د. ضياء خضير: في الذكرى العشرين لرحيل الأديب خليل السواحري
بقلم: الدكتور ضياء خضير
تاريخ النشر: 11/08/26 | 9:08
خليل السواحري (قمر القدس الحزين) في الذكرى العشرين لرحيله
عشرون عاماً مضت على رحيل الصديق القاص خليل السواحري، وما زال حضوره قائماً في الذاكرة الأدبية، لا بوصفه اسماً من أسماء القصة الفلسطينية والعربية البارزة فحسب، وإنما بوصفه صاحب تجربة سردية لها خصوصيتها، وسماتها المرتبطة بضياع الوطن وفضاء التكوين الأول الذي يجعل الأدب أكثر التصاقاً بالإنسان والمكان والذاكرة.
وإذ يبدو مرور عشرين عاماً على رحيل أبي عروه مناسبة لاستعادته من غياب الجسد إلى حضور النص، ومن الذاكرة الشخصية إلى الذاكرة الأدبية الأوسع، نتذكر كيف أن بعض الكتاب يغيبون حين تنطفئ أصواتهم، وبعضهم الآخر تبدأ حياتهم الحقيقية بعد الرحيل، حين تنفصل أعمالهم عن صاحبها وتدخل في هذا الامتحان القاسي لمرور الزمن. وحين زرت قبل ايام زوجة السواحري ورفيقة دربه ام عروة في بيتهما العامر بالدوار الخامس بعمان، تأكد لديّ كيف يتحول الغياب إلى حضور لدى هذه المرأة التي التي توقف لديها الزمن لديها ولم تتحرك عقارب ساعتها بعيدا عن زوجه ورفيق دربها، فبقيت تعيش معه في موته وغيابه كما عاشت معه في حياته وحضوره الطاغي.
والسواحري، في تقديري، من أولئك الذين ظل نصهم قادرا على استعادة صاحبه، كلما عدنا إلى قصصه في (مقهى الباشورة ١٩٧٥)، التي سجلت انعطافة لافتة للنظر في تاريخ القصة الفلسطينية، ثم (تحولات سليمان التائه ومكابداته)، التي صدرت إثر زيارة قام بها المؤلف للقدس بعد حوالي عشرين عاما على صدور المجموعة القصصية الأولى، ووجدنا فيها شيئاً من القدس، وشيئاً من فلسطين، وشيئاً من الإنسان العربي في محنته اليومية. وكتبت على نحو يُشبه السيرة الذاتية التي تجري فيها المطابقة وتبادل الدلائة بين حياة الكاتب وحياة بطله حين تُصبح حياة هذا الأخير وتلفظاته السردية مصدراً من مصادر التأويل الذي لا ينفصل فيه المؤلف عن الراوي النائب عنه، بصرف النظر عن المعايير النقدية التي تؤكد على حياد هذا الراوي وسماته اللاشخصية وعلاقته بالكاتب كشخص منفصل عنه، ولذلك، فنحن لا نذيع سرّا إذا قلنا مع بعض النقاد إن (سليمان التائه) في هذه المجموعة هو الاسم الحركي لخليل السواحري نفسه، حتى إذا كان هذا الإسم قد اتخد في بعض النصوص علاماتٍ وشاراتٍ أخرى مختلفة. فهو لا يغيّر من طبيعة الخطاب السردي، ولا من ثيماته الرئيسية. والواقعية الخارجية للحكاية التي تُكتب عن إنسان عانى التجربة وتجرَّع مراراتها وراقب بحسً متوفّز ووعي فنّي متقدم تطور القضية داخل الوطن وخارجه واستخدم مادتها لانتاج نصوص ابداعية لا تبعد في روحها ورائحتها عما حدث في أرض الواقع، أقول إن هذه الواقعية هي الهاجس الذي يحاول فيه الكاتب الملتزم أن يبدع من خلاله فناً، فيما هو يعيد انتاج حياته وحياة مجتمعة أو نماذج معينة منه بطريقته الخاصة. ولعلّ من الأمور الدالة في تجربة خليل السواحري وفنه أنه لم يكن كاتباً غزير الإنتاج. فهو لا يكتب القصة دون دواعٍ مخصوصة وحاجة حقيقية تمتح مادته فيها من بئر التجربة المعيشة، مع شعور ضاغط للتعبير عن شؤونه الخاصة التي اختلطت وتمازجت مع الشؤون العامة بكل ما يتضمنه ذلك من حمولة ذاتية وموضوعبة ويتخلّله من فضاءات اقتصادية وسياسية وثقافية. ومن المعروف أن عالم خليل السواحري ليس عالمَ البرجوازية الوطنية، بل عالم العمّال والناس البسطاء الذين ينطوون، مع ذلك، على أعمق ما في الذاكرة الفلسطينية من حكمة تحملها شخصياته بدرجات متفاوتة، ويمكن أن تتدخل في لحظات معيّنة لايقاف السرد وردّ المتخيَّل الحكائي إلى واقع له صلابة التقاليد وقوّة اللغة وقدرةُ التاريخ على المقاومة. ووجود البرجوازيين وأصحاب النفوذ أو المواقع الوظيفية والاجتماعية الكبيرة في عالم قصة السواحري من شأنه ان يثير الشك والريبة لدى الراوي في كل النماذج السردية للكاتب.
