حين انتحرت الواقعية السياسية
فخري هوّاش
تاريخ النشر: 31/07/26 | 8:22
ولدت الواقعيةُ السياسيةُ بوصفها محاولةً لفهم العالم كما هو، لا كما ينبغي أن يكون. كانت تقول إن السياسة لا تُدار بالرغبات، بل بميزان القوى، وإن الدولة مطالبة بحماية مصالحها قبل أي شيء. غير أن هذا التصور لم يكن، في أصله، دعوةً إلى إلغاء الأخلاق، بل تحذيرًا من تجاهل الواقع.
لكن اليمين المعاصر لم يكتفِ بقراءة الواقع؛ بل أعاد تشكيله على صورة القوة. وهنا وقع الانقلاب الكبير.
تحوّلت الواقعية من منهجٍ يفسّر السياسة إلى عقيدةٍ تقدّس القوة، ومن أداةٍ لتحليل الصراع إلى خطابٍ يمنح الشرعية لكل من يملك القدرة على فرض إرادته. لم تعد القوة وسيلةً لحماية الدولة، بل أصبحت الدولة نفسها أداةً لتوسيع القوة. ولم تعد المصلحة الوطنية محكومةً بضوابط القانون والأخلاق، بل صار القانون والأخلاق يُعاد تأويلهما بما يخدم المصلحة الآنية للأقوى.
عند هذه اللحظة، انتحرت الواقعية السياسية.
فالسياسة التي كانت تبحث عن توازن القوى، أصبحت تبحث عن احتكارها. والردع تحوّل إلى هيمنة، والأمن إلى ذريعة للتوسع، والدبلوماسية إلى إدارةٍ للقسر، والقانون الدولي إلى نصٍّ يُستدعى حين يخدم الأقوياء، ويُهمَل حين يقيّدهم.
لقد نجح اليمين في قلب المعادلة الفلسفية: لم يعد الحق مصدرًا للشرعية، بل أصبحت الشرعية تُستمد من القدرة على فرض الأمر الواقع. ولم تعد العدالة غاية السياسة، بل صارت نتيجةً يكتبها المنتصر بعد انتهاء المعركة.
وهكذا، لم تعد الواقعية السياسية تصف العالم، بل أصبحت تُبرّر انحداره. وصار الاحتلال “حقًا تاريخيًا”، والحصار “إجراءً أمنيًا”، والإبادة “دفاعًا عن النفس”، والكذب “استراتيجية اتصال”، لأن معيار الحكم لم يعد أخلاقيًا أو قانونيًا، بل ميزانًا واحدًا: من يملك القوة يملك الحقيقة.
غير أن التاريخ يُعلّمنا أن القوة، حين تتحول إلى غاية، تبدأ بتآكل صاحبها قبل خصومه. فالإمبراطوريات لم تسقط لأنها كانت ضعيفة، بل لأنها صدّقت أن القوة وحدها تكفي لصناعة المستقبل. وحين تغيب العدالة، تتحول القوة إلى عبءٍ على حاملها، ويصبح النصر بذرة الهزيمة القادمة.
إن الواقعية السياسية، إذا انفصلت عن الأخلاق، لا تنتج نظامًا مستقرًا، بل تؤسس لفوضى مؤجلة. فالعالم لا يُبنى بالقوة وحدها، كما لا يُحفظ بالقانون وحده؛ وإنما بالتوازن بين القوة التي تمنع العدوان، والعدالة التي تمنع القوة من التحول إلى عدوان.
ولعل المأساة الكبرى في زمننا ليست صعود اليمين فحسب، بل نجاحه في إقناع العالم بأن القوة هي الحقيقة، وأن المنتصر هو المعيار، وأن الضحية مطالبة دائمًا بإثبات إنسانيتها، بينما لا يُطلب من القوي إلا أن ينتصر.
وهنا، لا تسقط الواقعية السياسية وحدها، بل يسقط معها المعنى الأخلاقي للسياسة نفسها؛ لأن السياسة التي تجعل القوة غايةً، لا تعود سياسة، بل إدارةً منظمةً للغلبة، حيث يُكتب التاريخ بمداد السلاح، ويُمحى الإنسان من الهامش.

