الشّاعرة التّونسيّة مريم عبيدي تسهر مع أمواج اللّيل وتسرد بعض حكايا شهرزاد وتمخر عباب الشّعر بباكورة واعدة
الشّاعر علي هيبي
تاريخ النشر: 08/08/26 | 7:09
لقاء وتجربة:
“بعض من حكايا شهرزاد” هو عنوان الدّيوان الأوّل للشّاعرة التّونسيّة الواعدة، مريم عبيدي إنّه باكورة شعرها، المبشّر بدواوين جديدة وجداول شعر لن تنضب، فالشّعر في ديوانها الأوّل يجري رقراقًا، سلسبيلا، فيّاضًا كما تجري الأنهار الموّارة، الزّاخرة بالماء النّمير، أو قل كما تسري الدّماء النّابضة الحيّة في مساري العروق.
تعرّفت على الشّاعرة مريم عبيدي في نوفمبر، سنة 2025، في “مهرجان العقبة السّادس للثّقافة والفنون”، حيث شاركنا بثلاث أمسيات شعريّة مع شعراء آخرين من الأردن والعراق والبحرين، وهناك أهدتني ديوانها الأوّل، وكتبتْ بخطّ يدها في إهدائها المهمّ إليّ: “إلى الأستاذ القدير علي هيبي أهديك كتابي الأوّل على أمل أن ينال إعجابك”، وقرأته بشكل سريع، ونال إعجابي الأوّليّ تحقيقًا لأمل الشّاعرة، أمّا في إهدائها للقرّاء وهو الأهمّ، فقالت: “لكلّ شخص آمن بي وشجّعني على خوض هذه التّجربة … هذه الكلمات لأرواحكم الجميلة”. وإن لم أكن من أوائل مشجّعيها كالأستاذ د. علي العتري، كاتب مقدّمة الدّيوان الغنيّة برؤية ثاقبة والمثريّة بنقد جميل ومفيد والشّاعريْن عرادي نصري وأحمد جمال، قلت وإن لم أكن من أوائل مشجّعيها مثل هؤلاء السّادة، فإنّني أرضى وأعتزّ أن أكون من ثواني المشجّعين وحتّى من ثوالثهم. ولذلك يا شاعرتنا الواعدة استمرّي في خوض التّجربة، فأمامك طريق طويل وشاقّ، لكنّه مثير وجميل في الآن ذاته، صوني حروفك بسبْكِ من ذهب ومتّعي الأرواح بجمال كلماتك ورقّة قصيدتك وعمقها الدّلاليّ، لنصير أجمل وأسعد وأنبل وأفضل في فهمنا للحياة والأحياء، وفي تذوّقنا للفنّ والجمال، فأنا شخصيًّا، وبعد قراءتي ديوانك أومن بقدراتك، فخوضي التّجربة ما شئت لذاك حبًّا وشعرًا، وما استطعت لذاك سبيلًا رقراقًا.
غلاف وعتبات:
يوحي عنوان الدّيوان “بعض من حكايا شهرزاد” بدلالات سيميائيّة تأتي من الأسطورة الشّهيرة، تدركها الشّاعرة، بدليل أنّ شهرزاد رمز نسائيّ حيّ، نابض، ذكيّ ويستحقّ الحياة، بعد معاناة كثير من النّساء وموتهنّ ببراثن الوحش الشّهرياريّ العنيد، وحكايا شهرزاد طويلة تمتدّ على ألف ليلة وليلة، ولكنّ الشّاعرة تعي بذكاء أن تقصّر الطّريق علينا نحن القرّاء لتنتقي منها ما يوافق رحلتها فتقدّم لنا بعضًا من تلك الحكايا، لتصبح هي الأخرى صوتًا نسويًّا قويًّا يكتسب شرعيّة وجوده من ذاته أوّلًا ومن حرّيّة التّعبير عن وجدانه الذّاتيّ كذلك، “لتجعل القارئ يقف على ربوة الإبداع وهو يلامس قدرة الصّوت الشّعريّ النّسويّ على تمثّل جماليّة اللّغة بعيدًا عن أيّ تصنّع لحظة الكتابة أو لحظة ولادة النّصوص”، كما قال د. على العتري في مقدّمته الجميلة، ولا بدّ أن أزيد هنا أن مريم الشّاعرة الواعية تدرك قيمة الأدوات الشّعريّة والأداء الفنّيّ، وفي هذا المقام بخاصّة التّناصّ.
وفي كلمة شكر في بداية الدّيوان تقول مريم: “شكرًا لنفسي الّتي خاضت حروبها بكثير من الأمل والإيمان، شكرًا لروحي الّتي لم تتخلَّ عنّي وعن أحلامي الصّغيرة الّتي كانت وما زالت تقاوم حتّى لو سرق أكثرها”، لك يا مريم أو فيك نرجسيّة محبّبة، رقيقة تنال الرّضا بها وليس النّفور منها، فحروب وسرقات ومقاومة وثبات وأحلام كبيرة، أمّا اللّص الّذي سرق أحلامك المقاومة فسيكون لصًّا ظريفًا إذا سرق وأبدع من أحلامك الصّغيرة أو الكبيرة إبداعًا جميلًا وقدّمه لنا نحن الفقراء من الشّعر الجميل، نغمس ما يسدّ رمقًا روحيًّا، وإلّا فإنّه سيبقى كما كان ولن يصير إلى الأبد إلّا لصًّا حقيرًا.
أمّا عن تجربتها فتوجز مريم في تصويرها في بداية الدّيوان، وتقول: “هي تجربة مؤجّلة من سنوات، ثمّ قرّرنا أن نفتح لها الباب لترى النّور، هي محاولة شعريّة في كتابة “قصيدة النّثر”، فالنّصوص فيها تفاوت في المستوى والأزمنة الّتي كتبت فيها والقيمة الفنّيّة، لكن تبقى تجربة يحقّ لها أن تعاش”. كنت أفضّل ألّا تصف الشّاعرة تجربتها، وأن تترك الأمر للباحثين والنّقّاد والقرّاء ليبحثوا وينقدوا ويقرأوا، أمّا وقد فعلت فلا بدّ من الإشارة إلى عمق اعتزازها بذاتها وبشعرها، وهو ما أسميته النّرجسيّة المحبّبة، ولها في ذلك كلّ الحقّ في الفخر والاعتزاز بعد نجاحها بخوض التّجربة المريرة.
ولن أخوض في النّصوص قبل أن أقف عند لوحة الغلاف الأماميّ، وهي بحقّ لوحة فنّيّة بامتياز، في من الفنّ السّيرياليّ أو التّجريديّ كما أظنّ، وما يخفى فيها أكثر ممّا يظهر، إذ تحمل الكثير من التّفاصيل وتحتمل الكثير من الدّلالات والمعاني، وقد كان الأوْلى بالشّاعرة أو بالنّاشر أن تنسب اللّوحة لصاحبها الفنّان، وتضع اسمه إلى جانبها، خاصّة أنّ اللّوحة اختيرت لتعبّر عن مضامين الدّيوان فكرًا ومعنًى، وفيها يظهر وجه لإنسان يكتنفه السّواد والبياض في كلّ نصف منه، وعليه من الدّم ما نستشفّ منه أنّه عاش مأساة بل نجا بأعجوبة من مجزرة، وله عين تَرى وتُرى وأخرى لا تُرى، ونار تهبّ ويشتدّ أوارها لهيبًا يندلع ويتعالى، وكأنّنا في معمعان حرب بوطيس حريق ألقى أوزاره على الوجه المحتلّ، وما أشبه دلالات اللّوحة بدلالات كثير من القصائد الّتي تصوّر واقعنا المشوّه والمقلوب والأعوج. ولعلّ الشّاعرة أدركت تلك الدّلالات فكانت اللّوحة الفنّيّة قصيدة فنّيّة بالألوان والخطوط ورسمًا تشكيليًّا، فقدّمت لقصائد الحروف والكلمات والصّور لغة وشعرًا.
وقليل عن الشّاعرة:
وفي نبذة موجزة عن حياتها ونشاطها الأدبيّ والمهنيّ كتبت في آخر الدّيوان ما نتعرّف منها على أنّها من مدينة “سوق السّبت” من ولاية “جندوبة” في الجمهوريّة التّونسيّة. وحاصلة على الكثير من الإجازات والشّهادات في كثير من جوانب الحياة المهنيّة والثّقافيّة من سياسة وحقوق وسياحة وتدريب مهنيّ، إلى جانب كونها أديبة، لها نصوص نشرت في المجلّات العربيّة، وشاعرة شاركت في الكثير من اللّقاءات الثّقافيّة والنّوادي الأدبيّة. قلت عرفتها في الأردنّ، وعلى وجه التّحديد في مدينة “العقبة”، فتاة شابّة من تونس الخضراء تمتلئ حيويّة ورقّة مثّلت الشّعر في وطنها كما مثّلت الشّعر في وطني، التقينا في ثلاث أمسيات شعريّة، سمعتها، وقد أكون لم أحسن سماعها جيّدًا، أو كما ينبغي وسط بعض الصّخب ولكنّي لمست فيها شاعريّة رومانسيّة، سلسة من خلال إلقائها الهادئ والجميل، وبعد عودتي وضعت الدّيوان جانبًا حتّى جاءت الحرب وألقت بأوزارها الثّقيلة فعدت إليه بعد قراءة متأنّية وقرّرت الكتابة عنه وعن صاحبته، ولقد نشرت عنه وعنها في العدد الأوّل، عدد شتاء – ربيع سنة 2026 من مجلّة “آفاق فلسطينيّة”، وكنت رئيس تحريرها، وهي مجلّة “الاتّحاد القطريّ للأدباء الفلسطينيّين”، الّذي كنت أشغل منصب النّاطق الرّسميّ له بعد المؤتمر الأوّل سنة 2022، وفي المؤتمر الثّاني سنة 2025 انتخبت أمينًا عامًّا له.
قراءتي:
إنّها ليست قراءة ناقدة، فأنا كما عنونت أحد كتبي النّثريّة “لست ناقدًا”، إنّما أنا شاعر، وبكلّ تواضع أملك قدرة ذات حدود ورؤية بلا بعد نظر عميق ووسائل نقديّة تعلّمتها من الحياة والاطّلاع، وليس لي نظريّات نقديّة خاصّة أؤمن بها، مع أنّي أحترم جميع تيّاراتها ومشاربها الّتي استفدنا منها والّتي تسعى إلى احترام الإنسان وتضعه فوق كلّ اعتبار وترى فيه قيمة وجوديّة ووجدانيّة، وترى في الأدب معينًا له يعينه على فهم الحياة وتجاربها وغذاءً يغذّي روحه برقيّ الكلمة والجمال الّذي يُكسب الإنسان المتعة والفائدة. فأخيرًا “الشّعر بشر يقول إلى بشر” كما قالت النّاقدة إليزابث درو.
مريم عبيدي هي شاعرة واعدة – بنظري – لما ينمّ عنه ديوانها الأوّل من شاعريّة مفعمة بالأمل وملأى بالرّغبة والإرادة لتأخذ مكانها في عالم الشّعر المثير والمرير، ولتكون فردًا بارزًا في عائلة الشّعراء، رغم ما يستنزف ذلك من طاقات ويأخذ من جهود مضنية من كلّ شاعر، وهو أمر نلمحه بل نلمسه عند الشّاعرة الواعدة الّتي خطت الخطوة الأولى واثقة نحو ذلك بالحضور في تلك الدّائرة الشّعريّة المترامية الأطراف والظّلال. ولعلّ أكثر ما يلفت النّظر إلى مجموع قصائدها الستّ والعشرين في الدّيوان هو تمسّكها بأحدث أنماط الشّعر الحديث “قصيدة النّثر”.
قصيدتان:
بعض هذه القصائد كتبت حديثًا، بدليل أنّ الشّاعرة أشارت إلى ذلك من خلال الحديث عن أنّ القصائد مختلفة في الأزمنة الّتي كُتبت فيها، أقول إنّ بعضها كتب حديثًا، فمنذ القصيدة الأولى “سكون” أحسست بأجواء الإبادة في “غزّة”، كيف لا وقد عشت تفاصيلها وكتبت عن تلك اللّحظات المثيرة للسّكون والجنون، المضمّخة بالدّمِ الزكيّ، برائحة الأطفال، بروح الأنقاض وسطوة الرّكام، بالنّزوح والتّجويع والتّهجير والموت، ويقابل ذلك الكمّ من الجرائم الصّمود الثّائر قليلًا والسّاكن كثيرًا، ولقد كرّست لها ديوانًا كاملًا لمّا يرَ النّور وعنوانه “غزّة أرضيّة”، وفي ذا السّياق تقول الشّاعرة:
“سادَ الصّمتُ وسكنَتِ الحناجرُ/ وآنَ للقلوبِ أنْ تنامَ/ ما غرّكَ حبُّ اليمامِ/ هديلٌ يغطّي السّكونَ/ أمّ حبّقٌ لريشةٍ تغطّي جسمًا نحيلًا/ يرتعشُ منْ بردِ الفراغِ” (قصيدة سكون، ص 15)
وفي قصيدة “أرض الرّبّ” نستشفّ صورة غزّيّة أخرى، تنبثق من المأساة الجماعيّة والمعاناة الفرديّة، وإليكم النّصّ الموحي والدّال:
“في ظلامِ اللّيلِ ولدْتُ/ لا اسْمَ لي ولا أهلَ/ آنستْني الملائكةُ تحتَ الأنقاضِ/ وشاحي نورٌ/ تسلّلَ منْ بينِ ثنايا الرّكامِ/ نمْتُ وسرَحْتُ في عتمةِ الغيابْ” (قصيدة أرض الرّبّ، ص 17)
لا أقول أنّ في القصيدتيْن مواقف سياسيّة معلنة أو صاخبة، بل صور هادئة تعكس معاناة النّاس، وهل هناك أكثر معاناة من معاناة “غزّة” ومآسي أهلها، فتعالَ أيّها القارئ نتأمّل معًا هذه الصّورة الّتي تنطق حروفها ألمًا وجوعًا ونستشفّ نزيفًا دمويًّا وموتًا زؤامًا، في عالم بلا بصيص أمل ولا نور:
“سماءٌ لمْ يعدْ لألوانِ الضّياءِ فيها مكانٌ/ فقطْ نيرانٌ تمتدُّ منَ الأرضِ إلى السّحابِ/ وما بينَ قنبلتيْنِ رغيفٌ يابسٌ حُلمُ فتاةٍ جائعةٍ/ تنتظرُهُ بفرحٍ لتستقبلَ الموتَ مبتسمةً/ أطفالٌ بحجمِ الكفِّ صاروا رفاقَ الموتِ والأشلاءِ/ تبكي الأمّهاتُ موتى لمْ يولدوا بعدُ” (قصيدة أرض الرّبّ، ص 18 – 19)
قتل المجرمون الأجنّة في البطون، ويا للسّخرية القاتلة والمفارقة الرّهيبة! أرض الله الواسعة ضاقت ذرعًا بالأطفال الّذين كانت أجسادهم بأحجام الأكفّ، حتّى الأجنّة الّذين ماتوا قبل أن يولدوا، وكأنّ ليس ثمّة متّسع لهم في أرض الرّبّ الّتي رحبت. أمّا السّخرية الكبرى المبكية والمضحكة فتأتي من التًصوير المفجع:
“وأتباعُ الرّبِّ سكارى بينَ الملاهي والغواني/ يصلّونَ فجرًا ويدعونَ للسّلمِ ظهرًا/ ويستقبلونَ طلبيّةَ ماكدونالز عصرًا/ هناكَ مؤتمر طويلٌ ينتظرُ…..” (قصيدة أرض الرّبّ، ص 19)
أليس هؤلاء هم الحكّام العرب والمسلمين الّذين يردّون على تلك المآسي والمعاناة بعقد مؤتمر لا يأتي، وإن أتى إنّما يخرج بعجاف قرارات أتفه من متّخذيها، أليس طلبيّة ماكدونلز إشارة إلى أميركا الّتي تغزونا وتهيمن علينا، هؤلاء الحكّام لهم مواقف بلا شرف ولهم حبر بلا ورق، وعورات تأبى أوراق التّين أن تسترها لكرامة فيها وذلّة فيهم وفي أنظمتهم المطبّعة والخانعة، وفي مؤتمراتهم الّتي هي سيّان إن عُقدت أو لم تُعقد، لا طول لها ولا حول، ولا طائل منها ولا أثر.