ولعل هذا هو أحد الأسباب التي دفعتني، في وقت سابق، إلى إعداد كتابي عنه، الذي حمل عنوان خليل السواحري (قمر القدس الحزين)، وجعلت مقدمته مدخلًا واسعًا إلى منجزه السردي، محاولًا أن أجمع فيه ما وقع تحت يدي من كتابات نقدية تناولت فن السواحري القصصي، وأن أقرأ من خلالها موقعه وتجربته وما أضافه إلى فن القصة الفلسطينية والعربية آنئذٍ.
و لم يكن ذلك العمل بالنسبة إليّ مجرد محاولة لتوثيق ما كتب عن السواحري، وإنما كان، في جوهره، محاولة للعودة إلى تجربته القصصية من زوايا متعددة، واكتشاف ما تختزنه من طبقات فنية وإنسانية. فالكاتب الحقيقي لا يمكن اختزاله في سيرة معينة أو في مجموعة من العناوين، وإنما ينبغي النظر إلى عالمه الأدبي باعتباره بناءً متكاملاً تتداخل فيه الرؤية بالأسلوب، والمكان بالذاكرة، والتجربة الشخصية بالتجربة العامة.
ومن هنا كانت صورة قمر القدس الحزين، التي اخترتها عنواناً للكتاب أكثر من استعارة عابرة. فقد ظلت القدس في تجربة السواحري أكثرَ من مكان تجري فيه الأحداث؛ كانت ذاكرة ووجعاً وحضوراً روحيًا بقمرها الذي يعاني الآن من خسوف أكبر، وكانت في الوقت نفسه فضاءً إنسانياً تتقاطع فيه مصائر الشخصيات وأحلامها وانكساراتها. وفي هذا المعنى تبدو القدس عنده مدينة تسكن النص مثلما يسكن النص ذاكرة الكاتب.
لقد امتلك السواحري حساً خاصاً في التقاط التفاصيل الصغيرة التي قد تبدو، للوهلة الأولى، عادية أو هامشية، ثم يمنحها بالسرد دلالتها الإنسانية. وهذه القدرة على تحويل اليومي إلى مادة أدبية هي واحدة من العلامات التي تستوقف قارئ قصصه. فالقصة عنده ليست مجرد حكاية تُروى، وإنما هي بحث عن المعنى الكامن خلف الحكاية، وعن الإنسان الذي قد يختبئ وراء التفاصيل العابرة.
ولذلك فإن قراءة السواحري لا ينبغي أن تتوقف عند الموضوعات التي تناولها، مهما كانت أهميتها، بل يجب أن تتجه أيضاً إلى الطريقة التي عالج بها تلك الموضوعات. فالقضية الفلسطينية، مثلاً، لا تصبح أدباً لمجرد حضورها في النص؛ فالذي يمنحها قيمتها الأدبية هو مقدار ما يستطيع الكاتب أن يحولها به إلى تجربة إنسانية حية، وإلى شخصيات لها ملامحها وأحلامها ومخاوفها، وبمقدار ما يضيف إليها من روحه ليبقيها على قيد الفعل، لا إلى مجرد رموز أو شعارات.
وهنا تكمن أهمية السواحري: لقد كان ابن قضية وذاكرة، لكنه لم يسمح للقضية، في أجمل لحظات فنه، أن تبتلع الإنسان. ظل الإنسان هو مركز الحكاية، وظلت معاناته اليومية وتوقه إلى الحياة والحرية والكرامة هي المجال الذي تتحرك فيه القصة.
وإذا كانت فلسطين حاضرة بقوة في تجربته، فإن حضورها لم يكن منفصلًا عن هموم الإنسان العربي عموماً. فالمكان الفلسطيني عند السواحري ينفتح على أسئلة أوسع: سؤال المنفى، والاقتلاع، والحنين، والاغتراب، وضياع الأمكنة، وتحول الذاكرة إلى وطن بديل. ولذلك فإن قصصه قابلة لأن تُقرأ خارج حدود المناسبة السياسية المباشرة؛ لأنها في النهاية تتحدث عن الإنسان حين يفقد ما يحب، وحين يحاول أن يستعيده بالكلمة والذاكرة.
وقد حاولت في كتابي المذكور أن أقترب من هذه التجربة من خلال نصوصه وما كتب عنها من دراسات وقراءات نقدية، وأن أجمع خيوطاً متفرقة يمكن أن تساعد في رسم صورة أوضح لمنجزه السردي. وكان من اللافت أن تعدد القراءات لم يؤدِّ إلى إلغاء خصوصية السواحري، بل كشف عن جوانب متعددة في تجربته، وأكد أن النص الجيد يظل قابلًا لقراءات جديدة كلما تغير القارئ وتغير الزمن.
واليوم، بعد عشرين عامًا على رحيله، تبدو الحاجة إلى العودة إلى السواحري أكثرَ إلحاحاً. فالزمن لا يكتفي بإبعاد الأحياء عن ذاكرتنا، وإنما يعيد ترتيب المشهد الأدبي كله. أسماء تلمع في زمنها ثم تخفت، وأسماء أخرى تتقدم ببطء، لأن ما كتبته كان أعمق من اللحظة التي كتب فيه.
ولعل السواحري من هؤلاء الذين يستحقون أن يُعاد تقديمهم إلى الأجيال الجديدة، لا من باب الوفاء وحدَه، وإنما لأن في تجربته ما هو قادر على أن يقول شيئاً لنا اليوم في حياتنا الراهنة. فالأدب الذي يعيش هو الأدب الذي يستطيع أن يتجاوز زمن كتابته، وأن يجد في كل مرحلة قارئاً يرى فيه شيئاً من أسئلته الخاصة.
وهكذا، فبعد عشرين عاماً على غياب السواحري، لا يعود السؤال: ماذا بقي من خليل السواحري؟ وإنما يصبح السؤال: ماذا بقي لنا نحن من خليل
ولذلك فإن استذكار الأخ الصديق ابي عروة في الذكرى العشرين لرحيله ليس استعادة لماضٍ أدبي قضى ومضى، وإنما هو دعوة إلى إعادة قراءة نصوصه، وإلى وضع تجربته في سياقها الحقيقي داخل القصة الفلسطينية والعربية.
وقد جاء على الغلاف الاخير الذي وضعه الشاعر عز الدين المناصرة ما يلي:
ظل خليل السواحري (ابن القدس)، في ذاكرتي، واحداً من رواد حركة التحديث في فلسطين والاردن منذ اوائل الستينات، تلك الحركة الحداثية الادبية التي تجلت في مجلة (الأفق الجديد) التي صدرت في القدس (1961 – 1966)، وهي ما أطلق عليه صفة (جماعة الأفق الجديد). وقد كان السواحري هو الأكثر نشاطاً في مجال كتابة القصة القصيرة والنقد، مع زملائه: محمود شقير، ويحيى يخلف، وماجد أبو شرار، وفخري قعوار، وغيرهم. كما كان السواحري محرراً ثقافياً لعدد من الصحف الفلسطينية سنوات طويلة، مما جعل كثيرين من القصاصين الشباب أنذاك يتعلمون على يديه فن كتابة القصة القصيرة.
وإذا كان لكل كاتب صورته الخاصة التي تختزنها الذاكرة، فإن صورة السواحري التي ظلت عالقة لديّ هي صورة ذلك القمر الحزين فوق القدس: بعيداً وقريباً في آن، يحمل شيئاً من الضوء وشيئاً من الحزن الذي نأمل ألا يصل إلى درجة الخسوف الكلًِي نتيجة لما يحدث لفلسطين هذه السنوات، وهذه الأيام.

