درويش وسهام النقاد حين يفلت النص من التابوت
بقلم: فخري هواش
تاريخ النشر: 31/07/26 | 12:05
أقولها بدءًا، وبكثيرٍ من التهيّب: لستُ أكتب دفاعًا عن محمود درويش، فهو أكبر من أن يحتاج إلى من يدافع عنه، ولكنني أكتب لأن الإنصاف نفسه يستحق أن يُكتب.
ليست هذه السطور وصايةً على تجربةٍ شعريةٍ ملأت الآفاق، ولا مرافعةً عن شاعرٍ تجاوز حضوره حدود المقالات والقراءات، وإنما هي محاولة لردّ بعض الجميل إلى لغةٍ وسّع درويش أفقها، وإلى ذاكرةٍ أعاد تشكيلها بيتًا بعد بيت. وهي أيضًا دعوة متأنية لإعادة النظر في قراءاتٍ اختزلت مشروعًا شعريًا متحوّلًا في أحكامٍ جاهزة، واستبدلت ببوصلة التذوق الجمالي مشرط التفتيش والجناية.
درويش ليس…: النجاة من اختزالات القراءات الجاهزة
منذ بداياته، رفض محمود درويش أن تستقر قصيدته في تعريف واحد، أو أن تُحبس داخل إطار نهائي. كان يعلم أن القصيدة لكي تعيش وتستمر، لا بدّ أن تفلت من التابوت الذي يُعدّه لها النقد المتربّص، فكان ردّه الجمالي عصيّاً على الاختزال:
• درويش ليس مجرد صدى للسياسة: لم يرتضِ لقصيدته أن تُسجن في حيز البيان الحزبي أو الشعارات المباشرة، بل ارتقى بالقضية الفلسطينية من حدود الشعار إلى أفق الإنسان والوجود؛ ليصبح الحديث عن التراب حديثًا عن الروح والغياب والزمان.
• درويش ليس سجين بدايته الأولى: رفض أن يظل محبوساً في جلباب “سجل أنا عربي”؛ بل مارس القطيعة الجمالية مع ذاته القديمة، متجدداً من غنائية البدايات إلى رحاب الفلسفة والأسطورة في “الجدارية” و”لا تعتذر عما فعلت”.
• درويش ليس نصًا سهلاً: كان خروجاً مستمراً عن الانتظارات الجاهزة، يُباغت ناقده وقارئه في كل ديوانٍ بإيقاعٍ مغاير ولغةٍ تُعيد تشكيل نفسها وتتسع كل صباح.
سهام التناص: بين اتّهام السطحية وحوار الأرواح
ولعل أكثر التهم شيوعاً والتي رُميت بها تجربة درويش المتأخرة، كانت سهام “التناص”؛ حين سارع بعض النقاد -عن ضيق أفق أو قراءة سطحيّة- إلى اقتطاع عباراته ومحاكمتها كـ “استعارة مفرطة” أو خروج عن الأصالة، متجاهلين أن التناص يُعدّ من أهم منابع الشعرية الحديثة.
فالنص الكبير لا يولد من فراغ، بل يدخل في حوار حيّ مع ذاكرة اللغة والتراث والأسطورة والتاريخ. ولم يكن درويش يستعير الأصوات حيرةً أو عجزاً، بل كان يعيد صهرها في نسيجه الشعري حتى تغدو جزءًا أصيلاً من صوته الخاص.
وليس التناص خصوصيةً درويشية، بل هو قانون أصيل من قوانين الأدب الإنساني؛ فالأصالة لا تعني القطيعة مع التراث ولا الادعاء بالابتداء من العدم، بل هي القدرة على إعطاء الموروث حياة جديدة. لذلك لا ينبغي أن يُسأل النص الكبير: “مِمّن أخذ؟” بل السؤال الحقيقي هو: “ماذا صنع بما أخذ؟”
سر الفرار: بناء القلعة وتجدد اللغة
لقد بنى درويش لغته على التحول المستمر، فظلّت قصيدته تفلت من التصنيف، وتقاوم الاستسلام لأقواس النقد الضيقة. كان يدرك أن النقد السطحي يبحث عن جثة هامدة ليتسنى له تشريحها، فكان يصرّ على أن تظل قصيدته فارّة إلى الأمام، حية، ومستقلة.
وليس معنى ذلك أن تجربته فوق النقد أو منزهة عن المراجعة، بل إن النقد الحقيقي الواعي هو ذاك الذي يضيء النص ويستكشف طبقاته الجمالية، لا الذي يحاكمه بأحكام انطباعية ومواقف مسبقة.
خاتمة: الإنصاف الأخير
لم يسرق محمود درويش من أحد، لأنه لم يكن مجرد جامعٍ للنصوص ولا ناقلًا للعبارات، بل كان خالقًا لعلاقات جديدة ومبتكرة بينها. دخل إلى مكتبة الإنسانية قارئًا متأملًا، وخرج منها شاعرًا مجددًا.
وتلك هي العلامة الفارقة لكل مبدع كبير: أن يفتح الريح على مخارج حروفه ليتكلم التراث بصوته هو، لا أن يتكلم هو بصوت التراث. أكتب
هذا لا ليحتاج درويش إلى كلمة، بل لنقول لأنفسنا وللغة إن الرجل كان وسيظل صرحًا أعظم من أن تنال منه سكاكين النقاد.
البروة/ جديدة المكر
30-07-2026

