الفارس د. عمر مصالحة* ترجّل أثناء رحلته الوطنيّة بين دبّورية وباريس
علي هيبي
تاريخ النشر: 31/07/26 | 12:10
(كلمة الشّاعر علي هيبي وقصيدته، الأمين العامّ للاتّحاد القطريّ للأدباء الفلسطينيّين)
نيابة عن حوالي مئة وثمانين عضوًا من أعضاء الاتّحاد القطريّ للأدباء الفلسطينيّين وعن عشرات الأصدقاء جئنا بوفد كبير إلى هذا الحفل التّأبينيّ الوطنيّ، لا لنعزّي أهل الفقيد وأهالي دبّورية بل لنشارك في أحاسيس الفخر والاعتزاز من ناحية ومن ناحية أخرى لنحسّ الفقدان العميق الأثر في نفوسنا جميعًا برحيل الفارس د. عمر مصالحة، سفير الثّقافة الفلسطينيّة، ونحن نعلم أنّ عمر ليس فقيد آل مصالحة أو قريته “دبّورية” بل هو فقيد فلسطين، كلّ فلسطين الّتي ستعود حتمًا كما حلُم عمر وكما يحلم كلّ فلسطينيّ الآن.
في هذه الذّكرى الّتي تقطر أربعة عشر ربيعًا عاطرًا بعد مسيرة المناضل عمر مصالحة، أربعة عشر عامًا على رحيل لا يعوّض، لرجل عانى النّكبة منذ طفولته، ولكنّه تحدّاها، بالموقف والعمل والعلم ومجالات المعرفة والثّقافة حتّى أوصلها إلى “اليونيسكو”، وكان سفيرًا فلسطينيًّا في هذه المنظّمة الثّقافيّة الدّوليّة لمدّة 14 عامًا، ومن هناك بدأ العالم يسمع صوت فلسطين الحضاريّ والإنسانيّ. ولا شكّ في أنْ كان ثمّة دورٌ لعمر أدبيٌّ ووطنيٌّ في نقل الخطاب الثّقافيّ الفلسطينيّ الإنسانيّ من خلال ترجمته لقصائد محمود درويش وسميح القاسم إلى اللّغة الفرنسيّة، وبذلك نقل التّجربة الوطنيّة الفلسطينيّة إلى الوجدان الغربيّ، فتعزّز بذلك صوتها الوطنيّ والسّياسيّ وحقّها المشروع بوطن لمّا يأتِ بعد، بل نحسّ أحيانًا بلا يأس أنّه يبتعد بعد كلّ الصّفقات والمؤامرات الّتي حيكت منذ “أوسلو” حتّى الخنوع العربيّ واتّفاقيّات “أبراهام” المصنّعة في مصانع العدوّ الأميركيّ – الصّهيونيّ. ومع ذلك لم نفقد الأمل رغم الدّمار والقتل والتّجويع ومحاولات التّهجير في غزّة والضّفّة، ورغم كلّ ممارسات التّدنيس العنصريّة في أكناف بيت المقدس، في أقصاه وقيامته، ما زال شعبنا يحلم كما كان من حقّ القائد الكبير ياسر عرفات أن يحلم، كان يقول: “أحلم بدولة فلسطينيّة إنّ من حقّي أن أحلم”. لذلك نم مطمئنًّا. فنحن باقون هنا في الطّور والجرمق الجليل والنّقب، وباقون في القدس والمكبّر وحيّ الشّيخ جرّاح، وباقون في غزّة وجنين، باقون ما توالج اللّيل والنّهار، ولو كره العنصريّون.
إنّ سعيك الدّؤوب من جامعة “القدس” إلى جامعة “السّوربون” الفرنسيّة، ومن طالب إلى محاضر، ومن رجل ثقافة إلى سفير سياسيّ وثقافيّ، إنّ هذه المسيرة الّتي تشعّ تفانيًا يؤكّد قدرة شعبنا على الاستمرار في الوجود وعلى تمسّكه بحقّه في التّطوّر. رحلة عمر الّتي امتدّت على مدى حياته ذات ال 67 عامًا كانت مريرة بلا شكّ ولكنّها مثيرة ووفيرة العطاء، لم تُنل إلّا على جسر من التّعب، وما أجمل الرّاحة بعد التّعب. فنم بهدوء يا عمر! فأنت تحظى بالرّاحة الكبرى وبسدرة المنتهى.
قصيدة إلى جنّةِ الخلدِ يا عمرُ
عمرٌ منَ الهجرِ والأحزانُ تستعرُ – فارْحمْ فؤادي رعاكَ اللهُ يا عمَرُ
عمرٌ منَ الهجرِ والنيرانُ توقدُها – ذكرى السنينَ لا فرحٌ ولا سمَرُ
أضحَتْ حياتي همومًا لا تعادلُها – آلامُ أيّوبَ أو يعقوبَ والزّمَرُ
يا طالبَ العلمِ منْ أنحاءِ ديرتِنا – حتّى وصلْتَ إلى العلياءِ يا قمَرُ
كنْتَ الشّديدَ العنيدَ في كلِّ نازلةٍ – تستنزلُ الخيرَ للأخيار إنْ شكروا
كنْتَ العذيَّ النّديَّ نبتًا ومكرمةً – كنْتَ الأصيلَ للأحرارِ إنْ صبروا
كنْتَ الكريمَ الّذي امتدَّتْ مكارمُهُ – جاعَ اليتامى لا ماءٌ ولا شجَرُ
يبكي الثّرى المشتاقُ دمِْثَ المزايا – يبكي الّذي للقضيّةِ شدَّهُ السّفَرُ
ترثيكَ موقعةٌ كنْتَ الأميرَ بها – يرثيكَ محتفَلٌ يرثيكَ مؤتمَرُ
منْكَ الأماجيدُ كانَتْ للعلا حُلُما – بنيْتَ للغدِ جِدَّ النّصرِ فانتصروا
غابَ الشّجاعُ وكانَ للوغى علمًا – لمّا رأى الأعداءُ سيوفَهُ فرّوا
غابَ الشّعاعُ ما اعتدْناهُ منطفئًا – يا ظلمةَ الرّوحِ لنْ تعتادَكِ البشرُ
لنا عزاءٌ في الإخوانِ ما خطروا وفي – أنَّ الإلهَ سيبعثُ روحَهُ المطرُ
إنَّ الجنانَ لتجري منْ جداولِها – حتّى يطيّبَ النّفْسَ وجهُكَ النّضرُ
فنمْ قريرَ العيونِ عظيمٌ مصابُنا – يا قرّةَ الرّوحِ والقلبِ يا عمَرُ
*(ألقيت في حفل التّأبين في الذّكرى الرّابعة عشرة لرحيل الفقيد، يوم السّبت، 25/7/2026، في دبّورية)

