جيولوجيا الروح
بقلم: رانية مرجية
تاريخ النشر: 25/07/26 | 10:10
لا أظن أن مأساة الإنسان تكمن في أنه يخطئ؛ فالخطأ ليس انحرافًا عن الطبيعة، بل أحد وجوهها. نحن لا نولد مكتملين، وإنما نولد قابلين للتشكّل، كما تولد الأرض كتلةً واحدة قبل أن تنحتها الأزمنة، وتشقها الزلازل، وتراكم فوقها الفصول طبقاتها الصامتة.
لعل الروح أيضًا أرضٌ خفية، لها جيولوجيتها الخاصة؛ لا تُقرأ بخرائط الجغرافيا، بل بآثار ما مرّ بها. كل لقاء يترك طبقة، وكل فقد يرسّب معدنًا جديدًا، وكل خيبة تفتح صدعًا لا يُرى، لكنه يغيّر شكل الداخل إلى الأبد.
لهذا لا يصبح الإنسان شخصًا آخر في لحظة، بل يتبدل ببطء يكاد لا يُدرك. لا يفسده الشر الكبير، وإنما الاعتياد على الشر الصغير. فالنفوس لا تتآكل بضربة واحدة، بل باحتكاك الأيام، كما ينحت الماء الصخر قطرةً بعد قطرة، حتى يبدو الانهيار، في النهاية، وكأنه حدث فجأة، مع أنه كان يحدث منذ زمن بعيد.
ولذلك أخاف من الأشياء التي لا تُحدث ضجيجًا؛ من الكلمة التي تمر بلا اعتذار، ومن الوعد الذي يُنسى لأنه بدا صغيرًا، ومن النظرة التي لا ترى في الإنسان إلا منفعةً مؤقتة. فهذه التفاصيل، التي يظنها الناس عابرة، هي التي تبني تضاريس القلوب أو تهدمها.
الثقة لا تموت بالخيانة وحدها، بل تموت حين يصبح الصدق قابلًا للتأجيل، والوفاء خاضعًا للظروف، والكرامة موضوعًا للتفاوض. عندها لا ينهار شيء دفعةً واحدة؛ بل يبدأ كل شيء بفقدان توازنه، حتى يصبح السقوط مجرد نتيجة متأخرة.
أدهشني دائمًا أن الإنسان يتأقلم مع كل شيء؛ مع الألم كما يتأقلم مع القسوة، ومع الظلم كما يتأقلم مع الصمت. وما يتكرر يفقد غرابته، حتى لو كان انحرافًا عن الفطرة. وهكذا تتحول الأخطاء، مع الزمن، إلى أعراف، ويغدو الاعتياد أخطر من الخطيئة نفسها؛ لأنه يمنحها مظهر البراءة.
ولا يخيفني الكره بقدر ما يخيفني الفراغ الذي يتنكر في هيئة محبة. أن يصبح الحنان أداءً اجتماعيًا، والابتسامة وظيفة، والكلمات جسورًا إلى المصلحة لا إلى الإنسان. فالزيف لا ينتصر لأنه أقوى من الحقيقة، بل لأنه أكثر قدرة على التشبه بها.
كم من الأرواح ماتت وهي ما تزال تمشي بين الناس، لا لأن أحدًا أساء إليها إساءةً عظيمة، بل لأن العالم استنزف فيها القدرة على التصديق. فالقلوب لا تنغلق دفعةً واحدة؛ إنها تقلل نوافذها واحدةً بعد أخرى، حتى لا يعود يدخلها إلا ما يؤكد خوفها القديم.
ومع ذلك، لا يزال الخير ممكنًا.
ليس لأنه يغلب الشر دائمًا، بل لأنه يرفض أن يشبهه. الخير الحقيقي لا يحتاج إلى شاهد، ولا يرفع صوته ليُثبت وجوده. إنه يحدث في الخفاء؛ في يدٍ أمسكت بقلبٍ على وشك السقوط، وفي كلمةٍ أعادت لإنسان ثقته بنفسه، وفي رحمةٍ لم يعرف صاحبها أنها غيّرت مصير أحد.
لهذا أدركت أن الإنسان لا يُقاس بما يملكه، ولا بما يقوله عن نفسه، بل بما يتركه خلفه في أرواح الآخرين. فبعض الناس يغادرون المكان، لكنهم يتركون داخلك اتساعًا، وكأن الحياة أصبحت أقل قسوة بعدهم. وبعضهم يرحلون، ويظل غيابهم حاضرًا كصدعٍ لا يلتئم، لأنهم مرّوا فوق الروح كما تمر الزلازل فوق اليابسة.
ولم أعد أبحث عن الإنسان الكامل؛ فالكمال لا ينتمي إلى هذا العالم. صرت أبحث عن الإنسان الذي لا يسمح للقوة أن تفسد قلبه، ولا للخذلان أن يسلبه إنسانيته، ولا للانتصار أن يجعله ينسى هشاشته الأولى. الإنسان الذي يعرف أن أعظم أشكال النبل ليست أن تكون معصومًا، بل أن تبقى رحيمًا، رغم كل ما علّمك العالم من أسباب القسوة.
أؤمن أن الحضارات لا تبدأ من الحجارة، ولا تنتهي عند أنقاضها. إنها تبدأ في الضمير، وتسقط فيه أولًا. فكل انهيار عظيم كان، في أصله، تنازلًا صغيرًا عن حق، أو صمتًا أمام ظلم، أو خيانةً أقنع صاحبها بأنها ضرورة.
وفي النهاية…
لن يسأل الزمن كم مرة انتصرنا، ولا كم اسمًا حفظه الناس لنا.
سيبقى سؤال واحد، يهبط إلى أعماق الروح كما يهبط الجيولوجي إلى طبقات الأرض بحثًا عن تاريخها:
أيُّ تضاريسٍ تركتها في القلوب التي مررت بها؟
فما الإنسان إلا طبقةٌ في ذاكرة إنسانٍ آخر؛
قد تكون صخرًا يحول بينه وبين الضوء،
وقد تكون تربةً خصبةً نبت فيها الرجاء.
أما كل ما عدا ذلك…
فليس سوى غبارٍ يذروه الزمن.