المفارقة:
للمفارقة حدّان يخلقان منها موقفًا ساخرًا أو صورة مؤلمة بحدّتها، الحدّ الأوّل ما هو كائن أو ما نعيشه من ظرف موجود، والحدّ الثّاني قد يكون نقيضه، أي ما سيكون أو ما نريده أن يكون كواقع منشود. وعند الشّاعرة يتحوّل أسلوب المفارقة إلى مضمون من أفكار ودلالات، من خلال ما تطرحه من أسئلة وقضايا في هذا العالم المقلوب، فالعالم الرّحيب الّذي نتوقّع أن يفرح للولادات الجديدة، نراه لا يتسّع لأجنّة ماتت في بطون أمّهاتها، فالشّاعرة من خلال ذلك التّناقض والثّنائيّات تطرح قضايا وجوديّة ووجدانيّة كبيرة، من خلال أسئلة صعبة ومعقّدة وفلسفيّة، فلا تتركنا نعيش بهدوء، بل تثور في وجداننا فنقلق ونحاول البحث عن هدوء مطلق، بعد زيف هدوئنا النسبيّ الرّاكد. وتمثيلًا على ذلك فلننظر في قطعة أو شذرة من قصيدة “شذرات”، حيث تقول:
“شهرزادُ هيَ الأخرى غادرَتْ حكايتَها/ وجيءَ بمَنْ تتقنُ العزفَ وسرد حكايا العصر” (قصيدة شذرات، ص 22 – 23) فشهراد القديمة الحقيقيّة الّتي انسلخت عن حكايتها انسحبت من المشهد الجديد والمزيّف لتخليَ مكانها لشهرزاد جديدة تتقن سردًا مختلفًا مفرغًا من الإثارة رغم إتقانها للعزف، وقد يكون العزف والسّرد المعاصر هو التّشويه الأعوج لسرد شهرزاد الحقيقيّ الّذي أبقى الأثر الكبير، فنقل بالحكايا الصّادقة الصّورة من الموت إلى الحياة. وتقول الشّاعرة في شذرتيْن أخرييْن تأكيدًا لذلك، في الأولى تقول:
“الشّياطينُ تعزفُ لحنَ الحياةِ/ في مقبرةِ لا تعرفُ الموتَ/ فقطْ أحلامٌ منتحرةٌ تحتَ السّروِ/ وأمنياتٌ لخّصتْها كبسولاتٌ مغلقة”، وفي الثّانية: “الشّياطينُ تحبُّ الحقيقةَ/ الملائكةُ هيَ مَنْ يزيّفها/ وترسمُ أجنحة منْ ورقِ الصّفصافِ” (قصيدة شذرات، ص 23)
ألا تنطق المفارقة عن مضمون قلب الأشياء رأسًا على عقب، الشّياطين تنشد الحياة وتعزف ألحانها الشّيطانيّة والمقبرة لا تعرف الموت والقتل والأحلام الإنسانيّة هي الّتي تهرب من واقعها بالانتحار، والأمنيات القليلة في مرض مزمن والعلاج مغلق، نعيش في عالم أعوج واقعه مقلوب، الحقيقة فيه عند الشّياطين والزّيف عند الملائكة، وما الشّياطين إلّا النّاس في هذا الواقع المأساويّ، وما الملائكة إلّا منهم في هذه السّخرية الحياتيّة، هذه الدّوامة تنبض فتجعل بعض قصائد الشّاعرة بالتّشاؤميّة والسّوداويّة ينبثق منها أحيانًا بصيص من تفاؤل أو خيط رفيع من نور، كما رأينا في قصيدة “أبيات” حيث تطلق الشّاعرة سؤالًا عميقًا بعد صور مشوّهة:
“الآن أتأمّلُ الورقةَ أعيدُ قراءتَها للمرّةِ المئةِ بعدَ الألفِ/ لا شيءَ، لا شيءَ غيرَ الضّبابِ/ توبةٌ سقطَتْ، برتقالةٌ على المائدةِ، ساعةٌ تحتضرُ وقردٌ في المحكمة/ ماذا يعني كلُّ هذا” (قصيدة أبيات، ص 67 – 68) نعم ماذا يعني هذا؟ من خلال تلك الصّور الّتي تبدو مفتفتة من هنا ومن هناك، تحت شبح هذا الضّباب المتراكم، ولا شيءَ غيره، فتوبة معنويّة تسقطُ وتفاحة لا تسقط عن المائدة، والزّمان يحتضر ويموت وفي المحكمة قاضٍ مدهش، صار القاضي في هذا العالم ذي السّواد الكثيف يحكمه قرد بالضّحك والسّخرية:
“فجأةً صاحَ حارسُ المبنى إلى النّومِ جميعًا وأطفئَتِ الأنوارُ” (قصيدة أبيات، ص 68)
وكأنّي بالشّاعرة تقول في هذا الزّمان من حكم القرود:
“يا قومُ لا تتكلّموا — إنَّ الكلامَ محرّمُ
ناموا ولا تستيقظوا — ما فازَ إلّا النّوّمُ” (البيتان من قصيدة للشّاعر العراقيّ معروف الرّصافي)
في قصيدة “العهد” وهي القصيدة السّادسة والعشرون والأخيرة في الدّيوان، على ماذا تعاهدنا الشّاعرة بعهدها؟ هل هو الفراغ الخالد الّذي يملأ المكان والفضاء:
“سبعٌ عجافٌ/ ما قبلَهُنَّ الفراغُ/ وما بعدَهُنَّ الضّياعُ/ لمْ نرَ السّنواتِ السّمانَ” (قصيدة العهد، ص 79) وكأنّي بالشّاعرة من خلال هذا التّناصّ أو الحلم الزّائف تريد أن تقول إنّها مجرّد أضغاث أحلام، وتريد أن تكذّب الرّؤيا القديمة الّتي وردت في سورة يوسف، من القرآن الكريم. في هذا العصر الّذي طرحت فيه الشّاعرة كثيرًا من القضايا الوجوديّة الّتي تتعلّق بمصير الإنسان ومستقبله، تريد أن تقول في هذا الواقع المتخم بالكذب والسّقوط الأخلاقيّ وضبابيّة الرّؤيا والفراغ الحضاريّ، لا مكان لسبع سمان ولا رؤية ولا رؤيا، ولا مصير إلّا إلى السّقوط والموت.
قصيدة النّثر والتّناصّ:
بدأت قصيدة النّثر تأخذ حيّزًا يتّسع تدريجيًّا في شعرنا الحديث، منذ 1957، وكان من أبرز أعلامها: أنسي الحاجّ، محمّد الماغوط، شوقي أبي شقرا وأدونيس، ومن فلسطين الشّاعر توفيق صايغ وطه محمّد علي. لكنّ قصيدة التّفعيلة (النّمط الحرّ) الّتي انتشرت من العراق، سنة 1947 على يد بدر شاكر السّيّاب ونازك الملائكة إلى كلّ الأقطار العربيّة، ما زالت الأكثر انتشارًا في شعرنا الفلسطينيّ والعربيّ عامّة. ولا شكّ أنّ كلا النّمطيْن شكّلا ثورة على القيود التّقليديّة والأسس الكلاسيكيّة للقصيدة العموديّة القديمة، بوحداتها الثّلاث: البيت والوزن والقافية.
ويعتبر التّناصّ من أبرز تقنيّات النّمطيْن، ولعلّه في قصيدة النّثر يأخذ حيّزًا أرحب، لأنّ قصيدة النّثر أكثر انزياحًا عن اللّغة المعياريّة، وهي أكثر إيجازًا وتكثيفًا لغويًّا، لأنّها تميل إلى الخيال وتخاطب اللّاوعي بشحنات من الانفعال وبإيقاع داخليّ من خلال صورة شعريّة تعتبر جوهر النّصّ. في هذا النّمط وجد الشّعراء المعاصرون مساحة أوسع للتّعبير عن التّجربة الإنسانيّة الحديثة والمعقّدة، فثمّة قلق وجوديّ وتمزّق نفسيّ داخليّ وإحساس من الاغتراب، لا بدّ أن يكون لهذه التّجربة نمط شعريّ أكثر مرونة ولا يخضع للقيود الشّكليّة. (انظر كتاب قصيدة النّثر للأستاذ منيب محمّد مراد)
لذلك جمعت في العنوان أعلاه، بين قصيدة النّثر والتّناصّ، لما وجدته من وشائج بينهما، لانّ قصيدة النّثر تجمع بأسلوب سيرياليّ ورمزيّ من خلال التّدفّق النّفسيّ بين عناصر متباعدة، كما لاحظنا عند مريم عبيدي في قصيدة “أبيات” عن التّوبة الّتي لم تُقبل والتّفاحة الّتي خدعت والمحكمة الشّيطانيّة الّتي كان قاضيها قردًا والسّاعة رمز الزّمان المشرف على الموت (ص 68) ولذلك نرى مريم الّتي لم تكتب إلّا قصيدة النّثر تتأثّر بهذا الأسلوب وتستفيد من ثقافتها الشّعريّة الحديثة، ومن تراثها العربيّ والإنسانيّ: أسطورة ودينًا وتاريخًا وتراثًا شعبيًّا. وبناء على ذلك فقد تكون بحقّ “شكّلت قصيدة النّثر مساحة مهمّة للمرأة الشّاعرة للتّعبير عن ذاتها وتجربتها الخاصّة. فالتّحرّر من القيود الشّكلية للشّعر التّقليديّ منح المرأة حرّيّة أكبر في التّعبير عن مواضيع ظلّت لفترة طويلة محرّمة أو صعبة التّناول في الشّعر الكلاسيكيّ”. (انظر المصدر السّابق) ومن هذا الباب قلت أنّ مريم الشّاعرة الحديثة في هذا العصر مالت إليها في قصائد الدّيوان الستّ والعشرين، بلا شاذّ. فالتّناص كشكل من أشكال الرّمز والإيحاء يمكّن من الوصول إلى معانٍ أعمق ودلالات ذات غموض، سواء استقتها الشّاعرة من مخزون ذاتها وتجاربها وعالمها أو من مخزون التّراث الأسطوريّ والدّينيّ والتّاريخي والشّعبيّ، الجماعيّ القوميّ والإنسانيّ.
وفي هذا السّياق الّذي يجمع التّناص والرّمز في قصيدة النّثر، في كتابه المذكور أعلاه قال النّاقد منيب محمّد مراد، وهو مثقّف وباحث سوريّ: “قصيدة النّثر بطابعها الحميميّ والذّاتيّ ناسبت التّجربة النّسائيّة الّتي تميل إلى الاعتراف والبوح الشّخصيّ. اللّغة المكثّفة والصّور الحسّيّة المباشرة الّتي تميّز قصيدة النّثر أتاحت للمرأة الشّاعرة التّعبير عن عالمها الدّاخليّ بطريقة مؤثّرة. كما أنّ التّحرّر من الشّكل التّقليديّ الذّكوريّ الّذي هيمن على الشّعر العربيّ لقرون، كان بحدّ ذاته فعل تمرّد نسويّ. قصيدة النّثر النّسائيّة أضافت صوتًا مختلفًا ومميّزًا إلى المشهد الشّعريّ العربيّ، وأثرته برؤًى وحساسيّات جديدة”. وقد قصد بلا شكّ الحديث عن الحبّ والجسد والرّغبة والتّمرّد على الذّكوريّة، وهي المعاني والمضامين الّتي لا يمكن لنمط شعريّ ينطوي على قيود أن ينجح في نقلها، وهذا ممّا أسهم في وجود أدب نسويّ مشروع وله مصداقيّته، ويكتسب شرعيّته من ذاته أوّلًا ومن الاستفادة من المعطيات المعاصرة والظّروف القاسية والثّقافة الّتي اتّسعت، ووجدت فيها المرأة معينًا يرفد طريقها إلى التّحرّر والاستقلاليّة كأحد معاني تحليق الذّات النّسويّة فردًا وجماعة. ومن أبرز من كتب قصيدة النّثر من النّساء: فينوس خوري، جمانة حدّاد، نادية تويني وإيتيل عدنان. وقد تكون الشّاعرة الواعدة، مريم عبيدي، رغم أنّها ما زالت في بداية، تشقّ طريقها، قد تكون نموذجًا جيّدًا على هذا الاتّجاه في شعرنا العربيّ الحديث، فتنضمّ لتلك القافلة النّسويّة الّتي تسير وإن نبحت كلاب التّقليد والتحجّر، وربّما تضيف من تونس صوتًا نسويًّا آخر يعتبر في قادم الأيّام مدماكًا في صرح الشّعر والنّثر والتّحرّر والتّجديد.
الثّورة النّسويّة:
ولعلّ بعض النّماذج من نصوص الدّيوان ستكون تأكيدًا لما أوردنا آنفًا، ففي القصائد: “الوجه الآخر للعالم” (ص 37) و”أطلنطس” (ص 43) و”الغجريّة” (ص 45) و”بوكاهنتس” (ص 51) و”الغرفة” (ص 55) و”مريم” (ص 61) في كلّ هذه القصائد قاسم مشترك، إذ فيها رموز نسويّة مستمدّة من المخزون الثّقافيّ يرتبط بالأسلوب والدّلالة المعنويّة وبالتّناصّ التّاريخيّ والدّينيّ والأسطوريّ لنماذج أنثويّة عانت الحرب والتّشرّد والعذاب والثّورة على الواقع المرّ والأليم، فهذه “غرنيكا” مدينة تعتبر المعقل الشّماليّ لحركة المقاومة الجمهوريّة ومركز لثقافة “الباسك” من اشتراكيّين وشيوعيّين، وقد قصفها الطّيران الحربيّ الألمانيّ النّازيّ والإيطاليّ الفاشيّ دعمًا للقوميّين في إسبانيا سنة 1936، ونتيجة لهذا القصف دمّرت المدينة بالكامل، ولكنّها ظلّت في الفنّ لوحة جداريّة لبابلو بيكاسو استوحاها من قصفها، وها هي تبقى في قصيدتيْن لمريم:
“في غرنيكا بعضٌ منْ ملامحِكَ القديمة/ ابتسامات غامضة ترسمُ تشابكَ الخطوطِ في داخلي/ أحلامٌ محفورةٌ في جدارٍ” وتقول: “حينَ عصفَتِ الرّيحُ بداخلي معلنةً بدايةَ فجرٍ جديدٍ” (قصيدة غرنيكا، ص 37 – 38) فهل هذا الفجر الجديد هو المبشّر بالوجه الآخر للعالم! وفي مكان آخر تقول الشّاعرة:
“غرنيكا يضيئُها النّورُ المتسلّلُ فأرى الدّماءَ تسيلُ خلفَ الإطارِ/ أركضُ أتفقّدُ الجدارَ لا شيءَ غيرَ برودٍ وبياضٍ/ أعودُ للأحلامِ أرسمُها” (قصيدة الغرفة، ص 56)
“أطلنطس” جزيرة أسطوريّة، وهناك من يقول إنّها جزيرة “أطلس”، وقد تكون مدينة مفقودة، يشابه وصفها وصف أفلاطون للمدينة الفاضلة، وهي عالم من اليوتوبيا أو الحلم الّذي لن يكون واقعًا، وهي كما ظهرت في الخرائط بشكل مقلوب، الجنوب فيها من أعلى والشّمال في أسفل الخارطة، ممّا يجعل فيها غرابة كالعالم الغريب الّذي نعيش فيه باغتراب وتمزّق وعذاب، يحاول المكتشفون اكتشافها من جديد كواقع:
“على أرضٍ مجهولةٍ رسمْتُ نفسي/ أخبرَتْني النّجومُ أنّها أطلنطس المفقودة” وتقول الشّاعرة: “هنا يبيعون صكوكَ التّوبةِ في زوايا الشّوارعِ/ يقدّمون الوهمَ مغلّفًا في هدايا” وتقول: نحنُ/ نحنُ ندفعُ/ نشتري الرّدى بكلِّ عشقٍ/ نستقبلُ الموتَ بآلافِ الأحلامِ/ ولا نخاصم الحياةَ أبدًا” (قصيدة أطلنطس، ص43 – 44) هذا هو العالم المقلوب الّذي تصوّر الشّاعرة مأساته بكلّ التّشاؤم والغياب وأحاسيس الاستلاب، ولكنّنا لا نترك الحياة وتبقى رحلة الحلم تمضي في الفنّ والحرّيّة والحياة.
الغجريّة نموذج للتّشرّد والكفاح من أجل تحصيل العيش لقمة وأملًا، فهل الاستقرار هو الحلّ: “تلكَ الغجريّةُ يا أمّي لا عنوانَ لها/ هجرَتْ شلّالاتِ بيغار/ وأنهارَ الجنوبِ/ جمعَتْ منْ كلِّ نهرٍ قطرةً/ ووزّعَتْها على صحراءِ الشّمالِ” (قصيدة الغجريّة، ص 45) وشلّالات بيغار في رومانيا أهمّ منطقة لتواجد الغجر في أوروبا، انظر كيف تصنع الغجريّة الحياة في الشّمال الصّحراويّ أثناء رحلة عذابها وتشرّدها بقطرات الدّموع من كلّ نهر قطرة خير أو دمعة عناء، بعد أن فقدت الحياة والأمل من “بيغار” الغنيّة بمائها، تلك الغجريّة المكافحة تسعي لغذاء الجياع من سنابل جمعتها من كلّ حقل سنبلة سنبلة. إنّها رحلة الحياة المنشودة رغم العذاب المترامي الأشباح. هي تلك الغجريّة الّتي قالت عنها الشّاعرة:
“تلكَ الغجريّةُ ما زالَتْ هائمةً/ تسافرُ معْ أوهامِ المهاجرينَ وبكاءِ اليتامى/ ترسمُ إشارةَ الصّليبِ معَ الثّكالى/ تتلو الفاتحةَ معْ شهقاتِ الأمل” (قصيدة الغجريّة، ص47) تسافر وتهاجر تحمل كلّ عذابات الهجرة والبكاء واليتم في هيامها، ولكن يحدوها الأمل وتستعين بالدّعاء المسيحيّ والإسلاميّ، كي يسهّل دربها وأمرها، إنّها الإنسان بغضّ النّظر عن عرقه أو دينه أو لونه، هي المرأة الغجريّة الّتي تحمل على كتفيها وفي وجدانها قضيّة الإنسان والحرّيّة والكرامة في عالم فقد كلّ شيء إلاّ إيمان الإنسان المكافح من أجل العدالة.
بوكاهنتس هي فتاة أميركيّة أصلانيّة، ابْنة زعيم قبيلة من الهنود الحمر، يعني اسْمها الفتاة المرحة المشاغبة، لملذا تختارها الشّاعرة كرمز نسويّ؟ تقول:
“وتمثالُ بوكاهنتس يعانقُ النّجومَ/ بوكاهنتس فتاةٌ منَ الشّرقِ منسيّةٌ/ منْ كلِّ نجمةٍ حملَتْ رسالةً/ لا تصلُ أبدًا/ بكلِّ شهابٍ أحرقَتْ أمنيةً” (قصيدة بوكاهنتس، ص 52) أليست بوكاهنتس هي نفسها الغجريّة الّتي جمعت قطرة من كلّ نهر وسنبلة من كلّ حقل! أوليس الهنود الحمر هم من أبادهم الإنسان الأبيض “المتنوّر” كي يبني حضارة على الدّماء والظّلم:
“حينَ اندثرَتْ العروبةُ في غانيةٍ/ ومات كليب في ناقةٍ/ وحينَ امتلأ دجلةُ حمرةَ حبٍّ أو حربٍ/ ونخوتنا غيّبتْها الضّباعُ بزيٍّ الأسودِ/ حينَ تناثرَتْ بوكاهنتس/ والحربُ ما زالَتْ لمْ تندثرْ….” (بتصرّف من قصيدة بوكاهنتس، ص 52 – 53) هي الصّورة النّسويّة نفسها تتكرّر بأشكال وأساليب وصور عند الشّاعرة تأكيدًا لصوتها النسويّ الثّائر الّذي يسعى لتغيير العالم الأسود والظّالم والمقلوب، ليس بشقّه النّسائيّ، بل كلّ العالم وحياة الإنسان في كلّ مكان، من الشّرق إلى الغرب، من أوروبا إلى أميركا، الشّاعرة تريد لكلّ الأنهار أن تفيض بالماء النّمير وأن تمتلأ كلّ الحقول بالسنابل ليأكل البشر اللّقمة بعرق وشرف وكرامة، ويعيشوا بعدالة وخير وفير، تريد الشّاعرة أن تلغي السّبع العجاف بسبعات سمان خالدة إلى الأبد الأبيد.
أين الحبّ والعاطفة:
وقد نتساءل أين موضوع الحبّ أو العلاقات الغراميّة والعواطف الجيّاشة الّتي تستحوذ عادة على الشّاعرات من النّساء، اللّواتي ما زلن في مرحلة ما قبل النّضوج، فتنماث قلوبهنّ مع كلّ نسمة أو بسمة أو نظرة أو كلمة، هذا الحبّ لا وجود له عند مريم الشّاعرة الشّابة، فالحبّ عندها هو زوال الظّلم والاعوجاج والسّعي لتغيير العالم، ولذلك نلمح نضوجًا فكريًّا وثّقافيًّا واكتمالًا عاطفيًّا ينضح عشقًا للإنسان وقضيّة كرامته وحرّيّته وإنسانيّته، في عالم قبيح مقلوب وأعوج، مهيمن بلا حقّ على مقدّرات البشر وحقوقهم الأساسيّة، هذا العالم أهدر كلّ ما هو جميل وسعيد، مستقيم ونبيل في هذه الحياة، ولذلك من المغرض أن نقول أنّ الشّاعرة مجرّدة من الأحاسيس كفتاة أو كأنثى من المفروض أن تميل بطبيعتها إلى رجل تحبّه ويحبّها، لكنّ الشّاعرة مفعمة بالأحاسيس الّتي ارتقت بها فنقلتها من عالم الحبّ الجسديّ البشريّ الفاني إلى عالم من الحبّ الرّوحيّ السّماويّ السّامي. فتركت عالمًا غريبًا واغتربت عنه لأنّ:
“كلُّ الآمالِ فيهِ كاذبةٌ إلّا السّرابِ/ كلُّ الأحلامِ صادقةٌ حتّى يسقطَ الجسرُ” (قصيدة عبور، ص 33) على حدّ تعبير الشّاعرة. وتقول في صورة مستمدّة من الحبّ، عن الأحلام الّتي استيقظت لفترة: “ليوقظَ الأحلامَ منْ سباتِها فلا يجدُها/ رحلَتْ معْ آخرِ ابتسامةٍ على رصيفِ الميناءِ/ وضاعَتْ كطعمِ القبلةِ الأولى في متاهات الحياة” (قصيدة الغرفة، ص 55) إذن الأحلام عند مريم هي ليست في تحقيق ابتسامة وداع عابرة ولا في قبلة خاطفة، فكلّها يرحل ويضيع، وما يبقى هو الأحلام الّتي تنقذنا من متاهات الحياة القديمة وتهدمها وتبني حياة جديدة تقوم على مفاهيم حبّ جديد.
وفي قصيدة “أوراق” تقول الشّاعرة:
“أوراقٌ تشبهُ خضرةَ الأحلامِ في السّماءِ/ لا مياهَ ترويها ولا عاملٌ يهتمُّ بتسريحِ خصلاتِها/ فتطولُ لتعانقَ السّحابَ وتقبّلَ الغيومَ/ أوراقُنا امتدادٌ لأحلامٍ لمْ تكتملْ/ لحبٍّ ولدَ تحتَها وانتحرَ” (قصيدة أوراق، ص 59) فأحلام وحبّ ومداعبة شعر وعناق وقُبل، أليست تفاصيل من علاقة الحبّ الجسديّ الإنسانيّ بين الرّجل والمرأة! نعم لكنّه الحبّ العابر الّذي لا تبحث عنه الشّاعرة. فأيّ حَبّ أو حُبٍّ هذا حين تصوّر الشّاعرة نفسها فتقول: “ما زلْتُ أنثرُ الحَُبَّ على قممِ الجبالِ/ وأولادي يموتون جوعًا” (قصيدة مريم، ص 61) إنّ الشّاعرة تؤمن بحبّ إنسانيّ من طراز جديد، حبّ خالد خلود الأحلام الجميلة والعظيمة، الّتي وإن لم تتحقّق تبقَ تحمل سنابل الأمل وحبّات القمح.
وتعالوْا نلاحظ كيف ترى الشّاعرة بالخيانة حبًّا طاهرًا، خالدًا لا ينتهي:
“لأنّي أحبُّكَ هجرْتُكَ/ بأعقابِ السّجائرِ رسمْتُ الزّفافَ/ جارتُنا العجوزُ أخبرَتْني/ أنّ الحبَّ يموتُ عندَ اللّقاءِ فافترقْنا/ لأنّي أحبُّكَ خنْتُكَ/ فالخياناتُ المدبّرة جميلة” (قصيدة خيانة، ص 63) فالخيانة المدروسة أجمل وأبقى من الحبّ العشوائيّ العابر، هكذا في القصيدة نفسها تسافر الحمامة لتجلب رسائل الحبّ من عبلة في روما لعنترة، وتُزَفّ ليلى العامريّة إلى روميو الّذي هجر حبّه لجولييت، وظلّ قيس تائهًا في صحراء الجنون، هائمًا في مضارب العشق بين نجد وثقيف. وخيانة الهدايا والابتسامات البريئة الـّتي أرسلها الحبيب للحبيبة ألا تشكّل ميثاقًا ملموسًا! عند الشّاعرة لا:
“قميصُكَ السّماويُّ وابتسامةُ الطّفلِ فيكَ سرقْتُها/ أخفيْتُها في دجى اللّيلِ كيْ لا تكونَ لغيري/ لأنّي أحبَّكَ أهديْتُكَ الشّمسَ/ ودونَ وداعٍ رحلّتُ معَ القمرِ…..” (قصيدة خيانة، ص 64) وهكذا تتحوّل الخيانة الّتي اتّفِق على قبحها عند النّاس والعاشقين، تتحوّل إلى إخلاص ووفاء، فالحبيبة تترك الحبيب للشّمس وترحل مع القمر، بعكس ترك روميو لجولييت ورحيله مع ليلى، وهذا قمّة الخيانة، كما ترى نظريّة الحبّ الجديد عند شاعرتنا الواعدة.
وأخيرًا:
الشّاعرة مريم عبيدي وديوانها “بعض من حكايا شهرزاد” تجربتها الشّعريّة الأولى، جاءت تفيض اكتمالًا شعريًّا: لغة وتجارب ومضامين، ودلالات رمزيّة اكتنزت بالتّناصّ العميق، فدلّ كلّ ذلك على ثقافة واسعة، وكأنّي بها لم ترد أن تصدر الدّيوان الأوّل إلّا بعد الاكتفاء بكمّ نوعيّ ومخزون ثقافيّ رحيب، ولعلّ أساليب التّعبير وأشكاله قد جعل تجربتها الأولى تنال مكانة فنّيّة غنيّة بالتّواضع، من حيث أنّها لم تكتب عن تجربتها الذّاتيّة، وهو ما نراه بارزًا كالعادة عند الشّاعرات من النّساء في الإفراط في تصوير المشاعر ونموّ النّزعة الذّاتيّة، بل كتبت عن التّجربة الإنسانيّة الكبرى وقضاياها الجسام، ولعلّها صهرت ذاتها الصّغرى في هذه التّجربة أو في الذّات الكبرى.
شاعرة تمرّدت على الأنماط القديمة فكرًا وشعرًا، وجرت مع تجربتها بلا قيود، فكان جرس قصيدتها ينبع من داخل كلّ صورة تميّزت بعمقها الدّلاليّ، ولا شكّ أنّها على دراية معرفيّة، لمحناها من خلال ميلها للتّشاؤميّة السّوداويّة الّتي تشكّلت من تجارب ذاتيّة قاسية وتجارب جماعيّة ومعاناة قوميّة وإنسانيّة شاملة، تجارب يرين عليها اليأس، فنفقد الشّراع والسّفينة والسّكة والقطار والأرض والمطر، إنّه تيّار واقعيّ تشاؤميّ يعبّر عن نمط فكريّ قاتم وفنّي أسود، بعكس الواقعيّة الاشتراكيّة الّتي تنطلق من واقع الألم ومنه تبني عالمًا من الأمل والحياة بلا يأس أو تشاؤم. فهناك نبض معاناة في قلب الشّاعرة ينمو فتنبعث منه أحاسيس اليأس والضّياع والاغتراب والبؤس النفسيّ من قلق وخوف من المستقبل الغامض. ولعلّ الشّاعرة أرادت من خلال هذا الموقف أن تثير في المتلقّي هذا الاهتمام بحياته ويرى ما فيها من معاناة ومآسٍ كي ينقبض ومن ثمّ ينطلق لتتماهى أحاسيسه مع أحاسيسها، فالتّجربة الإنسانيّة العريضة في الآخر واحدة.
ولا يمكنني أن أنهي قراءتي المتواضعة هذه إلّا بالمقولة المعبّرة والعميقة عن تجربة الشّاعرة للأستاذ علي العتري، كاتب مقدّمة الدّيوان: “خرجت الشّاعرة مريم عبيدي عن القافية وعن المحسّنات البديعيّة لترسم روح الشّباب النّابض بالحياة المتجاوز الّذي يبحث عن الانعتاق من كلّ قيود الماضي والسّلطة الفكريّة الّتي كانت تجرّم أو تحرّم التّجديد. عاشت الشّاعرة تجربتها الشّخصيّة فرسمتها على الورق بكلمات تعبّر من خلالها عن ضيق الفضاء الّذي تتحرّك فيه ففاضت نفسها عنه لتتحرّر وتبحث عن فضاء أرحب يخوّل لها أن تسافر إلى عوالم جديدة”. (المقدّمة، ص 12 – 13) لقد أصاب الأستاذ علي العتري، فهل أصبت! لعلّني.
*الكاتب هو الأمين العامّ للاتّحاد القطريّ للأدباء الفلسطينيّين


