القدس لا تُحتل مرة واحدة حين يصبح تغيير المدينة مشروعًا يوميًا

بقلم: رانية مرجية

تاريخ النشر: 10/08/26 | 23:05

هناك احتلالٌ يُرى، واحتلالٌ يتسلل.

الأول تراه العين في جندي عند حاجز، أو جرافة تهدم بيتًا، أو مستوطن يقتحم باحات المسجد الأقصى. أما الثاني، فهو أكثر هدوءًا وأشد خطورة؛ لأنه لا يفرض نفسه دفعة واحدة، بل يتسلل عبر تفاصيل يومية تتراكم حتى تصبح واقعًا جديدًا.

وهكذا لا تُنتزع القدس في يوم واحد.

إنها تتغير قليلًا كل يوم: بيت يُهدم، عائلة تُهدد بالإخلاء، أرض تتمدد فوقها المستوطنة، حي يُحاصر، طريق يعيد رسم الخريطة، وقيود تضيق بها مساحة الفلسطيني في مدينته.

لهذا، فإن ما يجري في القدس لا ينبغي أن يُقرأ كسلسلة من الأحداث المنفصلة، بل باعتباره مسارًا متصلًا يمس الإنسان والمكان معًا.

في الأحياء المحيطة بالمسجد الأقصى، من سلوان وبطن الهوى والبستان ووادي حلوة، تتصاعد الإجراءات والمخططات التي تستهدف الوجود الفلسطيني، وسط تحذيرات من أن الهدف يتجاوز العقار إلى إعادة تشكيل المحيط المباشر للمسجد ديموغرافيًا وجغرافيًا.

وهنا تكمن جوهر القضية:

القدس ليست عقارات، والمدينة لا تُختزل في حجارتها. المدينة تُصنع بسكانها.

حين يُدفع مقدسي إلى هدم منزله بيده تحت وطأة الغرامات والتهديدات، لا ينهار جدار فقط؛ بل تُقتطع قطعة من ذاكرة المكان. وحين تُدفع عائلة إلى مغادرة بيتها، فإن ما يُنتزع ليس عنوانًا سكنيًا، وإنما جزء من حضور متجذر في المدينة.

خلال شهر تموز، وثق التقرير 19 عملية هدم وتجريف، بينها 14 عملية هدم ذاتي قسري نفذها أصحاب المنشآت تحت ضغط الغرامات والتهديدات، كما وثق نحو 200 حالة اعتقال و73 قرار إبعاد.

الأرقام هنا ليست مجرد حصيلة شهرية.

خلف كل رقم بيت، وخلف كل بيت عائلة، وخلف كل عائلة حكاية بقاء.

وفي الوقت نفسه، يتقدم الاستيطان.

فقد طُرح عطاء لبناء 627 وحدة استيطانية جديدة في القدس، فيما يتضمن مخطط آخر نحو 2300 وحدة في محيط مستوطنة جيلو، بما يعزز الطوق الاستيطاني حول المدينة ويدفعه باتجاه بيت لحم.

وهنا يبرز سؤال لا ينبغي الهروب منه:

هل يجري بناء مستوطنات جديدة فحسب، أم يجري بناء جغرافيا سياسية جديدة للقدس؟

فالاستيطان حين يرتبط بالطرق وتطويق الأحياء وعزل المدينة عن محيطها الفلسطيني، لا يعود مجرد توسع عمراني؛ بل يصبح أداة لإعادة رسم المكان.

والجغرافيا في القدس ليست تفصيلًا.

الطريق يمكن أن يتحول إلى حدود، والحي إلى حاجز، والمستوطنة إلى أداة فصل.

ومن هنا لا يمكن فصل ما يجري في أطراف المدينة عما يجري في قلبها: المسجد الأقصى.

فالتقرير يرصد تصاعد الاقتحامات، بما في ذلك اقتحام أكثر من ألف مستوطن للمسجد خلال أسبوع، وتجاوز عدد الاقتحامات خلال تموز 13 ألفًا، بالتزامن مع قيود على دخول المصلين المسلمين.

لكن القضية ليست في العدد وحده.

القضية في تغيير ما يُراد له أن يصبح مألوفًا.

فالوقائع التاريخية والقانونية لا تُغيّر دائمًا بقرار معلن؛ قد يبدأ تغييرها حين تتكرر الممارسات التي تناقضها، ويعتاد العالم مشاهدتها.

وهذا تحديدًا ما يجعل القدس مختلفة.

لأن تغيير واقعها لا يحتاج بالضرورة إلى إعلان كبير.

يكفي أن تتراكم الوقائع.

واقعة فوق واقعة.

حتى يصبح السؤال: كيف وصلنا إلى هنا؟

والجواب قد يكون بسيطًا ومؤلمًا في آن واحد:

لم نصل فجأة؛ وصلنا خطوة خطوة.

ثمة خطأ آخر يجب ألا نقع فيه: اختزال القدس في المسجد الأقصى وحده.

الأقصى قلب القدس، لكنه ليس القدس كلها.

القدس أيضًا إنسانها، وأحياؤها، وبيوتها، وأسواقها، وكنائسها، ومدارسها، وذاكرتها.

ولهذا فإن التحذير من النزيف الديموغرافي الذي يهدد الوجود المسيحي التاريخي في فلسطين لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه قضية طائفية. إنه جزء من سؤال أوسع: أي مدينة نريد للقدس أن تكون؟

فالقدس التي عرفها التاريخ مدينة متعددة، وكان المسلم والمسيحي فيها جزءًا من نسيج اجتماعي وثقافي واحد.

وحين يضعف الوجود الأصلي للسكان، فإن الخسارة لا تصيب جماعة واحدة، بل تصيب شخصية المدينة نفسها.

ولأن القدس أكبر من حدودها، فإن ما يجري فيها لا يمكن أن يبقى شأنًا محليًا.

لقد أثبتت التجربة أن أي تغيير في المدينة يتجاوزها سريعًا إلى محيطها وإلى الإقليم كله.

ولهذا تكتسب التحركات العربية والإسلامية والدولية أهميتها، ومنها التحرك الدبلوماسي الأردني الرامي إلى تثبيت الحقوق الفلسطينية، وحماية هوية المدينة، والتصدي لمحاولات تغيير واقعها القانوني والتاريخي والديموغرافي، والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى.

لكن القدس تحتاج إلى أكثر من تسجيل المواقف.

تحتاج إلى استمرارية الموقف.

فالطرف الذي يغير الواقع على الأرض لا يعمل وفق دورة الأخبار، ولا ينتظر البيان التالي.

إنه يعمل كل يوم.

ومن ثم فإن السياسة التي لا تواكب هذا الإيقاع تتحول، من حيث لا تريد، إلى سياسة انتظار.

والانتظار في القدس ليس موقفًا محايدًا.

إنه يمنح الوقت لمن يريد تغيير الواقع.

لقد كان من الأخطاء المتكررة التعامل مع القدس باعتبارها ملفًا يمكن تأجيله إلى نهاية المفاوضات، وكأن المدينة ستبقى على حالها إلى أن يحين موعد الحل.

لكن القدس لا تنتظر.

فالوقائع تتراكم، والتغيير على الأرض يمكن أن يعيد تشكيل مستقبل المدينة قبل أن تصل الأطراف إلى أي طاولة سياسية.

ولهذا ينبغي أن يتغير السؤال.

بدل أن نسأل: متى تُحل قضية القدس؟

علينا أن نسأل:

كيف نحمي القدس إلى أن يحين الحل؟

هذا هو السؤال الأكثر إلحاحًا.

فحماية القدس تعني حماية أهلها، وحماية أرضها، وصون مقدساتها، والحفاظ على وضعها التاريخي والقانوني، ورفض كل محاولة لفرض واقع جديد بالقوة.

وإذا كان حل الدولتين لا يزال مطروحًا باعتباره الطريق إلى سلام عادل ومستدام، فإن الحفاظ على القدس الشرقية جزء أساسي من إمكانية هذا الحل، لا تفصيل يمكن تأجيله. ويؤكد الموقف الأردني الوارد في التقرير أن القدس الشرقية أرض فلسطينية محتلة، وأنها عاصمة الدولة الفلسطينية المنشودة، مع رفض الضم والاستيطان والتهجير وتغيير هوية المدينة وتركيبتها السكانية.

في القدس لا تجري معركة على الماضي فقط.

المعركة على المستقبل.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن فعله هو الاكتفاء بالقول إن القدس كانت وستبقى.

فالقدس لا تحتاج إلى تطمينات عاطفية.

تحتاج إلى فعل سياسي وقانوني ودبلوماسي يحول دون أن يصبح الواقع المفروض حقيقة دائمة.

تحتاج إلى حماية الإنسان قبل الحجر، والأرض قبل الخريطة، والهوية قبل أن تتحول إلى ذكرى.

وتحتاج إلى حماية تنوعها التاريخي، بحيث يبقى المسلم والمسيحي جزءًا من حاضرها ومستقبلها، لا مجرد فصل في ماضيها.

فالمدينة التي تفقد سكانها الأصليين لا تخسر عددًا من السكان فقط.

إنها تخسر جزءًا من روحها.

ربما لهذا تحديدًا يجب أن نتعامل مع القدس باعتبارها اختبارًا للضمير السياسي قبل أن تكون اختبارًا للدبلوماسية.

فالبيانات لا توقف جرافة.

والإدانة وحدها لا تمنع استيطانًا.

والقلق لا يعيد عائلة إلى بيتها.

ما تحتاجه القدس هو أن يتحول الموقف إلى سياسة، والسياسة إلى أدوات، والأدوات إلى حماية حقيقية للمدينة وأهلها.

فالقدس لا تُفقد في لحظة واحدة.

قد تُفقد في تفاصيل كثيرة، إذا سمحنا لهذه التفاصيل أن تصبح عادية.

القدس لا تُحتل مرة واحدة؛ إنها تُغيَّر كلما اعتدنا على التغيير.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط في منع الجرافة حين تصل، وإنما في رفض المسار الذي يقود إليها.

أن نرفض أن يصبح الإخلاء خبرًا عابرًا.

وأن نرفض أن يتحول الاستيطان إلى رقم في جدول.

وأن نرفض أن تصبح اقتحامات الأقصى مشهدًا معتادًا.

وأن نرفض أن يُقدَّم هدم البيت باعتباره مجرد “إجراء”.

وأن نرفض، قبل كل شيء، أن يُطلب من أصحاب المدينة أن يثبتوا كل صباح أنهم ما زالوا أصحابها.

فالقدس لا تحتاج إلى من يتذكرها عندما تشتعل.

تحتاج إلى من يحميها وهي تتغير بصمت.

وهنا تقع مسؤولية السياسة، ومسؤولية الصحافة، ومسؤولية كل من يعرف أن المدن لا تفقد هويتها في لحظة واحدة، بل تفقدها عندما يصبح تغييرها أمرًا عاديًا.

والقدس ليست مدينة يمكن أن نعتاد على خسارتها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة