“الخوارج الجُدد”: حين ترتدي الخيانة ثوب السدنة..!

سعيد بدران

تاريخ النشر: 06/08/26 | 13:25

تزخر الذاكرة الشعبية الفلسطينية بـ “مصلح الخارجي”، وهو اللفظ الذي أطلقه الوعي الجمعي تاريخياً على كل من باع ضميره للمستعمر البريطاني لقاء دراهم معدودة، قبل أن يتطور هذا الفصام الأخلاقي لاحقًا لتصبح المكافأة “رخصة مسدس”، أو “امتياز محطة وقود”، أو “زعامة مدعومة”، أو “وظيفة حكومية هشة” تملك فُتات “الحل والربط” تحت عين الحاكم العسكري. المفارقة التاريخية المريرة لا تكمن فقط في سقوط هؤلاء، بل في “التناسخ السلالي والسياسي” الذي مكِّن أبناء هذه المدرسة – أو بعض ورثتها – من اعتلاء منابر الوطنية، واحتكار صكوك الغفران، وتخوين كل لسان حر يعارض عبثهم.

من “رخص المخابرات” إلى “صكوك الوطنية”..!
علمنا التاريخ بان الدخلاء يتسللون من بوابات التاريخ المواربة، دائماً من الشقوق التي يتركها غياب العدالة. وتشهد الأيام الغابرة في فلسطين، بان “الخارجي” لم يكن مجرد عميل عابر، بل كان ظاهرة بنيوية هندسها المستعمر لإحداث شرخ عمودي في جدار المجتمع، ومع تبدل الأزمان، وتطور وسائل الإدارة الاستعمارية؛ تحولت مكافأة “الخارجي” من ليرات بريطانية معدودة إلى امتيازات احتكارية تضمن صناعة “وجاهة زائفة” حيث اصبح السلاح غير الوطني (المسدس المرخص وبندقية الصيد المرخصة) أداة لترهيب الشرفاء، وأصبحت رخصة محطة المحروقات أو رئاسة بلدية معينة “كارت بلانش” للتحكم في أقوات الناس. هؤلاء الذين عاشوا في ظلال الحاكم العسكري، صعدوا على أكتاف عذابات شعبهم.

لكن الكارثة الكبرى لم تقف عند حدود جيل الآباء؛ بل تجلت في “التحول الحربائي” لبعض الأبناء والأحفاد الذين ورثوا النفوذ والمال، وحولوهما إلى أدوات لإعادة إنتاج المشهد. لبسوا ثوب الوطنية الفضفاض، واحتكروا منصات القرار والعمل العام، لقد صاروا هم القضاة في محكمة الوطنية، يوزعون تهم الخيانة والعمالة يمنة ويسرة على كل من يعري عوراتهم أو يرفض الانصياع لخطهم وايدليوجيتهم.ويرى البعض ان هؤلاء يحاولون طمس وغسل التاريخ بدماء الضحايا.
الوجاهة المستعارة وعقدة “الخارجي”.. حين يحاضر العاهر بالشرف..!

