في ذكرى رحيل درويش

فخري هوّاش البروة/جديدة المكر

تاريخ النشر: 10/08/26 | 6:30

سفينة القصيدة
في التاسع من آب،
لا نحصي السنوات التي مرّت على غيابك،
فالسنوات لا تقيس غياب شاعر.
نحصي ما بقي منك فينا:
قصيدةً
تقاوم الصمت،
وصوتًا
كلما ظننا أنه ابتعد
عاد من جهة الغياب.
يا محمود،
منذ أن تركتَ القصيدة معلّقةً
على حبل الهواء،
وفلسطين تبحث عن تتمتها.
البروة لم تعد قريةً فقط،
صارت سؤالًا
يمشي حافيًا في الذاكرة.
والمنفى لم يعد مكانًا،
صار ظلًّا طويلًا
يتبع خطى العائدين.
والبيت…
كلما اقتربنا منه
ابتعدت عنه الخرائط،
لكن مفتاحه
ظلّ دافئًا في جيب الذاكرة.
قلتَ لنا،
دون أن تقولها بهذه البساطة،
إن الوطن ليس خارطةً،
بل ذلك الشيء الذي
إذا فقدناه
فقدنا شيئًا من ملامحنا.
ولهذا
كلما ضاقت الأرض
اتسعت القصيدة.
وكلما ارتفع جدار
فتحت اللغة نافذة.
وكلما حاول النسيان
أن يمحو أسماء القرى،
عاد التراب
ليكتبها تحت أقدامنا.
وغزة…
تلك التي كان يمكن للقصيدة
أن تراها من بعيد،
تقف اليوم في قلب النار،
وتحمل موتاها
كما تحمل الأم طفلها
إلى آخر الطريق.
هناك،
لا يحتاج الحجر إلى شاعر
كي يتكلم.
الحجر نفسه
صار قصيدة.
والطفل الذي يمشي فوق الركام
لا يسأل أين الوطن؛
الوطن يمشي معه،
خفيفًا كظلّه،
ثقيلًا كغياب أبيه.
وفي القدس
ما زال جرسٌ خفيّ
يدق في الجهات.
المدينة لا تبكي.
المدن العتيقة
تخبئ دموعها في حجارتها
كي لا تمنح الغزاة
لذة رؤيتها تنكسر.
أما نحن،
فنفتح دواوينك
كما يفتح الغريب
باب البيت القديم.
نشمّ رائحة التراب،
ونسمع وقع الخطى،
ونسأل:
هل غبتَ حقًا؟
أم أنك فقط
ذهبتَ إلى الجهة الأخرى
من القصيدة؟
يا محمود،
لم تكن تعرف
أن غيابك سيصبح
نوعًا آخر من الحضور.
وأننا سنجلس بعدك
حول مائدة اللغة،
نختلف على معنى الوطن،
ونتفق على أن الغياب
أشد حضورًا من الحضور.
رحلتَ…
لكن فلسطين لم تنتهِ.
وهذه هي الورطة الجميلة
التي تركتها لنا:
أن نكتبها
دون أن نمتلكها،
أن نحبها
دون أن نحولها إلى شعار،
أن نحملها
دون أن نتركها تتحول
إلى حجرٍ على أكتافنا.
ربما لهذا
لم تكن قصيدتك الأخيرة.
فالقصيدة التي كتبتها عن فلسطين
ما زالت تبحث عن شاعرها.
كل جيل
يأتي ليكمل سطرًا.
كل أم
تضيف إلى المعنى
حرفًا من حليبها ودمعها.
وكل طفل
يخرج من بين الركام
كأنه يكتب على وجه الأرض:
هنا يبدأ الوطن.
في ذكرى رحيلك
لا نرثيك.
نضع وردةً
على طرف القصيدة،
ونتركها للريح.
ثم نمضي.
نمضي إلى التراب
الذي جفّت مآقيه،
وما زال ينتظر عودة المطر.
إلى التراب
الذي حفظ أسماءنا
حين عجزت الخرائط عن حفظها.
إلى الحكاية
التي لم تُروَ بعد.
وإلى سفينة القصيدة
التي أبحرتَ بها
ذات مساء،
وتركتَ لنا مجدافًا
كي لا نغرق.
سفينةٌ تمخر عباب الغياب،
تحمل في قاعها
مفتاح البيت،
وقليلًا من زيتون البروة،
وذاكرة القدس،
وصرخة غزة،
وأغنية أمّ
ما زالت تنتظر ابنها.
سفينةٌ لا تعرف الموانئ
إلا حين يكون الشاطئ
فلسطين.
ولعل المطر،
حين يعود،
لن يغسل وجه الأرض فقط،
بل سيوقظ في التراب
أصوات الذين رحلوا.
وحينها
ستعود سفينة القصيدة
من الجهة الأخرى للغياب،
محملةً بما يكفي
لإعادة ترتيب الجهات.
وحين تسألنا الأرض:
من أنتم؟
سنقول:
نحن الذين لم ينسوا.
نحن الذين حملوا البلاد
في قصيدة.
نحن الذين تركنا
للمطر نافذةً مفتوحة.
ونحن الذين،
رغم كل هذا الغياب،
ما زلنا ننتظر…
أن ترسو سفينة القصيدة
على شاطئ العودة.
فلسطين هنا…
والتراب هنا…
والمطر،
مهما تأخر،
يعرف الطريق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة