتك الآن.

لكن الحياة لا تعمل بهذه الطريقة.

لا تمنحنا عقودًا مقابل ما تحملناه.

لا تكتب في آخر صفحة من المرض موعدًا مضمونًا للنهاية.

هي تمنح.

ثم تمضي.

ونحن الذين نسمّي ذلك «عمرًا» لا نملك في الحقيقة سوى لحظاته.

لهذا كان رحيلها المفاجئ قاسيًا.

ليس لأن الموت جاء فقط، بل لأنه جاء بعد أن اعتقد الجميع أن فصلًا آخر قد بدأ.

جاء بعد أن كبرت الابنة.

بعد أن رأت الأم فرحة زفافها.

بعد أن كبر الأبناء.

بعد عشر سنوات كاملة من الحياة التي كان يمكن أن تنتهي في الأربعين ولم تنتهِ.

جاء الموت متأخرًا بما يكفي كي يجعلنا ننسى أنه كان موجودًا أصلًا.

وهذا ربما هو أكثر ما يفعله الموت قسوة:

أنه يجعلنا نعتاد على وجود من نحب، ثم يذكرنا فجأة أن الاعتياد ليس ضمانًا.

بعد رحيلها، لن يتوقف أبناؤها عن الحياة.

وهذه واحدة من حقائق الفقد الأكثر قسوة.

سيستيقظون.

سيعملون.

سيضحكون.

سيتزوجون.

سينجحون.

سيخطئون.

ستولد لهم أيام جديدة، وستمر بهم أفراح وأحزان لم تكن في حساباتهم.

وستكون أمهم غائبة عنها كلها.

أو هكذا يبدو الأمر.

لأن الغياب لا يعني دائمًا أن الإنسان لم يعد موجودًا.

أحيانًا يعيد الغياب تشكيل وجوده.

تصبح الأم في أبنائها بدل أن تكون إلى جوارهم.

في كلمة تخرج من أحدهم فتشبهها.

في حركة يد.

في طريقة النظر.

في عادة صغيرة لم ينتبهوا يومًا إلى أنها جاءت منها.

في وصفة طعام.

في صورة قديمة.

في دعاء يُقال باسمها.

وفي لحظة نجاح، حين يبحث القلب تلقائيًا عن الشخص الذي كان يجب أن يكون أول من يسمع الخبر.

هناك، تحديدًا، يعود الموت.

ليس كحدث وقع ذات يوم.

بل كغياب يتجدد.

فقدان الأم لا يحدث مرة واحدة.

يحدث على دفعات.

يحدث كلما جاءت مناسبة كان ينبغي أن تجلس فيها بينهم.

كلما وقع شيء جميل وأراد أحدهم أن يقول لها:

«أمي، حدث كذا…»

كلما احتاج أحدهم إلى نصيحة، أو حضن، أو مجرد صوت يعرف كيف يهدئ العالم.

وفي كل مرة تأتي الجملة نفسها، قصيرة كطعنة:

لو كانت هنا.

لكن هناك حقيقة أخرى، أكثر هدوءًا، لا ينبغي أن نغفل عنها.

أنها كانت هنا.

وهذا هو الأهم.

كانت هنا عشر سنوات إضافية.

عشر سنوات بعد أن ظن المرض أنه يستطيع أن يأخذها.

عشر سنوات لم تكن مجرد وقت مؤجل للموت.

كانت حياة.

كانت أمومة.

كانت بيتًا.

كانت أبناءً يكبرون.

كانت ابنة ترتدي ثوب زفاف.

كانت صباحات عادية، وضحكات، وأيامًا لم يحدث فيها شيء عظيم، وهذا في حد ذاته كان عظيمًا.

ربما لا ينبغي أن نقيس نجاتها بما لم تعشه بعد.

بل بما عاشته بالفعل.

لم تكن السنوات العشر وعدًا بعشر أخرى.

كانت هدية مكتملة في ذاتها.

ولهذا، حين ننظر إلى قصتها من نهايتها، لا ينبغي أن نراها فقط كحكاية امرأة ماتت في الخمسين.

بل كحكاية امرأة أُعطي لها الموت وجهًا مبكرًا، ثم أُعيدت إلى الحياة.

امرأة كان يمكن أن تكون قصتها قصة مرض.

فأصبحت قصة زمن.

امرأة عبرت السرطان، وعادت إلى بيتها، وربّت أبناءها، ورأت ابنتها عروسًا، وعاشت عشر سنوات لم تكن مضمونة.

ثم جاء الموت.

ليس ليُلغي تلك السنوات.

فالموت لا يستطيع أن يفعل ذلك.

لا يستطيع أن يجعل الصباحات التي عاشتْها لم تحدث.

ولا أن يعيد ابنتها طفلة.

ولا أن يمحو عشر سنوات من الذاكرة.

ولا أن يأخذ من أبنائها ما صار جزءًا منهم.

الموت يأخذ الجسد.

أما ما تركه الإنسان في الآخرين، فهذه معركة لا يملك الموت أن يخوضها.

ربما لهذا لا يكون الانتصار دائمًا في أن نعيش طويلًا.

ربما يكون الانتصار في أن نعبر الخوف، ثم نعود إلى الحياة بكل ما فيها.

أن نحب ونحن نعرف أن الحب قابل للفقد.

أن نربي أبناءنا رغم أننا لا نملك ضمانة أن نرى نهايات قصصهم.

أن نعيش اليوم من دون أن نطلب من الغد وعدًا.

لقد نجت من السرطان.

لكنها، قبل ذلك وبعده، نجت من شيء آخر:

نجت من أن تجعل الخوف حياتها كلها.

عادت.

عاشت.

أحبت.

ربّت أبناءها.

رأت ابنتها عروسًا.

وتركت في ثلاثة أبناء أجزاءً منها ستواصل الحياة من بعدها.

ثم رحلت.

في الخمسين.

مبكرًا، إذا قسنا العمر بما كان يمكن أن يأتي.

وكاملًا، إذا قسناه بما حدث فعلًا.

ولعل هذه هي المفارقة الأخيرة في حكايتها:

أن الإنسان لا يعرف أبدًا كم كانت السنوات التي مُنحت له، إلا بعد أن تنتهي.

لكننا نعرف شيئًا واحدًا عنها.

أنها، حين أُعطيت فرصة أخرى للحياة، عاشت.

وهذا ربما يكفي.

لأن بعض الناس لا يخلدون بطول أعمارهم.

يخلدون بما يتركونه في الذين أحبّوهم.

وهي تركت ثلاثة أبناء.

ثلاثة امتدادات لقلبها.

ثلاثة أشخاص سيحملون اسمها، وملامح منها، وشيئًا من صوتها، وأشياء كثيرة لا يعرفون الآن أنها منها، ثم سيكتشفونها ذات يوم.

ستغيب عنهم.

لكنها لن تنتهي.

ستنتقل من الحضور إلى الأثر.

ومن الصوت إلى الذاكرة.

ومن الأم التي كانت هنا، إلى الأم التي ستظل هنا بطريقة أخرى.

نجت من السرطان.

وعاشت عشر سنوات أخرى.

ورأت ابنتها عروسًا.

ثم رحلت.

لكن الموت، مهما كان قاسيًا، لم يستطع أن يأخذ السنوات التي عاشتها.

ولم يستطع أن يأخذ أبناءها منها.

ولم يستطع أن يأخذ ما تركته فيهم.

ما منحته لهم، لن يرحل معها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة