تحولات المشهد الاحتفالي: الأعراس العربية بين أصالة الماضي وتحديات الحداثة المشوهة

بقلم سعيد بدران

تاريخ النشر: 02/08/26 | 17:04

– بيرقص وبيشقلب على بطنه..!
شهدت المجتمعات العربية في العقود الأخيرة تغيرات متسارعة طالت شتى مناحي الحياة الاجتماعية والثقافية، غير أن التحول الأكثر بروزاً وإثارة للجدل تجسد في شكل وطقوس الأعراس والاحتفالات الشعبية. فبعد أن كانت هذه المناسبات تعبيراً عن الهوية الأصيلة والتلاحم الاجتماعي المبني على الوقار والحشمة، تحولت في كثير من الأحيان إلى استعراضات صاخبة تفتقر إلى الذوق الرفيع والرزانة التي ميزت الأجيال السابقة. هذا التحول يدعو إلى قراءة نقدية متأنية تبحث في الفوارق الجوهرية بين الأمس واليوم على مستويات المظهر، والسلوك الإنساني، والفن الموسيقي.
#هيبة الماضي: الوقار سيد الموقف
في الماضي القريب، كان العرس يمثل حدثاً اجتماعياً مهيباً تشارك فيه القرية أو الحي بأكمله ضمن أطر واضحة من الاحترام المتبادل. وكان الحضور يتوافدون بملابسهم التقليدية الأنيقة والنظيفة، كالقمباز والعباءة والحطة والعقال، وهي أزياء لم تكن مجرد قطع قماش، بل رموز تعكس الرجولة والمكانة الاجتماعية والالتزام بالقيم المحافظة. كان هذا الهندام يفرض تلقائياً حالة من الانضباط السلوكي، حيث يحرص كل فرد على الظهور بأبهى صورة تليق باسم عائلته ومجتمعه.
ولم يكن الفنان أو المطرب الشعبي بمنأى عن هذا السياق؛ بل كان يمثل ركيزة الوقار في الحفل، ويطل على الجمهور بكامل حشمته وهندامه الراقي، متسلحاً بصوت قوي وكلمات منتقاة تحاكي قيم الكرم والشجاعة والترابط الأسري. كان وقوفه في ساحة الفرح يحمل هيبة المعلم والموجه، يحظى باحترام الصغير والكبير، ولا يجرؤ على تجاوز حدود الأدب اللفظي أو الحركي، مما يجعل من وجوده إضافة نوعية تزيد المناسبة رفعة وأصالة.
#مظاهر العصرنة المشوهة: غياب الذوق والوقار
في المقابل، يلاحظ المتابع للأعراس المعاصرة تراجعاً حاداً في هذه المعايير الجمالية والأخلاقية. فقد ظهرت أنماط سلوكية ومظاهر خارجية غريبة على الثقافة المحلية، يتبناها بعض مؤدي الحفلات في زماننا هذا، الذين باتت تصرفاتهم تبتعد عن الوقار وتقترب من سلوكيات عشوائية لا تليق بمناسبة اجتماعية جامعة. وتتجلى هذه الظاهرة في قصات الشعر الغريبة التي تفتقر إلى التناسق، والملابس الضيقة أو غير المتكاملة كظاهرة انتعال الأحذية دون جوارب مع السراويل القصيرة، مما يفقد الفنان هيبته ويحوله من رمز للفن الأصيل إلى مجرد “ازعر” مقلد لتقاليع وافدة لا تعبر عن هوية المجتمع.
ولا يقتصر التراجع على المظهر الخارجي فحسب، بل يمتد إلى المحتوى الفني المقدم. فالأغاني التي تصدح بها مكبرات الصوت اليوم في كثير من الحفلات تتسم بالهبوط اللغوي والموسيقي، وتعتمد على إيقاعات صاخبة ومصطلحات هابطة تفتقر إلى الحس الفني أو الرسالة الإنسانية. ورغم هذا التدني في القيمة الإبداعية، يتقاضى بعض هؤلاء المؤدين مبالغ مالية باهظة تصل إلى خمسة عشر أو عشرين ألف شيكل لقاء ساعات قليلة من الأداء، وهو ما يمثل عبئاً اقتصادياً كبيراً على العائلات، واستغلالاً غير مبرر يفتقر إلى التناسب بين الخدمة المقدمة والمقابل المادي.
#الدبكة والرقص: من الفلكور الموزون إلى الحركات العشوائية
تعد الدبكة الشعبية إرثاً ثقافياً حركياً يعبر عن وحدة الصف والتناغم والقوة والشهامة. في الماضي، كانت حلقة الدبكة تدار بأدب وحياء؛ فالحركات موزونة ومتناسقة، والخطوات مدروسة تعكس احترام الأرض واحترام الحاضرين. كان الراقص يمتلك وعياً كاملاً بجسده وبالمحيطين به، مما يجعل الرقصة لوحة فنية فلكلورية تبعث على الفخر والبهجة المشتركة.
أما اليوم، فقد تحولت هذه اللوحات الفنية في كثير من المناسبات إلى حركات عشوائية غريبة تفقد الراقص توازنه ورزانته. فالبعض ينبطح على الأرض بطرق غير مفهومة، والبعض الآخر يفرط في القفز والاهتزاز يميناً ويساراً، صعوداً وهبوطاً، في مظهر يوحي بفقدان السيطرة على السلوك والوعي. والأدهى من ذلك هو تماهي بعض الرجال مع حركات تعتمد على الهز والتمايل غير اللائق الذي يخدش الحياء العام ويتنافى تماماً مع قيم الرجولة والشهامة التي تأسست عليها الدبكة الشعبية أصلاً، مما يحول المشهد الفلكلوري إلى عرض هزلي يفتقر إلى أدنى مستويات اللياقة.
#قضاة الحلبة، فرسان الخِرَق، وغوريلات الساحة: عندما تصبح “الأفراح” مسرحاً للسريالية
وفي وسط هذه المعمعة المرتبكة، تبرز مشاهد تدعو إلى السخرية والامتعاض معاً؛ ففي منتصف حلقة الدبكة يتسمر أحدهم في المركز بوجه متجهم وعابس، يرمق الدبيكة بنظرات متعالية ويتحرك ببطء شديد، متقمصاً دور الخبير الدولي أو القاضي الصارم الذي يختبر ويمتحن أداء المحيطين به وسط طقس غريب مثير للاستهجان. ويكتمل هذا الاستعراض السريالي بظهور شخص آخر يصول ويجول في الساحة بلا كلل، وقد ربط على وسطه قطعة قماش متدلية لا تدرى لها وظيفة ولا معنى وقد يتسائل الحضور في صمت: ما هي الوظيفة الفنية لهذه الخرقة بالضبط؟ بل ما هي وظيفة هذا الشخص أساساً وما الذي يقدمه للمحفل سوى تكريس الفوضى البصرية؟
ولم تتوقف حدود الابتذال الفكري والبصري عند هذا الحد، بل تُوجت بصرعة جديدة غاية في الإسفاف؛ حيث يقتحم الساحة أحدهم مرتدياً زي غوريلا ضخم، ليبدأ بالقفز والتخبط وسط المدعوين بحركات بهلوانية فجة لا صلة لها ببهجة الفرح ولا بكرامة المناسبة. إن إقحام مثل هذه الدمى التنكرية والمشاهد المقززة في عرس اجتماعي يُفترض أنه يحتفي بالقيم والروابط الإنسانية، يعكس عمق التشويه الذي أصاب العقلية الاحتفالية، حيث استُبدلت هيبة التراث بتهريج رخيص ينتمي لقرود السيرك لا لأفراح الرجال.
#صراع “الروّيس” وظاهرة النفاق المادي
لا تكتمل القراءة النقدية للمشهد الاحتفالي الحالي دون التطرق إلى التفاصيل التنظيمية داخل حلقة الدبكة أو “السحجة”. فقد كان قائد الصف أو ما يعرف بـ “الروّيس” تشريفاً يمنح للأكبر سناً أو الأكثر كفاءة ومعرفة بأصول الدبكة، وكان الانتقال يتم بسلاسة واحترام متبادل. أما الآن، فقد تحول هذا الموقع إلى ساحة للصراعات الفردية وإثبات الذات بطرق صبيانية، حيث تشتد المنافسة للوصول إلى رأس الصف، وتتطور الأنانية في حب الظهور إلى مشادات كلامية حادة، وأحياناً إلى عراك بالأيدي يعكر صفو المناسبة ويفسد بهجة الأهل والمدعوين.
ويغذي هذا التوتر سلوك بعض المغنين الذين يمارسون النفاق الاجتماعي المباشر على المنصة. فبدلاً من التركيز على تقديم فن راقٍ يجمع الحضور، يستمر هؤلاء في مداهنة هذا وذاك، وإطلاق المديح المبالغ فيه وغير المستحق لأشخاص بعينهم بناءً على مصالح آنية. ويهدف هذا النفاق المكشوف إلى كسب ود الأفراد والحصول على التحيات المتبادلة والتقبيل، والأهم من ذلك دفع هؤلاء الأشخاص إلى وضع مبالغ مالية (النقوط) مباشرة في “عب” المغني أثناء أدائه. هذا المشهد المبتذل يختزل الفن في تجارة رخيصة، ويحول المناسبة من عرس اجتماعي يحمل قِيم الكرم والترابط إلى مزاد علني للمظاهر الكاذبة والنفاق المتبادل، مما يترك الغيورين على قيم الوطن والمجتمع في حالة من الأسى والذهول، مستحضرين العبارة الشهيرة “كأسك يا وطن” تعبيراً عن عمق الفجوة بين الواقع المرير والماضي الأصيل.
إن الحفاظ على هوية الأعراس العربية وإعادة الهيبة إليها يتطلب وعياً مجتمعياً شاملاً يبدأ من أصحاب الاعراس ويجب رفض هذه المظاهر الدخيلة، وان تضع حداً للاستغلال المادي والابتذال السلوكي، كي تبقى أفراحنا مرآة تعكس عمقنا الثقافي وقيمنا الأخلاقية الرفيعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة