ما وراء العنف: جريمة تُولد من الإقصاء لا من الفراغ

بقلم: المربي أحمد البحيري

تاريخ النشر: 23/07/26 | 18:25

ليس كل من يُلقي القبض على مجرم قد انتصر على الجريمة، وليس كل محكمة تُغلق ملفًا تكون قد أغلقت جرحًا. يخطئ من يظن أن العنف يُهزم بالهراوات وحدها، أو أن الجريمة تُقتلع بالاعتقال فقط. نعم، على الدولة وأجهزتها الأمنية أن تقوم بواجبها دون تردد في ملاحقة المجرمين وضبط السلاح غير الشرعي؛ فهذا شرط لا غنى عنه. لكن الاكتفاء بذلك ليس حلًا، بل معالجة للنتائج، وتركٌ متعمّد للأسباب كي تنمو في الظل.
العنف ليس عابرًا ولا طارئًا على مجتمعاتنا؛ إنه ابنٌ شرعي لسنوات طويلة من التهميش، والفقر، والبطالة، وأزمات السكن، وانسداد الأفق في وجوه الشباب. حين يُغلق المستقبل أبوابه، يفتح العنف نوافذه. وحين يُسحب الأمل من القلوب، يصبح السلاح لغة، والجريمة وسيلة، والشارع مدرسة بديلة.
المواجهة الحقيقية للعنف ليست أمنية فقط، بل مؤسساتية شاملة، تبدأ من الجذور لا من الأغصان اليابسة. خذوا مثلًا قضية القروض والسوق السوداء: نُحذّر الناس من الاستدانة غير القانونية، ومن فخ الربا والاستغلال، بينما تقدّم مؤسسات رسمية قروضًا بشروط قاسية وفوائد خانقة، لا تختلف في جوهرها عمّا تفرضه السوق السوداء. في هذا التناقض يُدفع الناس إلى الغرق، ثم يُلامون لأنهم لم يعرفوا السباحة. الحل ليس في التحذير وحده، بل في بناء وعي مالي حقيقي يبدأ من المدرسة، ويغرس ثقافة الإدارة الرشيدة، والادخار، والمسؤولية الاقتصادية.
أما تسرّب الطلاب من المدارس، وظهور مؤشرات الانجراف المبكر نحو العنف والجريمة، فليس فشلًا فرديًا، بل مرآة لفشل جماعي. إنه سؤال موجّه إلينا جميعًا: ماذا فعلنا لهؤلاء؟ أي أطر وفرنا؟ أي احتواء قدّمنا؟ وأي أمل أبقيناه حيًا في نفوسهم؟ فالشاب الذي لا يجد مكانه في المدرسة سيبحث عنه في الشارع، وهناك تُكتب نهايات كثيرة قبل أوانها.
ولا يمكن الحديث عن العنف دون التوقف عند الأسرة، هذا الحصن الأول الذي يتصدّع تحت ثقل الضغوط الاقتصادية. حين ينشغل الأهل بالصراع اليومي من أجل البقاء، تتراجع المتابعة، ويتسع الفراغ، ويتسلل الشارع بثقافته القاسية، حاملًا السلاح بدل الكلمة، والعنف بدل الحوار.
الخلاصة أن مواجهة العنف ليست معركة يوم واحد، ولا قرارًا أمنيًا عابرًا، بل مشروع مجتمع بأكمله. هي معادلة تتطلب حزمًا أمنيًا لا يساوم، وعدالة اجتماعية لا تتأخر، واستثمارًا حقيقيًا في التعليم والعمل ودعم الأسرة. وحده جيل يمتلك الوعي والكرامة والأمل، قادر على كسر دائرة الجريمة، واختيار الحياة بدل العنف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
بقجة Icon
بقجة
أحصل على تطبيق بقجة الجديد
تحميل
×

تمّ اكتشاف مانع للإعلانات

فضلاً قم بإلغاء مانع الإعلانات حتى تتمكن من تصفّح موقع بقجة