وتشير الدراسات الى ان المجتمعات الواقعة تحت الاحتلال تخضع لمعادلة فرز أخلاقية قاسية، غير أن أخطر ما يصيب هذه المجتمعات هو تسلل “أشباه الرجال” إلى مراكز التوجيه والتحكم بالية اتخاذ القرار، فعندما صك الفلسطينيون مصطلح “الخارجي”، كانوا يدركون بحسهم الفطري أن من يخرج عن الجماعة لصالح العدو، إنما يبيع عرضه الوطني، ولكن كيف يتحول ابن “الخارجي” – الذي قامت ثروته ونفوذه على رخص المحروقات، والزعامة المعينة، ورخص السلاح المشبوهة – إلى حاجب على بوابة الوطنية؟!
إنها “سيكولوجية العميل” التي تبذل كل جهد كي تتملص وتتخلص من عارها التاريخي بالمبالغة في استعراض الشرف. ويجد هؤلاء في تهميش الشرفاء وتخوين المعارضين وسيلة وحيدة للتغطية على جذورهم المتأصلة في العمالة أو التكسب من فتات المحتل. إنهم يحتكرون الرواية الوطنية، ويشوهون كل صوت حر يطالب بالإصلاح أو يتحدث عن الثوابت، فهم يرتعبون من أي مراجعة تاريخية قد تكشف كيف بُنيت قصورهم وأموالهم السياسية.
إن محاولة هؤلاء احتكار العمل الوطني واعتبار من لا يتفق مع خطهم خروجاً عن الصف، هو قلب سافر للحقائق. فالصف الوطني لا يقوده من يقبض ثمن موقفه رخصاً وامتيازات، بل يقوده من دفع دمائه وسنوات عمره خلف القضبان أو في التضحيات المختلفة، ومهما برع هؤلاء في تزوير وعي الأجيال، ومهما ملكوا من “قدرة على الحل والربط” مستمدة من بقايا عهود التنسيق والتبعية، فإن الذاكرة الشعبية لا تموت، والتاريخ لا يرحم. وشمس الحقيقة لا تُغطى بغربال الزيف والتخوين المصطنع.
أدوات مؤقتة لا قيمة إنسانية لها..!
وعلينا ان لا ننسى وعلينا تذكير هؤلاء بان السلطات التي تُشغّلهم تتعامل معهم كأدوات مؤقتة لا قيمة إنسانية لها، حيث تنظر إليهم بعين الاحتقار والازدراء مهما بلغت أهمية المعلومات التي يقدمونها. ففي العرف الاستخباري، يُنظر إلى العميل الذي يخون وطنه أو جماعته على أنه شخص فاقد للمبادئ والأمانة، ومَن يخون مرة يمكنه أن يخون أي طرف آخر لحساب مصالحه الشخصية أو تحت الضغط. بناءً على هذه الرؤية الدونية، ترفض هذه السلطات بناء أي علاقة قائمة على الاحترام المتبادل أو التقدير، بل تصنفهم في أدنى السلم الأخلاقي والمهني كأدوات استهلاك ينتهي دورها بانتهاء صلاحيتها.
تتجلى هذه النظرة الاحتقارية في طبيعة المهام التي يُكلف بها هؤلاء العملاء، والتي غالباً ما تشمل الأعمال القذرة والدنيئة ومنها بث الفتن لزرع بذور التفرقة بين المجتمعات وخاصة مجتمع الأقليات، وتتعمد السلطات المشغِّلة إبقاء هؤلاء العملاء في حلقة مفرغة من الابتزاز والتهديد المستمر، مستغلةً نقاط ضعفهم أو السقطات الأخلاقية والمالية التي تورطوا فيها كأوراق ضغط دائمة لضمان ولائهم القسري.
التاريخ لا ينسى..!
وحتى إن استفاق ضمير العميل أو شعر بالندم وأراد التوقف عن ممارسة هذه الأعمال التخريبية، فإن السلطات المشغِّلة لا تسمح له بالانسحاب بسهولة. بل تواجهه بالتهديد بكشف هويته للمجتمع أو تصفية حساباتها معه، مما يدفعه للاستمرار رغماً عنه. ويكفي ان نذكر قصة حدثت عهد الاحتلال البريطاني واعدام المجاهدين أحمد محمد أبو جلدة ورفيقه “العرميط”، وهما من أبرز قادة الثوار خلال فترة الانتداب، حيث جندت السلطات البريطانية جاسوساً عربيًا فلسطينيًا للإيقاع بهما، وعندما نجح الجاسوس في مهمته وذهب لاستلام مكافأته، رفض الضابط البريطاني مصافحته قائلاً: “من يخون شعبه ووطنه لا يستحق أن أصافحه”.!
التاريخ لا ينسى والتستر وراء الشعارات لا يدوم طويلاً، وفي النهاية، لا يصح إلا الصحيح، وستفتح السلطات ارشيفها وستنكشف كل الحقائق مهما طال الزمن..!
سعيد بدران 1905

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة