أطياف قرطبة في كفرقرع: استعادة سيرة ومشروع ابن رشد في المصالحة بين الحكمة والشريعة والانتصار للعقل والبرهان

سعيد العفاسي: صحافي، ناقد فني

تاريخ النشر: 08/08/26 | 7:03

في ميقات هبوط الأصائل من دهمة ليلة الجمعة المباركة للسابع من أغسطس/آب 2026، وعلى إيقاع سؤال لا يهرم ولا ينقضي، كيف يستعيد العقل قدرته على النظر حين يستبد به التقليد؟ نظم مركز أبحاث المثلث بمدينة كفرقرع أمسية فكرية وسمت بـ”أطياف فيلسوف قرطبة”، إحياء لذكرى مرور تسعة قرون على رحيل أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد، الفيلسوف والطبيب والفقيه الأندلسي الذي ظل اسمه، على تعاقب الدهور، مشكاة من مشكآت العقل، وعلامة فارقة في تاريخ الفكر الإسلامي والإنساني. كانت الأمسية استعادة لسيرة رجل من غابر الزمان، في محاولة لاستحضار ابن رشد بوصفه مشروعا فكريا لا تزال أسئلته حية، وموقفا من العقل والمعرفة لم تستنفد الأيام مداه، ولا أفل بريقه بانصرام القرون. وعلى منصة “الحوار” تحدث الدكتور أحمد محمود إغبارية، مستعرضا أطيافا من سيرة فيلسوف قرطبة ومآثره العلمية والفكرية، فيما أدارت الحوار الدكتورة ردينة غانم، فكانت تسبر غور الأفكار، وتستدرج الأسئلة، وتفتح مسالك جديدة للنظر والمناقشة. أما الدكتور محمد يحيى، فناب عن مركز أبحاث المثلث في افتتاح اللقاء، مستهلا الحديث بابن رشد الطبيب، وما خلفه من آثار في صناعة الطب، وما كشفت عنه مؤلفاته من سعة اطلاع، ودقة ملاحظة، ونزوع إلى ترتيب المعرفة وتركيبها في نسق جامع.

تفضل الدكتور أحمد محمود إغبارية ببسط سيرة مقتضبة لفيلسوف قرطبة أبي الوليد ابن رشد، مستحضرا محطات من حياته العلمية والفكرية، ومضيئا بعضا من المعالم التي صنعت فرادته في تاريخ الفكر الإسلامي، بوصفه عالما متعدد المشارب، توزعت عنايته بين الفلسفة والطب والفقه والأصول والمنطق، حتى غدا اسمه عنوانا على موسوعية قل أن اجتمعت في رجل واحد. وقد توقف المتحدث عند أهمية الفكر الرشدي، وما أحدثه من رجّات عميقة في البنية الفكرية بالأندلس والمغرب، مبينا أن ابن رشد كان صاحب مشروع في النظر، سعى من خلاله إلى إعادة الاعتبار للعقل والبرهان، وإقامة صلة متينة بين الحكمة والشريعة، بعيدا عن التعارض المفتعل بين مقتضيات العقل ومقتضيات الإيمان، ولم يكن مجرد شارح للفلسفة اليونانية، ولا ناقلا أمينا لآراء أرسطو، لتبرز قيمة كتابه “«”فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال”»”، الذي جعل منه واحدا من أبرز النصوص المؤسسة في الدفاع عن مشروعية النظر العقلي في الثقافة الإسلامية. كما استحضر إغبارية بعضا من مؤلفات ابن رشد التي تكشف تعدد مجالات اشتغاله، من “تهافت التهافت”، حيث خاض سجالا فلسفيا عميقا مع أبي حامد الغزالي، إلى “بداية المجتهد ونهاية المقتصد”، الذي يمثل ذروة نضجه في الفقه المقارن، فضلا عن “الكليات في الطب” وما يجسده من نزوع إلى تنظيم المعرفة الطبية ضمن رؤية كلية جامعة. وتوقف كذلك عند شروحه لمؤلفات أرسطو، التي أكسبته في الغرب لقب “الشارح”، وجعلت آثاره معبرا أساسيا انتقلت عبره جملة من المفاهيم الفلسفية إلى الفكر الأوروبي الوسيط. ولم يغفل المتحدث ما خلفه المشروع الرشدي من ردود فعل وتجاذبات داخل المجال الثقافي بالأندلس والمغرب، إذ أثارت أفكاره أسئلة حادة حول حدود العقل، ومشروعية الفلسفة، وطبيعة التأويل، والعلاقة بين الحكمة والشريعة. كما أن محنة ابن رشد وما تعرض له من إبعاد وتضييق تكشف عن التوتر الذي قد ينشأ حين يتقدم السؤال العقلي على مألوف عصره، وحين يحاول الفكر أن يوسع دائرة الممكن في فضاء تهيمن عليه سلطة الموروث. وخلص إغبارية إلى أن إنتاج ابن رشد لا يزداد مع مرور الزمن إلا إثارة للرغبة في إعادة القراءة والتفكيك، للكشف عن بنياته العميقة، ومحدداته المنهجية، وشروطه التاريخية، واستجلاء الأبعاد التي جعلت منه فكرا قابلا لأن يعبر القرون. فكل قراءة جديدة لابن رشد تضع الحاضر نفسه أمام مرآة العقل، وتدعوه إلى مساءلة مسلّماته، واستعادة السؤال الذي ظل ابن رشد وفيا له، كيف نجعل من العقل سبيلا إلى الحقيقة، ومن المعرفة فعلا من أفعال الحرية؟.
لقد كان ابن رشد، بحق، من أولئك العلماء الذين ضاقت بهم الحدود التي تفصل بين العلوم. فهو الفقيه الذي نظر في اختلاف المذاهب بعين الناقد، والطبيب الذي رام الإحاطة بالكليات الناظمة لصناعة الطب، والفيلسوف الذي جعل البرهان عماد النظر، والأصولي الذي بحث في طرائق الاستدلال، والشارح الذي أعاد قراءة أرسطو قراءة جعلته أحد أبرز جسور انتقال الفلسفة اليونانية إلى أوروبا. ولعل هذه الموسوعية هي أول ما يلفت في شخصيته العلمية؛ إذ رأى المعرفة ضروبا متآزرة في سبيل بلوغ الحقيقة، ولم يتعامل معها جزرًا متباعدة، فكان الفقه عنده بحثا في أصول الأحكام ومآخذها، والطب علما يقوم على الملاحظة والاستقراء، والفلسفة نظرا في الوجود وأسبابه ومبادئه، والعقل أداة مشتركة تجمع شتات هذه المعارف وتمنحها القدرة على النقد والتمييز. ومن هنا جاءت عنايته البالغة بأرسطو، الذي انصرف ابن رشد إلى شرح مؤلفاته شرحا مستفيضا، حتى غدا في التراث الأوروبي واحدا من أشهر شراحه. ولم تكن شروحه نقلا جامدا، وإنما كانت ممارسة نقدية للفكر، يسائل فيها النص ويحلل مفاهيمه ويكشف عن بنيته المنطقية. ولذلك انتقل أثره إلى الجامعات الأوروبية، حيث عُرف باسم “الشارح”، وظلت شروحه حاضرة في النقاشات الفلسفية قرونا طويلة.وكان من أعمق مشاغل ابن رشد الفكرية سؤال العلاقة بين الحكمة والشريعة. ففي كتابه “فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال” حاول أن يثبت أن النظر العقلي لا يناقض الدين، وأن التفكر في الموجودات يمكن أن يكون طريقا إلى معرفة الخالق، ما دام قائما على البرهان وسلامة النظر. ومن هذه الرؤية انطلق ابن رشد إلى الدفاع عن مشروعية الفلسفة، كما تدث بذاك أحمد محمود إغبارية، باعتباره ضربا من ضروب النظر في الموجودات، وتمييزا بين ما هو حق وما هو باطل. ولذلك دعا إلى قراءة النصوص وتأويلها عند الضرورة بما ينسجم مع البرهان القطعي، مع مراعاة اختلاف الناس في درجات الفهم والاستعداد العقلي. وفي “تهافت التهافت” خاض واحدة من أشهر سجالات الفكر الإسلامي، إذ ناقش اعتراضات أبي حامد الغزالي على الفلاسفة، ودافع عن مشروعية البرهان الفلسفي، متناولا قضايا شديدة العمق، من السببية والعقل والنفس إلى طبيعة العالم وحدود المعرفة والتأويل.
وأكد أحمد محمود إغبارية على أن مشروع ابن رشد الفلسفي منفصلا عن اشتغاله بالفقه. ففي “بداية المجتهد ونهاية المقتصد” قدم واحدا من أنفس الكتب في الفقه المقارن، إذ لم يكتف بعرض اختلاف الفقهاء، وإنما سعى إلى الكشف عن أسباب الاختلاف، ومناقشة الأدلة والمآخذ التي قام عليها كل قول. وبذلك جعل من الفقه ميدانا للنظر والاجتهاد، لا مجرد حشد للأقوال وترديد للمأثور. وفي الطب، يأتي كتاب “الكليات في الطب” شاهدا على جانب آخر من عبقريته العلمية. فقد حاول أن يقدم تصورا كليا لمبادئ الطب، متناولا وظائف الأعضاء والأمراض وطرائق التشخيص والعلاج، في سياق معرفي يجمع بين التراث الطبي السابق والملاحظة والاستنتاج. وهنا تتجلى إحدى سمات العقل الرشدي: نزوعه الدائم إلى بناء المعرفة في نسق، والانتقال من الجزئي إلى الكلي، ومن الظاهرة إلى قانونها، ومن الرواية إلى النقد، ومن التقليد إلى البرهان.
ولعل ما منح أمسية “أطياف فيلسوف قرطبة” راهنيتها أنها لم تتعامل مع ابن رشد باعتباره مفكرا لا تزال أسئلته تمس صميم حاضرنا. فسؤال العقل والحرية، وحدود التأويل، والعلاقة بين العلم والدين، ومكانة البرهان، وضرورة نقد الموروث، كلها قضايا لم تغلق دفاترها بعد. وهنا يكمن سر بقاء فكر ابن رشد، فهو لا يستمد حضوره من قدمه، وإنما من قدرة أفكاره على إعادة إنتاج السؤال. فالفكر الذي يكتفي بإجابات عصره يذوي بانقضاء ذلك العصر، أما الفكر الذي يفتح أبواب السؤال فيظل حيا، متجددا، قابلا لأن يخاطب أزمنة لم يكن صاحبُه يعرفها. وقد جاش النقاش ألباب الحاضرين واستنهض أذهانهم، فتحولت القاعة إلى فضاء لتلاقح الأفكار وتناسل الأسئلة، واستحالت سيرة ابن رشد مدخلا إلى مساءلة علاقتنا نحن بالعقل والمعرفة والتراث. وبين مداخلات المتحدثين وأسئلة الحاضرين، بدا أن قرطبة لم تكن بعيدة كما توحي المسافة، وأن فيلسوفها لم يكن غريبا عن أسئلة هذا الزمان.
وانفضت الأمسية، وما انفضت أسئلتها، بقي من ابن رشد شيء من صرامة البرهان، وشيء من شغف السؤال، وشيء من الإيمان بأن العقل لا يزدهر إلا إذا تحرر من الخوف، وأن المعرفة لا تبلغ تمامها إلا إذا اقترنت بالنقد. وهكذا استعاد مركز أبحاث المثلث في كفرقرع، عبر “أطياف فيلسوف قرطبة”، صورة رجل عبر عصره إلى عصور أخرى؛ رجل حمل مشعل الفلسفة من قرطبة، وأودعه في ذاكرة الشرق والغرب، حتى غدا اسمه جسرا بين حضارتين، وذاكرة بين زمنين، وعلامة من علامات العقل الذي يأبى أن يخبو. فإذا كان الزمن قد طوى قرونا تسعة منذ رحيل ابن رشد، فإن السؤال الذي حمله الرجل ما يزال قائما، ماذا يفعل الإنسان بالعقل الذي وهبه الله؟ وكيف يجعل من المعرفة سبيلا إلى الحقيقة، لا ذريعة إلى التعصب؟ وكيف يوفق بين الإيمان والنظر، وبين الموروث والسؤال، وبين أصالة الجذر وامتداد الأفق؟ ذلك هو الطيف الذي بقي من فيلسوف قرطبة؛ طيف يمشي بيننا كلما رفعنا سؤالا في وجه المسلمات، وكلما جعلنا من العقل ميزانا، ومن البرهان سبيلا، ومن المعرفة فعلا من أفعال الحرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة